أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حازم كويي - بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2















المزيد.....



بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 14:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
مقارنة بين حزب العمل البلجيكي(PTB) والاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (DSA)
جو تود(*)
ترجمة وأعداد: حازم كويي
الجزء الثاني

كيف ينتج النموذجان المنظمين؟
كلا النموذجين يُنتجان منظمين قادرين، لكن بطرق مختلفة:
في: حزب العمل البلجيكي، من خلال ممارسة جماعية منظمة داخل إطار ثابت، تعزز الانضباط والاستمرارية.
في : الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، من خلال الاستقلالية والتحفيز الذاتي.
لكن كلا النموذجين لهما سلبيات أيضاً.

قيود نموذج حزب العمل البلجيكي
قد يؤدي هذا النموذج إلى إعطاء وزن أكبر لأنواع النشاط التي تتناسب بسهولة مع جهاز هرمي مركزي، مثل:الحملات الانتخابية،الحملات الموجهة من القيادة،وفي المقابل، قد تحصل الأنشطة الأكثر مرونة أو المرتبطة بالحركات الاجتماعية والثقافة والتنظيم الذاتي على مساحة أقل، ما لم تكن مرتبطة بشكل واضح بالأولويات الوطنية أو بالبنية التنظيمية المحلية أو المهنية.

نموذج منظمة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون:
مرونة كبيرة مقابل ضعف التنسيق
يوفّر نموذجهم مساحة واسعة للمبادرات القاعدية وللممارسة الإبداعية.لكن في الوقت نفسه، كما قال أحد المشاركين في المقابلات:
«هو في جوهره مشروع لتنظيم الذات: إذا كانت لدى الفرع المحلي دوافع قوية، يمكن أن ينجح، أما إذا غابت الخبرة، فإنه يواجه صعوبات بسرعة.»
عملياً، يمكن أن تتحول الفروع المحلية إلى كيانات عمل منفصلة تقريباً عن بعضها البعض، دون تنسيق قوي أو تماسك استراتيجي واضح. وإذا تراجع نشاط المنظمين الأساسيين – مثلًا بسبب الإرهاق – فإن المشاريع قد تنهار بالكامل في بعض الحالات.

هرمي لكنه مرن: نموذج حزب العمل البلجيكي
ينظّم الحزب قيادته الداخلية عبر بنية تقليدية من «المركزية الديمقراطية»، لكنها مطوّرة بعناية.
يعقد الحزب مؤتمراً عاماً كل خمس سنوات. وقبل ذلك بسنة، يخوض الكوادر – وهي مستوى خاص من العضوية سيُشرح لاحقاً – نقاشات منظمة حول وثائق استراتيجية وتنظيمية أساسية، تشمل:
تحليل الوضع السياسي،تقييم تطور الحزب،تقديم مقترحات للتغيير.
وفي المؤتمر، يصوّت الكوادر ومندوبو المجموعات القاعدية على هذه الوثائق، كما يتم انتخاب القيادة الوطنية.
هيكل عضوية متدرّج
يهدف هذا النظام المتدرج للعضوية إلى دعم واستقرار هذا النموذج التنظيمي:
الأعضاء الاستشاريون: يدفعون اشتراكاً منخفضاً، ويتلقون معلومات ودعوات للفعاليات العامة، لكنهم لا يشاركون في الهياكل الديمقراطية الداخلية.
أعضاء المجموعات القاعدية: يدفعون اشتراكات سنوية، ينتمون إلى مجموعة محلية محددة، يتلقون تدريباً سياسياً من حين لآخر، ويشاركون في صنع القرار المحلي.
عند المؤتمر لا يصوّت الأعضاء فقط، بل يتم أيضاً انتخاب القيادة الوطنية للمنظمة. الكوادر هم طبقة صغيرة من المنظمين ذوي الالتزام العالي، يتلقون تدريباً سياسياً، ويتحملون مسؤوليات كبيرة، ويشاركون في مؤتمرات الحزب.
تخضع هذه الكوادر لقواعد واضحة، من بينها سقف محدد للدخل. وبناءاً على ذلك، يعيشون على مبلغ ثابت، بينما يتم تحويل باقي دخلهم إلى الحزب أو إلى منظمات مرتبطة به. ويوضح أحد المشاركين أن سقف الدخل بالنسبة «للأعمال الفكرية» يبلغ حوالي 2400 يورو شهرياً، مع سقف أعلى في قطاع الإنتاج، حتى لا يُعاقب العمال على نجاحهم المهني.
ويُتوقع من الكوادر أن يكرّسوا حياتهم للحزب: قيادة المجموعات القاعدية والحملات، والانضمام إلى فرق العمل على المستوى الوطني، والالتزام بالقرارات الاستراتيجية والتكتيكية حتى لو لم يوافقوا عليها شخصياً.
كما قال أحد الأعضاء: «إذا تم اتخاذ خط حزبي، عليك دعمه». وقبل اتخاذ القرار، توجد مساحة للنقاش الداخلي، لكن بعد ذلك تصبح هذه المساحة محدودة جداً.
تمتلك القيادة الوطنية صلاحية إدارة الموارد وتوزيعها وتعيين الأفراد. وقد ساعدت النجاحات الانتخابية حزب العمل البلجيكي على الحصول على تمويل عام كبير، يُستخدم لبناء جهاز مهني من البحث والتنظيم والتواصل.
أما البُنى المحلية فلا تدير أموالها بشكل مستقل، بل تتلقى الموارد والكوادر وفق أولويات استراتيجية تُحدد مركزياً. كما أن اختيار المرشحين يتم على المستوى الإقليمي بالتنسيق مع القيادة الوطنية، وليس من قبل المجموعات القاعدية أو الأقسام المحلية.
ورغم هذا الطابع الهرمي الصارم، يتمتع الحزب بقدر من المرونة في التنفيذ. يقول أحد الأعضاء: «إذا كان شخص ما صديقاً لعضو، وكان من غير المرجح أن ينضم لتلك المجموعة، يمكن إيجاد حل مرن». وينطبق الأمر نفسه على الترقي إلى مستوى الكادر، حيث توجد عملية تفاوض. ويُطلب من الكادر عادة تخصيص نحو 5 إلى 6 ساعات أسبوعياً للعمل الحزبي، لكن الأمر يعتمد على ظروف الحياة الشخصية.

منظمة ديمقراطية قاعدية ذات مراكز قوة متنافسة
يكون التنسيق داخل منظمةالاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون أكثر مرونة بكثير.
نظرياً، تُعد «اللجنة السياسية الوطنية» (NPC)، التي ينتخبها المندوبون في المؤتمر، هي الهيئة العليا في المنظمة. وهي مسؤولة عن توظيف العاملين على المستوى الفيدرالي، والإشراف عليهم، وتحديد الأولويات السياسية، وتمثيل المنظمة خارجياً.
عملياً، غالباً ما يواجه هذا المجلس صعوبة في إدارة حجم وتعقيد المنظمة، وكذلك في التعامل مع الفروع المحلية ومجموعات العمل والتيارات المُنظَمة التي تحرص بشدة على استقلاليتها.
ولا تصبح قرارات الـ NPC فعّالة إلا إذا تمكّن من تعبئة ثلاثة مراكز قوة رئيسية:
1. الفروع المحلية الكبيرة والمموّلة جيداً.
2. نظام التيارات المُنظمة، الذي يجنّد ويُدرّب ويُنسّق القوائم القيادية.
3. العاملون المتفرغون على المستوى الوطني الذين يسيطرون على المعلومات والبنية التحتية وتحديد جدول الأعمال اليومي.
وأقوى هذه المراكز هي التيارات الأيديولوجية، لأنها الجهة الوحيدة التي تعمل بشكل منظم ومستمر عبر مختلف أجزاء المنظمة المبعثرة. ففي حين تسيطر الفروع المحلية على العمل اليومي، فإن التيارات هي التي تؤثر بشكل كبير على الانتخابات.
تقوم هذه التيارات أيضاً بوضع الأجندة السياسية، حيث تقوم بتجنيد وتدريب القيادات، وصياغة البرامج، والمشاركة في الانتخابات عبر قوائم منظمة بشكل كامل للمنافسة على اللجنة السياسية الوطنية (NPC) وعلى أهم الهيئات الوطنية الأخرى.
ويُعزَّز تأثيرها من خلال نظام الانتخابات نفسه، إذ إن نظام التمثيل النسبي في دوائر متعددة المقاعد يفضّل القوائم المنظمة على حساب المرشحين الأفراد المستقلين.
ورغم قوتها، تبقى هذه التيارات صغيرة مقارنة بإجمالي عدد أعضاء المنظمة. فالتقديرات تشير إلى أن فقط حوالي 2–5٪ من الأعضاء ينتمون إلى تيار(الأغلبية الأشتراكية)، لكن بين الأعضاء النشطين ترتفع النسبة إلى 10–25٪.
يقول ديفيد دوهالدي، النائب السابق لقيادة لمنظمة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون وعضو تيار(الأغلبية الأشتراكية):
فعلياً، هي أشبه بتكتلات تسيطر عملياً على المنظمة».
كما تشير سِيدني غازاريان، مؤسسة مجموعة العمل البيئي الاشتراكي داخل المنظمة، إلى أن الإصلاحات البنيوية غالباً ما تفشل بسبب هذه التيارات. فإذا لم يعجبها اقتراح معين، فإنها تستخدم ثقلها التنظيمي الكامل أو تهدد بالانسحاب من المنظمة، وهو أمر ممكن لأنها تمتلك شبكاتها وبنيتها الخاصة التي تسمح لها بالعمل بشكل مستقل.ورغم أن الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون يؤكدون على الشفافية والديمقراطية، فإن قيادة التيارات غالباً ما تكون غير شفافة، وبعضها لا يُجري حتى انتخابات داخلية. ويرتبط ذلك بطبيعتها غير الرسمية داخل المنظمة، إذ إن هذه التيارات غير مذكورة لا في النظام الداخلي الوطني ولا في دستور المنظمة.
توضيح هذه البُنى أكثر في القسم التالي.فهم كمنظومة حية وليست منظمة هرمية
بدلاً من اعتبارها منظمة ذات هيكل واضح، يمكن فهم الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون كـ«كائن حي» تنظيمي، لا توجد فيه سلسلة قيادة واحدة، بل شبكة معقدة من المجموعات المتداخلة وآليات، تشمل:
الفروع المحلية،مجموعات العمل،اللجان الوطنية،التيارات.
(الأغلبية الأشتراكية (»تكتلات أو «مجموعات داخلية» العاملين المتفرغين،المسؤولين المنتخبين،ومجموعات متغيرة باستمرار،مجموعات دردشة ونقاش.
تظهر المشاريع ثم تتغير ثم تختفي. فقد تختفي لجنة كانت تُعتبر أساسية في سنة ما في السنة التالية، بينما قد تظهر حملة جديدة أو تيار جديد في موقع الصدارة فجأة.

دور العاملين المتفرغين
يحتل العاملون المتفرغون موقعاً حساساً. فهم موظفون لإدارة المستوى الفيدرالي ضمن بيئة فيها مراكز قوة متعددة ومتداخلة.
لكنهم في الوقت نفسه منظمون نقابيًا، أي أنهم ليسوا مجرد أدوات بيد القيادة الحالية في اللجنة الوطنية.
ويطرح نيل ماير، أحد المنظمين في نيويورك وعضو تيار الخبز والورود، هذا السؤال:
«كيف يمكن تصميم وظيفة بدوام كامل بحيث تكون مرنة مع القيادة السياسية، دون أن يتطلب كل تغيير في القيادة استبدالاً كاملاً للموظفين؟»
وعندما تنشأ صراعات حول الفصل أو الانضباط، تتحول غالباً إلى صراعات بين التيارات، لأن أدوات التأثير المباشر على المستوى الوطني محدودة.

العضوية داخل منظمة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون
الالتزامات الرسمية للأعضاء بسيطة جداً:
دفع الاشتراك يكفي لاعتبار الشخص عضواً،يمكنه المشاركة في انتخابات الفروع المحلية،الترشح لمناصب داخلية،المشاركة في مجموعات العمل.
لكن لا توجد طبقة «كوادر» رسمية ذات حقوق وواجبات إضافية.
ومع ذلك، عملياً توجد درجات غير رسمية:
أعضاء اسميون،منظمون نشطون،قيادات محلية.
لكن هذه التصنيفات غير رسمية، وتُحدَّد التوقعات عملياً داخل الفروع واللجان، وليس على المستوى الوطني.

إصلاحات لجنة الديمقراطية
مثّلت إصلاحات (لجنة الديمقراطية (محاولة جزئية لتعزيز وظائف القيادة والتوجيه، دون التخلي عن تركيز المنظمة على استقلالية الفروع المحلية.
تم إدخال ما يُسمى «الحد الأدنى من المعايير الديمقراطية» للفروع المحلية، وهي متطلبات أساسية تتعلق بالانتخابات، وتوثيق الاجتماعات، والمساءلة الداخلية، ويجب على الفروع الالتزام بها حتى تُعتبر فروعاً شرعية.
كما تم إنشاء آليات تسمح للجنة السياسية الوطنية (NPC) بالتدخل في حالات الأزمات داخل الفروع، مثل إرسال وفود للتحقيق واقتراح حلول.
كذلك بدأ إنشاء أرشيف وطني يشمل الأنظمة الداخلية، والقرارات، ونتائج الانتخابات الخاصة بالفروع المحلية.
ومع ذلك، تبقى هذه الأدوات ضعيفة مقارنة بنموذج حزب العمل البلجيكي، الذي يعتمد على هيكل مركزي تقوده الكوادر ومتمركز حول المؤتمرات.

آليات مركزية مقابل آليات لامركزية
بشكل عام، يقدم حزب العمل البلجيكي و الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون إجابتين متعاكستين تقريباً على سؤال: كيف يجب تنظيم القيادة والتنسيق؟

نموذج حزب العمل البلجيكي وعضو تيار: مركزية قوية
يعتمدالحزب على سلسلة تنظيمية متكاملة تربط بين:
المؤتمر العام،القيادة الوطنية، الهياكل الإقليمية، المجموعات القاعدية وفي مركز هذا النظام توجد طبقة الكوادر.
بمجرد اتخاذ قرار سياسي، يُطلب من الأعضاء دعمه، حتى لو كانوا مختلفين معه أثناء النقاش.
الهدف هو وجود قيادة قوية قادرة على:
الإشراف على التنظيم ككل،توزيع الموارد، تنفيذ القرارات بشكل ملزم.
ميزة هذا النظام هي أنه يسمح بتنفيذ القرارات ومتابعتها بشكل فعال. لكنه في الوقت نفسه يعتمد على قيادة متماسكة وفعّالة. فإذا ضعفت القيادة أو فقدت مصداقيتها، فإن المنظمة تتأثر بشكل كبير بسبب مركزيتها العالية.
نموذج الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون: تعدد مراكز القوة،توزّع السلطة بين عدة مراكز قوة متداخلة بدلاً من قيادة واحدة هرمية.
نظرياً، يُعدّ المؤتمر واللجنة السياسية الوطنية (NPC) أعلى الهيئات. لكن عملياً، تتوزع السلطة بين:
التيارات المنظمة، شبكات النفوذ المرتبطة بها،الفروع المحلية،لجان الحملات.

قرارات التوظيف والموارد
فرق العمل الوطنية
تتنافس هذه القوى على التأثير داخل المنظمة، وعلى الفروع والحملات والقرارات الوطنية.
وتتمكن التيارات ، رغم صغر حجمها على مستوى العضوية الوطنية، من تحويل الديمقراطية الشكلية إلى قوة فعلية داخل التنظيم.
هذا النموذج يعزز الانفتاح والمشاركة، لكنه يحدّ من قدرة المنظمة على فرض تنفيذ القرارات وضمان انسجام العمل المحلي مع الاستراتيجية الوطنية.

موحَّدة، منضبطة، ومتماسكة
لا يمتلك حزب العمل البلجيكي أي تيارات داخلية رسمية، ولا توجد داخله تيارات فكرية معلنة أو مرئية داخل الحزب.
صحيح أن هناك اختلافات داخلية في وجهات النظر، لكنها لا تُعترف بها كفصائل شبه دائمة، ولا تأخذ شكلاً تنظيمياً مستقلاً، باستثناء بعض الإشارات المحدودة في وثائق المؤتمرات.
وفقاً للنهج الديمقراطي المركزي، تُجرى بعض النقاشات الداخلية قبل المؤتمر وأثناءه، لكن بعد اتخاذ القرار الاستراتيجي يُتوقع من الجميع وضع آرائهم الفردية جانباً.
كما قال أحد أعضاء المجموعات القاعدية:
«هناك خط سياسي، وهناك اتجاه، وهذا هو ما يجب دعمه».
لكن تطبيق الديمقراطية المركزية في حزب العمل البلجيكي لا يعتمد على الإكراه بقدر ما يعتمد على الاقتناع والاختيار.
فالكوادر لا يتم فرضهم بالقوة، بل يتم تحديدهم واختيارهم بعناية، ثم دعوتهم إلى نقاش مفتوح حول التوقعات المرتبطة بالدور وما الذي يمكنهم الالتزام به.
وفي جميع مستويات الحزب ـ من العضو في المجموعة القاعدية إلى المسؤول المحلي ثم الكادرـ يمر الأعضاء بعمليات تدريب وتثقيف سياسي، ويُواجهون بتوقعات واضحة.
وبهذه الطريقة يتم استبعاد الأشخاص الذين لا يتوافقون مع هذه الثقافة أو لا يستطيعون الالتزام بها.
ولهذا فإن الأشخاص الذين يفضلون النقاشات الفصائلية والمواقف المعارضة المنظمة نادراً ما يجدون في حزب العمل البلجيكي بيئة مناسبة. أما من يفضلون الوحدة والانضباط وخطاباً سياسياً موحداً، فهم أكثر ميلاً للانضمام والتدرج داخل الحزب.

نظام يُفلتر النزاعات مسبقاً
ينتج عن ذلك نظام يتم فيه تقليل كثير من النزاعات الكبيرة قبل أن تتحول إلى صراعات تنظيمية رسمية، لأن الأشخاص غير المتوافقين مع هذه الثقافة يغادرون ببساطة أو لا يصلون أصلاً إلى مستوى الكوادر.وبالتالي، فإن الاستقرار يتحقق ليس عبر العقوبات، بل عبر عملية اختيار طبيعية داخل التنظيم.

الوحدة كقيمة أساسية
في حزب العمل البلجيكي، لا تُفهم الوحدة كقاعدة إجرائية فقط، بل كقيمة أخلاقية أساسية.
فوثائق الحزب وخطابات مؤتمراته تؤكد باستمرار على فكرة «الوحدة»، وهي عنصر مركزي في هوية الحزب.
وتُقدَّر الوحدة لأسباب عمليةـ لأن اليسار المنقسم يُعتبر غير قادر على توحيد الطبقة العاملةـ كما تُعتبر وسيلة لتجنب الصراعات الفصائلية المستمرة التي تميز منظمات مثل الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون.

الانضباط والهوية التنظيمية
يعتمد كل ذلك على تركيز قوي على الانضباط، والتوقعات الواضحة، والمساءلة. ولهذا فإن العضوية في حزب العمل البلجيكي ، وخاصة موقع «الكادر»، ليست مجرد انتماء عادي، بل هوية سياسية وشخصية عميقة.
فكون الشخص كادراً يعني أن جزءاً كبيراً من وقته ودخله وصوته العام يصبح مرتبطاً بالحزب.
وبذلك يصبح التعدد الداخلي داخل الحزب محدوداً ومُوجَّهاً: فحتى عند وجود اختلافات، يتم التعبير عنها ضمن إطار الالتزام والانضباط، وليس عبر فصائل دائمة ومعلنة.

مبدئي لكن مرن
يمكن وصف ثقافة حزب العمل البلجيكي واستراتيجيته بأنها «مبدئية لكنها مرنة»، وهو تحول واعٍ عن المرحلة الماوية السابقة التي كانت أكثر طائفية وتشدداً.
ويشير عدة مشاركين إلى أن نقطة التحول كانت في إصلاحات عام 2008، حين حاول الحزب التخلي عن ما وصفه أحد الأعضاء بـ«الطائفية القديمة»، أي مرحلة كان فيها الحزب يتصرف دون مراعاة كبيرة للتكتيك.
وقد كانوا ببساطة يفترضون أن الآخرين «ليسوا أذكياء بما يكفي لفهم الخط السياسي».
منذ عام 2008، تحاول المنظمة الجمع بين عناصر من هيكل (الكوادر الماوي (وبين قاعدة جماهيرية واسعة، وذلك من خلال الاعتماد بشكل أكبر على استراتيجيات التواصل الشعبوي.
وكما يصف عالم السياسة ساي إنجلرت، تقدم منظمة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون صورة لطبقة عاملة متنوعة ويومية، بأسلوب يشبه شعار «ألوان بينيتون المتحدة»، يمكنها أن تحل محل الديمقراطية الاجتماعية بشكل مقنع من اليسار.
وقد تزامن هذا التحول الاستراتيجي مع بناء هياكل محيطة واسعة، مثل مهرجان المانيفستا السنوي، وعدة منظمات شبابية، إضافة إلى إدخال نظام عضوية استشاري مرن جداً. وهذه العضوية تشكل «هامشاً تنظيمياً واسعاً» حول نواة صلبة من الكوادر المنضبطة.

التيارات، التعددية، والاستقلالية
يؤكد الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون أنها منظمة تضم تيارات متعددة.
وتشمل هذه التيارات ما لا يقل عن 12 تياراً منظماً، من بينها:
الخبز والورود
الأغلبية الأشتراكية
المنظمات غير الربحية لتنشيط المجتمعات المحرومة.
الأساس التنظيمي وغيرها
تقوم هذه التيارات بتجنيد الأعضاء، وتنظيم التعليم السياسي، وتطوير الاستراتيجيات، وتقديم قوائم خاصة بها في انتخابات القيادة.
وبحسب أفضل التقديرات المتاحة، فإن أكبر التيارات مثل الخبز والورود والأكثرية الأشتراكية تضم فقط بضع مئات من الأعضاء لكل منها. أما التيارات المتوسطة فهي أصغر من ذلك، بينما معظم التيارات الأخرى صغيرة جداً ومحدودة داخل فرع أو فرعين فقط.
الصراع المفتوح كجزء من الحياة التنظيمية
يُنظر داخل الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين إلى الصراعات العلنية على أنها ممارسة يومية طبيعية، وليست علامة على انهيار التنظيم.
فالتيارات تتنافس على السيطرة على:اللجنة السياسية الوطنية، مجموعات العمل الوطنية، الفروع المحلية، وحتى الأقسام داخل الفروع نفسها.
وغالباً ما تصدر بيانات علنية تنتقد تيارات أخرى، وتنتقل هذه الخلافات أحياناً إلى وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر، كما يصف أحد الأعضاء.
لكن هذه النقاشات تصبح معقدة لدرجة أن فهمها الكامل يقتصر على عدد صغير من المطلعين.
وكما يوضح أحد أعضاء اللجنة السياسية الوطنية:
«من يريد العمل على تنظيم البيئة الأجتماعية وليس عضواً في الاساس التنظيمي، لا يجد تقريباً أي مساحة للمشاركة»

امتداد الصراعات إلى اللجان
حتى اللجان البيروقراطية الصغيرة تصبح ساحة صراع.
ففي عام 2025، نشر تيار الأكثرية الأشتراكية مقالاً من 5000 كلمة يتهم تيار النجمة الحمراء بمحاولة «الاستيلاء العدائي» على لجنة النمو والتطوير الوطني.
وتوضح ماريا سفارت، وهي قيادية سابقة في الحزب، أن التيارات تحاول السيطرة على المشاريع لأنها تصبح «منصات للنفوذ السياسي»، إذ إن من ينجح في مشروع ما يمكنه:
وضع أتباعه في مناصب قيادية،الحصول على الموارد، استخدامها لتدريب كوادره، التأثير في القرارات السياسية.

التيارات كشبكات سلطة غير رسمية
نظرياً، تُعد التيارات مجموعات أيديولوجية فقط. لكن عملياً، هي أيضاً:
شبكات اجتماعية، شبكات رعاية،أدوات نفوذ داخل التنظيم.وتستند إلى علاقات سابقة ومنافع متبادلة، مما يجعلها تستمر حتى بعد تحقيق بعض أهدافها الأصلية.
كما أن الفوارق الأيديولوجية بينها ليست دائماً واضحة، خصوصاً بين الأغلبية الاشتراكية والأساس التنظيمي.

استمرار التيارات حتى بعد تغير مواقفها
يصف عبد الله فاروق وديفيد دوهالدي تيار الخبز والورود بأنه كان يمتلك في البداية استراتيجية واضحة للتنظيم القاعدي ورؤية «ساندرز + اشتراكية ديمقراطية موسعة».
لكن بعد أن نجح في التأثير على المنظمة ككل، واجه صعوبة في إعادة تعريف نفسه، ومع ذلك استمر.
ويشير نيل ماير إلى أن جميع التيارات لديها حافز للاستمرار حتى لو تغيرت مواقف أعضائها داخلياً، لأن وجود التيار نفسه يمنح:
نفوذاً و موارد، موقعاً في الصراع الداخلي.
تظهر التعددية أيضاً في العمل التثقيفي السياسي داخل المنظمة. وعلى عكس حزب العمل البلجيكي، حيث يتم تصميم وتنفيذ هذا العمل من قبل القيادة الحزبية، يصف المشاركون في الدراسة عمل التثقيف داخل لاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين بأنه «تقوده التيارات المتعددة »
فكل تيار أو فرع محلي أو مجموعة عمل ينظم حلقات قراءة وبرامج تدريب خاصة به. قد يتعرض عضو ما لتاريخ الحركة العمالية، بينما يتعرف آخر على نقاشات حول إلغاء السجون ونظرية الكوير، في حين يركز ثالث على نصوص اشتراكية بيئية أو مناهضة للإمبريالية.
صحيح أن الهيئات الوطنية تقدم أحياناً مواد تعليمية أو تنظم ندوات عبر الإنترنت، لكن لا يوجد منهج تدريبي موحد أو «خط فكري رسمي» للـ الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون في العديد من القضايا النظرية.

التيارات والتعددية داخل المنظمة
يرتبط نظام التيارات بالتعددية لأن منظمة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون لم تسعَ أبداً لأن تكون حزباً موحداً ومنضبطاً بالكامل.
بل هي ترى نفسها كمنظمة اشتراكية تدعم المرشحين بدل أن تقدم مرشحين باسمها، ولا تمتلك قيادة وطنية واحدة بارزة تتجه نحو المناصب العليا في الدولة.
هذا الشكل التنظيمي يشجع على التعدد الداخلي.
فلا يوجد برنامج وطني موحد يفرض على كل مستويات المنظمة خطاً سياسياً واحداً خلال الانتخابات. وبدلاً من ذلك، من المقبول أن يختار الأعضاء الانضمام إلى حملات أو لجان أو تيارات مختلفة حسب رؤيتهم السياسية.

تأثير حجم الولايات المتحدة
كما أن حجم الولايات المتحدة الكبير يزيد من هذا التنوع.
يشير المشاركون إلى أن الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون في نيويورك، ولوس أنجلس وشيكاغو تبدو وكأنها منظمات مختلفة تماماً.
فمثلاً، شخص يعرف فقط التنظيم الانتخابي المنضبط في نيويورك، سيكون لديه تصور مختلف تماماً عن «ما هي » الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، مقارنة بشخص ينتمي إلى فرع في منطقة (إيست بي) في كاليفورنيا حيث يهيمن التيار الشيوعي.
وبما أن التيارات تتنافس على السيطرة داخل الفروع، فإن الانتماء إلى تيار معين يتأثر بعوامل جغرافية وأيديولوجية في الوقت نفسه.

مزايا وعيوب التعددية
ميزة هذا التنوع أنه يخلق ديناميكية فكرية واستراتيجية حقيقية:
الأعضاء يتعرضون باستمرار لأفكار جديدة،التيارات تتنافس لتقديم تحليلات أقوى، الفروع تجرب أشكالاً تنظيمية مختلفة،لكن في المقابل، يؤدي ذلك أحياناً إلى:
شعور بالإرهاق،فقدان التركيز، ضعف الوحدة التنظيمية.

التعددية مقابل الوحدة
من الناحية الثقافية، تتبع المنظمتان مبدأين متناقضين تقريباً في التعامل مع الخلافات.
عند الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، تُعتبر الصراعات العلنية جزءاً طبيعياً وضرورياً من الحياة السياسية.
في حين أن حزب العمل البلجيكي ينظر إلى الصراعات الداخلية باعتبارها شيئاً يجب تجنبه.
أما في الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، فيمكن تلخيص النهج كالتالي: من يعبّر عن رأي أقلية يقوم بتنظيم نفسه داخل التيارات العديدة، ويدافع عن موقفه بشكل علني.
أما في حزب العمل البلجيكي، فالأمر مختلف: من يعبّر عن رأي أقلية يطرحه ضمن العملية الداخلية في مؤتمر الحزب، ثم يقبل بنتيجة التصويت بعد ذلك.
فالوحدة ليست فقط التزاماً أخلاقياً، بل أيضاً حل عملي لجعل الحزب قادراً على العمل بشكل موحد في المجال العام. فهي تضمن خطاباً سياسياً موحداً وتسهّل العمل الجماعي.
أما الصراعات المفتوحة فهي مكلفة ومرهقة، لكنها في الوقت نفسه جزء من العملية التي تتطور من خلالها عند الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، كما أنها تساهم في خلق ثقافة فكرية خصبة وغنية بالنقاشات.

الهوية التنظيمية
حسب التركيز على التعددية أو الوحدة، تتشكل أشكال مختلفة من الهوية التنظيمية.
في الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، الالتزامات الرسمية بسيطة:
دفع الاشتراك، الحضور، وربما تولي وظيفة في فرع محلي أو مجموعة عمل،لكن الهوية الأساسية تكون غالباً مرتبطة بالتيارات أو الفروع:
عضو في الخبز والورود أو الأساس التنظيمي أو كتلة الشيوعيين أو «عضو الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون في نيويورك» أو من »East Bay»
بينما تظل الهوية كـ "أشتراكي ديمقراطي ككل" أضعف نسبياً.

في المقابل، في حزب العمل البلجيكي يحدث العكس تماماً:
لا توجد تيارات رسمية يمكن الانتماء إليها،الفروقات الأيديولوجية تبقى غير ظاهرة غالباً
لكن الانتماء التنظيمي قوي وعميق ومتعدد المستويات.

الخلاصة
في النهاية، يعكس كلا النموذجين ظروف بيئتهما وأيديولوجيتهما.
في بلد كبير جداً مثل الولايات المتحدة، يتميز بتعددية فدرالية وإعلامية قوية وثقافة فردانية عالية، فإن نموذج الانفتاح والتعددية في منظمةالاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، يجعلها منظمة جذابة للأجيال الجديدة من الراديكاليين، ويسمح بتعايش تيارات يسارية مختلفة داخل إطار واسع ومرن.
أما في بلد صغير مثل بلجيكا، يتميز ببنية اجتماعية أكثر انغلاقاً، ونقابات قوية، وتأثير طويل للديمقراطية الاجتماعية، فإن ثقافة الوحدة والانضباط والقيادة المركزية في حزب العمل البلجيكي تساعد الحزب على الظهور كقوة سياسية مستقرة وجادة، وتحوّل النجاح الانتخابي إلى مشروع حزبي دائم.
5. التنسيق: كيف يجب تصميم تدفق المعلومات؟
تحليل مشترك وتدفق معلومات منظمة جيداً
حزب العمل البلجيكي
قام الحزب بتنظيم تدفق المعلومات بين القاعدة والقيادة بشكل منهجي ودقيق.
فالتقارير المتعلقة بـ:
الحضور في الاجتماعات، الأنشطة المحلية،تجنيد الأعضاء الجدد، التحديات التي تواجه المجموعات المحلية،يتم جمعها من القواعد وإرسالها إلى القيادة.
كما توفر الاستبيانات داخل المجموعات القاعدية معلومات مفصلة حول القضايا المحلية التي تهم السكان.
وفي الاتجاه المعاكس، تنتقل من القيادة إلى الأسفل:
المواد الخاصة بالحملات،مواد التدريب، التوجيهات التكتيكية،كما يتم تعزيز التواصل الأفقي بين المجموعات، وإن كان بشكل غير رسمي:
مجموعات (واتساب) لرؤساء المجموعات القاعدية،اجتماعات على مستوى الأقسام،
فعاليات مثل حفلات رأس السنة التي تجمع النشطاء.
ويذكر أحد الأعضاء أن رؤساء المجموعات في منطقته يجتمعون بانتظام لتبادل الخبرات:
«نرى أين نحن وما الذي يمكن تحسينه»، حيث يتم مناقشة ما نجح وما لم ينجح في المجموعات المختلفة.
لكن رغم ذلك، يبقى الهيكل الأساسي في حزب العمل البلجيكي هرمياً (عمودياً):
المجموعات القاعدية تقدم تقارير،الهيئات الأعلى تقوم بتجميعها وتحليلها،ثم تصدر التوجيهات إلى الأسفل،ونتيجة لذلك، تمتلك القيادة في حزب العمل البلجيكي معرفة واسعة ودقيقة بالحزب أكثر من معظم المنظمات المشابهة، بما في ذلك تصور أوضح لنقاط القوة والضعف مقارنةً بقيادة، الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون.
لكن هذا المستوى من المعرفة المركزية لا يمكن أن يتحقق إلا لأن استقلالية المجموعات القاعدية محدودة.
فلو سُمح لها بتجارب تنظيمية مستقلة كما يحدث عند الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون، لكان من الصعب الحفاظ على هذا التدفق العمودي المنظم للمعلومات.

دورة المؤتمر كآلية مركزية للتنسيق
في حزب العمل البلجيكي ، يمثل مؤتمره الآلية الأساسية للتفاهم الاستراتيجي.
فالمؤتمر لا يهدف فقط إلى تمرير قرارات منفصلة، بل إلى بناء تحليل جماعي موحد للحزب كله.
يتم توزيع مسودات وثائق تشمل:
تحليل الوضع الاقتصادي والسياسي،ميزان القوى الطبقي، تقييم أداء الحزب على الكوادر، حيث تتم مراجعتها وتعديلها.
وتعتمد هذه الوثائق على:
النظرية الماركسية، بيانات الانتخابات، خبرات العمل النقابي، تغذية راجعة من المجموعات القاعدية.
وخلال عدة أشهر، تتم مناقشتها وتعديلها بشكل مكثف، إلى أن تُعتمد في المؤتمر وتصبح الخط الاستراتيجي للحزب في المرحلة التالية.
بين المؤتمرات: القيادة التنفيذية
بين مؤتمرات الحزب، يتولى:
اللجنة التنفيذية الوطنية فريق من العاملين المتفرغين (من صفوف الكوادر)
دور التحليل الاستراتيجي المركزي.
ويستندون إلى تدفق معلومات منظمة وموثوقة، مدمجة في الممارسات التنظيمية اليومية.
وبفضل بنيته الموحدة، يمتلك الحزب صورة واضحة عن نفسه:
يعرف عدد المجموعات القاعدية،وعدد الأعضاء في كل مجموعة وحالة النشاط في كل فرع وذلك لأن النظام يفرض أيضاً آليات صارمة للمساءلة والرقابة على المجموعات القاعدية وغيرها من الهياكل.
تتناول المؤتمرات الوطنية عند الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون قضايا استراتيجية مركزية مثل دعم مرشحي/مرشحات الحزب الديمقراطي للرئاسة، والمواقف من السياسة الخارجية، والتوجه تجاه النقابات العمالية، والحملات الانتخابية، إضافة إلى مشاكل السكن وغيرها من المجالات السياسية. وهي نتيجة عملية تحضيرية طويلة، يقوم خلالها المندوبون والتيارات التي ينتمون إليها بإعداد مشاريع قرارات ومناقشتها وتطويرها قبل أشهر من انعقاد المؤتمر.
وبسبب طابعها التعددي واللامركزي، يجد الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون صعوبة في تحويل القرارات المصوّت عليها إلى استراتيجية عامة متماسكة وقابلة للتطبيق على نحو مستمر. فكثير من القرارات تبقى إلى حد كبير مجرد تعبيرات عن نوايا سياسية، إذ تفتقر إما إلى خطط تنفيذية واضحة أو إلى القدرات التنظيمية اللازمة. وكما تشير سدني كازاريان، فإن « الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون يملكون فعلياً توجهاً استراتيجياً حقيقياً فيما يتعلق بتوزيع الموارد»، ما يؤدي إلى أن العديد من الالتزامات الرسمية تبقى على الورق فقط. وبالمثل، تشير ماريا سفاردت إلى توتر بنيوي مفاده أن تفويضات المؤتمر غالبًا ما تكون «غير قابلة للتنفيذ»، ما يضع اللجنة الوطنية السياسية (NPC) بين خيارين: إما نقل هذا التناقض بوضوح أو عدم الفعل، وفي كلتا الحالتين تتعرض للانتقاد.
في هذا السياق، تلعب التيارات الداخلية والشبكات غير الرسمية دوراً مهماً بشكل غير متناسب في التنسيق. فمن يريد معرفة كيفية تطبيق استراتيجية معينة في فرع محلي آخر، غالبًا ما يلجأ إلى هذه القنوات: مجموعات (واتساب)، القوائم البريدية، أو العلاقات الشخصية المباشرة. وهذا يوضح أن التنسيق الفعلي داخل التنظيم يعتمد بدرجة كبيرة على الشبكات غير الرسمية أكثر من اعتماده على الهياكل الرسمية.
ويشير ذلك إلى محدودية قدرة الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون على العمل كمنظمة وطنية متماسكة أو على توحيد قواها. إذ تتوزع السلطة بين تيارات متعددة لا تُجبر على التوصل إلى تسويات، وكل تيار يتبع تحليله واستراتيجيته الخاصة.

التدفق العمودي مقابل التدفق الأفقي للمعلومات
توجد هنا اختلافات واضحة بين النموذجين.
يقوم حزب العمل البلجيكي بتنظيم تدفق المعلومات بطريقة عمودية، تراكمية ومركزية. فالمعلومات تنتقل من القواعد المحلية، إلى المستويات الإقليمية والوسيطة، ثم إلى الأعلى. ويتم تجميع هذه المعطيات على المستوى الوطني ضمن دورة المؤتمر، حيث تُحلل وتُصاغ في إطار رؤية استراتيجية موحدة. الهدف من هذا النموذج ليس فقط جمع المعلومات، بل تحويلها إلى تحليل شامل متماسك يشكل أساساً لقرارات ملزمة.
لا يقتصر الهدف في هذا النموذج على جمع العديد من الأصوات فحسب، بل أيضاً على دمجها في توجه واحد يُعاد بعد ذلك تنفيذه من الأعلى إلى الأسفل عبر كامل التنظيم.
أما نظام المعلومات والتنسيق في الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون فهو شبه عكس ذلك تماماً. فبدلاً من نظام واحد متكامل بإحكام، توجد شبكة كثيفة من التيارات الداخلية ومبادرات على مستوى الفروع المحلية، ومجموعات عمل، تعمل جميعها بشكل متوازٍ على إنتاج التحليل وإدارة النقاشات. وتُعد المؤتمرات واجتماعات اللجنة الوطنية السياسية (NPC) محاولات دورية للتجميع والتوحيد، لكنها تأتي في قمة هيكل تنظيمي اعتادت فيه الفروع المحلية على العمل باستقلالية، بينما تطوّر التيارات الداخلية خطوطها الاستراتيجية الخاصة.
ولهذا السبب، تبقى المؤتمرات الوطنية غالباً مفتوحة على عدد من الأسئلة بقدر ما تحسمه من قضايا، مع صدور تفويضات متعددة وأحياناً متناقضة، إضافة إلى ضعف واضح في آليات التنفيذ.
6. التكوين
من يأتي ولماذا؟ قاعدة أوسع من المؤيدين مع نواة كادر متقدم أقدم.
منذ إعادة التوجيه الاستراتيجي التي أُقرت في مؤتمر عام 2008، أتبع حزب العمل البلجيكي استراتيجية واعية للتحول إلى حزب جماهيري. وتشير البيانات المنشورة والتقارير الصحفية إلى أن عدد الأعضاء ارتفع من نحو 8,000 عام 2014 إلى 20,000 عام 2020، ثم إلى ما لا يقل عن 26,000 عام 2023، مع تسجيل زيادة إضافية إلى نحو 28,000 بحلول 2025. ومع ذلك، يبقى توزيع هؤلاء الأعضاء بين الكوادر، والمجموعات القاعدية، والأعضاء الاستشاريين غير واضح بالكامل.
يُعرّف حزب العمل البلجيكي نفسه بشكل ثابت بوصفها حزباً للطبقة العاملة، ويسعى لأن يكون كذلك: أي حزباً ينظم في الوقت نفسه “الطبقة الوسطى المستقلة” و”الشباب والطلاب والمثقفين والفنانين”. وقد نشأ كحزب من مثقفين طلابيين تحركهم رؤية ماوية تقوم على فكرة “الذهاب إلى العمال”، وهو توجه استمر حتى بعد تحولها إلى حزب جماهيري قائم على نواة صلبة من الكوادر.
لكن الحزب يعترف صراحة بأن تركيبته الاجتماعية لم تصل بعد إلى مستوى تطلعاته. ففي نصوص المؤتمرات المتعاقبة يُشدد على ضرورة أن يصبح الحزب “أكثر عمالية وأكثر شباباً”، كما تشير وثائق مرحلة التجديد المبكرة إلى استمرار ضعف تمثيل النساء في المواقع القيادية، وتدعو إلى “مزيد من النساء في الصفوف الأمامية” داخل التنظيم.
تتجلى هذه التوترات أيضاً في الممارسة اليومية للقيادة. إذ يلاحظ رئيس إحدى المجموعات القاعدية أن اجتماعات رؤساء المجموعات في منطقته تضم “عدداً قليلاً من العمال”، ويصف الجهود المبذولة لنقل القيادة إلى أشخاص من خلفيات عمالية بأنها “خطوة نحاول القيام بها”، لكنها “صعبة إلى حد كبير”.
وتتباين البنية الاجتماعية بحسب المستوى التنظيمي. فالمجموعات القاعدية في المصانع وقطاعات الإنتاج تميل إلى أن تكون أقرب إلى “الطبقة العاملة التقليدية”، في حين أن القيادة الوطنية والكوادر البارزة وكتّاب الوثائق السياسية يضمون نسبة كبيرة من المهنيين والمثقفين والمنظمين السياسيين القادمين من الخلفية الطلابية الأصلية للحزب.
ولهذا يركز حزب العمل البلجيكي على تعزيز تمثيل العمال داخل هياكلها، وقد طورت برامج خاصة لذلك: إنشاء مدارس كادرية للعمال، ووضع آليات تسمح لهم بالعمل ككوادر مع دخل أعلى قليلاً، إضافة إلى ترشيح عمال لمناصب انتخابية، أبرزهم إيفان هييليغن، عامل الميناء من أنتويرب.
وفي الوقت نفسه، يواجه الحزب فجوة عمرية بين الأعضاء الشباب والكبار. فقد ساهمت منظمتا كوماك وريد فوكس، إلى جانب مهرجان المانيفيستا السنوي، في تجديد القاعدة الاجتماعية للحزب وجعلها أكثر شباباً، إذ يصف أحد الكوادر السنوات الأخيرة بأنها “جيدة جداً لتحسين” البنية العمرية للجمهور والمؤيدين الجدد. ومع ذلك، يبقى نواة الكوادرـ التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن التنظيم ـ أكثر تقدماً في العمر نسبياً، نتيجة دورات الراديكالية الطلابية السابقة وكون الهياكل التنظيمية قد تأسست قبل مرحلة التجديد.

شباب حضريون، ذكور، وخريجو جامعات مع تجربة هبوط اجتماعي
يمكن فهم تركيبة الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين بشكل أفضل كنتيجة لموجة الانضمام بعد عام 2016، والتي حولت التنظيم من عضوية صغيرة ومتقدمة في العمر إلى منظمة جماهيرية يغلب عليها جيل الألفية ويتركز وجودها في المدن الكبرى.
بينت استطلاعات العضوية في 2013 و2017، انخفاض متوسط العمر من 68 إلى 33 سنة، بينما ارتفع عدد الأعضاء من نحو 5,000–6,000 في 2016 إلى ما يقارب 80,000 في 2022. وأكثر من 97% من الأعضاء الحاليين انضموا بعد عام 2016، والغالبية بعد 2019. وبذلك أصبحت المنظمة تضم أكثر من عشرة أضعاف عدد أعضائها مقارنة بما قبل عقد من الزمن، ما أدى إلى ما وُصف وفقاً للمعايير الأميركية بأنه تنظيم “شبابي بشكل مقلق”، كما عبّرت إحدى المشاركات.
تُوصف حركة الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين غالباً بأنها منظمة تتكوّن من «خريجي جامعات بيض يعيشون في المدن». ويصف رمسين كانون أعضاءها بأنهم «في الغالب أشخاص لا يعملون في الإنتاج، من ذوي التعليم الجامعي، وذوو طابع أبيض بشكل كبير»، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنهم «ليسوا أثرياء»، بل يقفون على هامش الطبقة العاملة، ويعملون غالباً في وظائف تُعرف بـ " وظائف الون الوردي"، أي المهن التي تهيمن عليها النساء.
تؤكد البيانات الداخلية لاستطلاعات الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين هذا التصور جزئياً. فبين عامي 2017 و2021 تضاعفت نسبة الأعضاء السود، لكنها ما تزال عند مستوى يقارب 4%. أما نسبة الأعضاء البيض فقد تراجعت قليلاً، لكنها ما تزال مهيمنة بشكل واضح عند حوالي 85%. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن فروعهم تتمركز في مدن كبرى متعددة الأعراق، ولأن السكان في الولايات المتحدة ككل ليسوا بيضاً إلا بنسبة تقارب 70%.
يشير عدد من المشاركين إلى أن العديد من المدن الأمريكية تحتوي بالفعل على شبكات كثيفة من التنظيمات التي يقودها السود وذوو البشرة الملونة والمهاجرون، ولذلك فإن الناشطين من هذه الفئات غالباً ما يجدون فضاءاتهم السياسية الخاصة، ولا تكون المنظمة بالضرورة هي الإطار التنظيمي الأساسي لهم.
كما تُظهر استطلاعات عندهم أن عضويتها تتكوّن بدرجة كبيرة من خريجين جامعيين مثقلين بالديون، يعملون في المقاهي ومحلات البقالة، بالإضافة إلى المعلمين، والعاملين في المنظمات غير الربحية، وموظفي الإعلام والتكنولوجيا، وبعض العاملين في القطاع العام. ويصف تقرير حالة الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين صراحةً «بوجود فروع محلية تجد صعوبة في تجاوز نواة من «مهنيين بيض ذوي وضع اجتماعي متراجع». ويُعزى ذلك جزئياً إلى أن استقطاب الأعضاء الجدد يتم غالباً عبر الدوائر الاجتماعية المباشرة للأعضاء الحاليين.
ولا تزال المنظمة ذات طابع ذكوري إلى حد كبير. فوفقاً لاستطلاع عام 2021، يعرّف 64% من الأعضاء أنفسهم كذكور، و27% كإناث، و10% ثنائيي الهوية أو غير ذلك. وفي المقابل، ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم ضمن مجتمع "مصطلح جماعي للهويات الجنسية المتنوعة والتوجهات الجنسية التي تنحرف عن المعيار الجنسي المغاير". بشكل ملحوظ، من 10% إلى 32% في عام 2021. ومع ذلك، يشير مشاركون إلى أن العضوية ظلت على مدى السنوات تتكوّن تقريباً من «70% رجال، معظمهم من الطبقة الوسطى المتراجعة».
وتدور الخلافات الداخلية حول أولويات الفروع المحلية – مثل ما إذا كان ينبغي توجيه الموارد إلى الحملات الانتخابية، أو إلى الاندماج في النقابات العمالية، أو إلى تنظيم الطلاب – حول سؤال أعمق يتعلق بتركيبة العضوية نفسها: كيف يمكن الانتقال من قاعدة تتكوّن من ناشطين حضريين ذوي تعليم عالٍ يتم تجنيدهم بشكل فردي، إلى وجود راسخ داخل مؤسسات الطبقة العاملة متعددة الأعراق؟
تُعد أماكن العمل من أقل الفضاءات الاجتماعية في الولايات المتحدة من حيث الفصل العرقي والاجتماعي، ولذلك تُعتبر نقطة انطلاق واعدة لتغيير التركيبة الديموغرافية للمنظمة. وهذا يبرز أهمية العمل النقابي القاعدي، والتجمعات العابرة لأماكن العمل، وروابط المستأجرين بوصفها أدوات تهدف إلى «ترسيخ الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين بشكل أفضل داخل طبقة عاملة متنوعة».

إعادة التركيب مقابل إعادة الإنتاج
على الرغم من الاختلاف الكبير في البنى والثقافات السياسية بين حزب العمل البلجيكي و الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، تواجه كلتا المنظمتين صعوبة في استقطاب العمال الصناعيين غير الحاصلين على شهادات جامعية، وتدريبهم داخل التنظيم، ومنحهم مسؤوليات قيادية أكبر. تعكس هذه الصعوبة الانقسام السياسي العام في بلدان مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها، وبالتالي فهي ليست مفاجِئة. لكنها في الوقت نفسه تكشف توتراً بين ادعاء كلتا المنظمتين بأنهما أدوات لتمثيل قوة الطبقة العاملة، وبين الواقع الذي لا يشارك فيه فعلياً إلا جزء من هذه الطبقة.
في الوقت نفسه، يتضح أن فترات النمو السريع تترك آثاراً طويلة الأمد. فحزب العمل البلجيكي ما زال يحمل بصمة كوادره التأسيسية وتكوّن طبقة من الكوادر ذات الخبرة العالية والالتزام التنظيمي. أما منظمة الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين فقد تشكّلت هويتها من موجات توسّع متتالية، خصوصاً القفزة بعد عام 2016 التي أعادت تشكيل التنظيم تقريباً بين ليلة وضحاها.
هناك فرق أساسي يتمثل في سرعة صعود الأعضاء الجدد إلى مواقع المسؤولية داخل الفروع المحلية وعلى المستوى الوطني. وهذه هي القوة الحقيقية للنماذج التنظيمية ذات البنى المرنة التي تمنح الأعضاء قدراً كبيراً من الاستقلالية. فقد سمحت هذه البنية لـ الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين بأن تتجدد تقريباً بالكامل بعد الحملة الأولى لبيرني ساندرز، وإن كان ذلك بشكل غير متوازن وأحياناً فوضوي.
في المقابل، فإن الاستقرار البنيوي في حزب العمل البلجيكي وارتفاع عتبات الوصول إلى مواقع المسؤولية يعززان تكوّن نواة أكثر انغلاقاً نسبياً من الكوادر والموظفين الحزبيين والقيادات الوطنية. وهذا يزيد من خطر التصلّب المؤسسي: إذ يمكن لشبكات المحسوبية أن تترسخ بشكل دائم، وقد تصبح عمليات التجديد البشري أصعب، حتى عندما تعترف القيادة نفسها بضرورتها.
وأخيراً، ترى كلتا المنظمتين أن التنظيم في أماكن العمل يمثل جزئياً استجابة لتركيبتهما الاجتماعية. ففي حالة حزب العمل البلجيكي ، يظهر ذلك في إنشاء وحدات قاعدية داخل أماكن العمل وفي تعميق الارتباط بالنقابات والطبقة العاملة، بهدف إنتاج عضوية وقيادات متجذرة بوضوح في الطبقة العاملة. أما في الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، فإن الاستراتيجيات المرتبطة بأماكن العمل – من العمل النقابي إلى تنظيم المستأجرين – تُستخدم غالباً كأداة لتوسيع قاعدة تجنيد اجتماعية متجانسة نسبياً، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على خريجي الجامعات وعلى الدوائر الاجتماعية المباشرة للأعضاء النشطين.

الخلاصة: البناء التنظيمي بين الاستقلالية والضبط
يتعامل حزب العمل البلجيكي مع التوتر بين الاستقلالية والضبط من خلال بناء هيكل تنظيمي كثيف: وحدات قاعدية صغيرة تعقد اجتماعات منتظمة وفق جداول ثابتة، مع توقعات واضحة وخطوط رفع تقارير محددة إلى الأعلى، ما يمنح القيادة مستوى استثنائيًا من الشفافية التنظيمية.
لكن هذه الشفافية تأتي بثمن. فهي تعتمد على تقليص هامش المبادرة المحلية، وعلى مركزة الموارد المالية، وعلى التعامل مع البُنى المحلية باعتبارها تروسًا في آلة أكبر بدل اعتبارها كيانات تتطور بشكل مستقل. في المقابل، تعالج DSA هذا التوتر في الاتجاه المعاكس: إذ تعمل فروعها المحلية كفضاءات واسعة للمبادرة الذاتية، عبر لجان ومشاريع وشبكات من التيارات الداخلية (الأغلبية الأشتراكية)، ما يجعل التنظيم أقرب إلى كائن حي نشط منه إلى هرمية صارمة. هذا النموذج يخلق ديناميكية وانفتاحاً، لكنه يؤدي أيضاً إلى تفاوت كبير في القدرات، وارتفاع معدل التغير والتبدل، وصعوبات مزمنة في تحويل القرارات الرسمية إلى ممارسة دائمة ومستقرة.
تتركز السلطة في مواقع مختلفة في كل حالة. ففي حزب العمل البلجيكي تتمركز القوة في يد الكوادر والقيادة، حيث يهدف النظام إلى تحقيق التماسك والاستمرارية والانضباط وخط وطني استراتيجي موحد، حتى لو كان ذلك على حساب التعددية وتقليص مساحات التجريب على المستوى القاعدي. أما في الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، فإن السلطة تتمركز بشكل أساسي في الفروع المحلية، وخاصة في التيارات (الأغلبية الأشتراكية)التي تُعد الجهات الوحيدة القادرة على التنسيق والعمل عبر البنى المجزأة على مستوى التنظيم ككل. وهذا يخلق ثقافة تنظيمية حيوية ومليئة بالحركة، لكنه في الوقت نفسه يعزز الانقسام الداخلي، ويصعّب تنفيذ استراتيجية وطنية موحدة، ويؤدي أحياناً إلى ضعف في آليات المساءلة.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين الاستقلالية والضبط ليست فقط نتيجة تصميم واعٍ، بل أيضاً حصيلة تطور تاريخي وبنية تنظيمية تشكّلت عبر الزمن.
حلٌّ يتشكّل بفعل التاريخ والجغرافيا والإطار السياسي والسياق الزمني. فقد طوّر حزب العمل البلجيكي تماسكها الداخلي القوي عبر فترة طويلة: إذ تحوّل حزب كان لعقود تنظيماً ماوياً صغيراً قائماً على الكوادر إلى منظمة موحّدة بشكل واعٍ ضمن مسار إعادة التأسيس في عام 2008، بهدف بناء تنظيم قادر على تبنّي خط سياسي وطني موحّد على مستوى البلاد.
أما البنية المفتوحة لـ الأشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين، فقد نشأت منذ البداية كتكيّف مع نظام انتخابي معادٍ، ومع ضخامة البلاد، ومع تحدي توحيد اليسار المناهض للستالينية. وقد سمح هذا الشكل التنظيمي المرن تحديداً بصعود ما بعد عام 2016، حيث أعاد تشكيل الفروع المحلية من الصفر، ومكّن من إدخال أعضاء جدد إلى مواقع المسؤولية بسرعة أكبر مما كان سيتيحه أي جهاز تنظيمي مركزي صارم.
ومن اللافت أن كلا التنظيمين، رغم اختلافاتهما الكبيرة، يواجهان مشكلة مشتركة، تشترك فيها العديد من الأحزاب اليسارية في الغرب: صعوبة استقطاب العمال الصناعيين غير الحاصلين على تعليم جامعي، إلى جانب تعرضهما لآثار سلبية ناجمة عن الاستقطاب السياسي الذي تقوده النخب، والذي يؤدي إلى مزيد من انقسام الطبقة العاملة.
وهذا يوضح أن البنية التنظيمية، رغم أهميتها المركزية، ليست حلاً سحرياً. فهي تستطيع توسيع أو تقليص هامش الفعل السياسي بشكل كبير، لكنها لا تستطيع تغيير الشروط البنيوية الأساسية التي تعمل ضمنها هذه التنظيمات.

جو تود (*):رئيس قسم الاتصالات في حركة مومينتوم، ومؤسس مشارك لمنظمات عديدة The World Transformed,، Common Knowledge und Movement Research Unit.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
- بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
- طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
- الإمبريالية بلا أقنعة
- مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
- الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
- ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
- تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش ...
- -المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
- الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر ...
- الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
- الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
- مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2
- الاشتراكية في الولايات المتحدة
- الأحزاب اليمينية تُحوِّل القسوة إلى أمرٍ عادي
- «الاشتراكية ليست طوباوية – إنها مفعمة بالحياة»
- الجيل زدّ يتظاهر في جميع أنحاء العالم
- الإرث السياسي ل«أفقر رئيس في العالم»


المزيد.....




- السعودية تعلن اعتراض مسيرات دخلت أجواءها من العراق
- ألمانيا: تنامي المخاوف الأمنية مع صعود حزب -البديل- ودعوات ل ...
- بقسم شرعي وإذن رسمي.. كيف كان قاضي القدس ينظم رحلة الحج بالع ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب ونتنياهو يبحثان استئناف القتال وإسرائ ...
- بين لوعة الشوق وضيق اليد.. رحلة الحج -حلم صعب المنال- للبنان ...
- المنطقة على حافة الانفجار.. خبراء يحذرون من حرب أشد تدميراً ...
- إدانات عربية شديدة لاستهداف أبوظبي بطائرة مسيّرة
- اتصالات إماراتية عربية لبحث استهداف المنطقة المحيطة ببراكة
- السعودية تعلن اعتراض 3 مسيرات قادمة من العراق
- -الرقابة النووية- بالإمارات تؤكد سلامة محطة براكة


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حازم كويي - بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2