|
|
طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 13:36
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
خبرات دولية لتعزيز قوة الطبقات العاملة
ثابو هونتغيبورث(*)
زهران ممداني يُعد موهبة سياسية استثنائية، إذ إنه جعل من مفهوم «القدرة على تحمّل التكاليف»القضية الحاسمة في انتخابات عمدة نيويورك، وبذلك أعاد تشكيل الخطاب السياسي في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، أصبح موضوع «القدرة على التحمّل» حاضراً لدى الجميع، من كامالا هاريس إلى دونالد ترامب. ويكمن السبب في ذلك في أن التعامل مع القضايا المادية الأساسية كموضوع منفصل ومعزول عن سياقها يؤدي إلى إخفاء علاقات القوة الاقتصادية القائمة، وإلى عدم مسائلة النظام القائم المعادي للعمال. في هذه الحالة، تصبح أي أغلبية اشتراكية في مدينة نيويورك مؤقتة وهشة. إلا أن حملة ممداني الانتخابية الناجحة أثبتت أن السياسة الاشتراكية قادرة على بناء تحالف اجتماعي واسع، يمتد من أصحاب المشاريع الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص إلى العمال بأجر. وهؤلاء هم أشخاص يكسبون رزقهم من العمل لأنفسهم أو للآخرين: يقودون، يطبخون، ينظفون، يبنون، يخدمون ـ وبالتالي فهم معرضون مباشرة للضغط الاقتصادي الوجودي ولللااستقرار الذي تفرضه الأسواق الرأسمالية. في المقابل، يقف أولئك الذين يمارسون السلطة الاقتصادية ويكسبون أموالهم من خلال إدارة الآخرين أو امتلاك رأس المال. ضد هذه القوة الاقتصادية المهيمنة، نجح ممداني في توحيد الطبقات العاملة. وبما أن هذا التحالف الواسع تشكّل على أساس اشتراكي، فإن ذلك يفتح فرصة استثنائية لإعادة موازين القوى في مدينة نيويورك على المدى الطويل لصالح الطبقات العاملة. غير أن المقترحات الاقتصادية التي طرحها ممداني حتى الآن لا تزال غير كافية. فالتغيير الاقتصادي المستدام يتطلب أكثر من سياسات ضريبية وسكن ميسّر، إذ يجب أن يعالج جذور المشكلة، أي علاقات الملكية الرأسمالية. وفي تجارب السياسة البلدية الاشتراكية في أوروبا توجد أمثلة على كيفية ربط إدارة مدينة ممداني للسياسات الاقتصادية المحلية مع التنظيم الاشتراكي وأطر الطبقة العاملة ـ وهي منظمات منحت الاشتراكيين أغلبية ديمقراطية.
ومن برشلونة إلى بريستون، يتضح أن النقابات العمالية يمكن أن تسهم في توسيع الملكية العامة وتشجيع التعاونيات السكنية والإنتاجية والعمالية، مما يؤدي إلى التشكيك في علاقات الملكية القائمة وتغييرها بشكل بنيوي. هذه الأشكال التنظيمية تنقل السيطرة المباشرة إلى الطبقات العاملة وتؤدي إلى دمقرطة الاقتصاد. إن توسيع الديمقراطية الاقتصادية يمكن أن يضمن أن برنامج ممداني يدعم تلك المؤسسات التي تمنح تحالفه الاجتماعي الواسع تثبيتاً مؤسسياً، وتجعل من نيويورك مكاناً تتجسد فيه القيم الاشتراكية مثل التضامن والتعاون واتخاذ القرار الجماعي. وبذلك لا تكون الديمقراطية الاقتصادية مجرد هدف اشتراكي مثالي، بل وسيلة لترسيخ أغلبية اشتراكية مستقرة.
حدود منصة ممداني الاقتصادية بشكلٍ مفارق، فإن أبرز التحركات السياسية التي قام بها ممداني حتى الآن لا تسهم كثيراً في تعزيز تماسك تحالفه. إذ إن سياساته الضريبية والسكنية لا تزال تُبقي على علاقات الملكية القائمة دون تغيير. لا شك أن فرض ضريبة على الأثرياء ليس أمراً خاطئاً، فمن غير المرجح أن يغادر أصحاب الملايين مدينة نيويورك بشكل جماعي لمجرد زيادة ضريبية إضافية بنسبة 2%. لكن الوضع يختلف في ما يتعلق بالضرائب المفروضة على الشركات. فالشركات تستطيع بسهولة نسبية نقل أرباحها عبر تعديلات في هيكل ميزانيتها من نيويورك إلى ملاذات ضريبية متعددة داخل الولايات المتحدة نفسها، مثل ولاية ديلاوير. وبهذه الطريقة يمكن للشركات الكبرى تقليل عبئها الضريبي إلى ما يقارب الصفر. علاوة على ذلك، تعتمد خطط ممداني لتوسيع المساحات السكنية بشكل كبير على الشركات الخاصة، حتى وإن كانت هذه الخطط مرتبطة بشروط تنظيمية. ويعود ذلك إلى أن أقل من 1% من مساحة نيويورك غير مستخدم وتملكه المدينة في الوقت نفسه. لذلك، ومن دون برنامج بناء عام قوي، يبقى السكان معتمدين على المالكين العقاريين الذين يحققون أرباحاً على حساب المستأجرين. وفي الوقت نفسه، فإن العديد من المبادرات التي يُفترض أن يستفيد منها ناخبو ممداني لا تشركهم فعلياً في العملية السياسية. فبالطبع، لا تضر إجراءات مثل توفير المراحيض العامة، والاستشارات القانونية، والحماية من الطقس للعاملين في التوصيل، وزيادة دعم الشركات الصغيرة، وتوفير حافلات مجانية. لكن هذه السياسات تضع الفئات المستهدفة في موقع متلقي خدمات بلدية فقط، مما يجعلها أقرب إلى سياسات «تخفيفية» لا إلى سياسات تعبئة سياسية، لأنها لا تنظم الطبقات العاملة بشكل نشط. ومن دون وجود تنظيمات مناسبة، لا يمكن تجاوز التناقضات الداخلية في برنامج ممداني. فمن جهة، فإن رفع الحد الأدنى للأجور والضرائب (إذا لم تكن مصممة بشكل تصاعدي) قد يشكل عبئاً على المشاريع الصغيرة. كما أن وعده الانتخابي بتقليص البيروقراطية لا يقدم رؤية اشتراكية واضحة للطبقة الوسطى. وبهذا، فإن هذه السياسات قد تعمّق تشتت الطبقات العاملة بدلاً من توحيدها في مواجهة الشركات الكبرى داخل السوق الرأسمالي.
نماذج بارزة للاشتراكية البلدية إن هيمنة مصالح رأس المال على الاقتصاد ليست قانوناً طبيعياً ثابتاً. وبالنظر إلى الوراء، توجد حول العالم العديد من الأمثلة على حكومات بلدية نفذت برامج اشتراكية طموحة. والقاسم المشترك الذي تستند إليه الأحزاب الاشتراكية والشيوعية هو الربط الوثيق بين الحكم المحلي ـ وخاصة عبر حزب سياسي ـ وبين المجتمع المدني. ويمكن أن يستلهم برنامج ممداني من هذه التجارب، وأن يتبنى بعض هذه المبادرات، من أجل ترسيخ أغلبية اشتراكية دائمة في مدينة نيويورك.
برشلونة حُكمت مدينة برشلونة لمدة عشر سنوات من قبل حزب «برشلونة في كومو»، وهو حزب ديمقراطي قاعدي اعتبر نفسه بديلاً عن المؤسسة السياسية التقليدية. وقد بنى نفوذه عبر مجالس الأحياء والجمعيات العامة في ساحات المدينة، مما أدى إلى إنشاء هياكل مشاركة مستقرة سمحت بإدماج الناس عبر مختلف الطبقات الاجتماعية وإشراكهم مباشرة في اتخاذ القرار السياسي. وقد دفع ذلك إدارة المدينة إلى البدء في نقل قطاعات اقتصادية مهمة إلى الملكية العامة، إضافة إلى دعم التنظيمات الاقتصادية الديمقراطية القاعدية داخل الاقتصاد. نشأ هذا الحزب في سياق الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما فرضت الحكومة المركزية سياسات تقشف أدت إلى إغلاق شركات وارتفاع البطالة وعمليات طرد من السكن. ورداً على ذلك، قام ناشطون باحتلال الساحات العامة، ومن هذه الحركة نشأت «برشلونة في كومو» كحركة سياسية وحزب في آن واحد. وقد نجح الناشطون في تنظيم أحياء كاملة سياسياً، حيث عقدوا جمعيات محلية لصياغة البرامج السياسية، وشكّلوا لجان أحياء كانت تقدم المشورة للممثلين المنتخبين. بعد فوزها في انتخابات عام 2015، اتخذت الإدارة إجراءات ضد الشركات الاحتكارية التي رفعت الأسعار، من بينها إنشاء شركة طاقة عامة وإعادة تأميم قطاع المياه. كما نظمت المدينة المنصات الرقمية، عبر حظر إنشاء مساكن سياحية جديدة بشكل دائم، وملاحقة أصحاب العقارات المتخلفين عن التزاماتهم، مما أدى إلى حماية ما يقارب 10,000 شقة للمستأجرين. كما عملت المدينة على دمقرطة الاقتصاد عبر تخصيص المساحات العامة لمشاريع الأحياء والمبادرات القاعدية، ومنح العقود العامة بشكل موجّه للتعاونيات المحلية.
بريستون (المملكة المتحدة( حتى اليوم، ما يزال الجناح اليساري في حزب العمال يؤثر في الخطة الاقتصادية البلدية لمدينة بريستون، ويضمن فيها أغلبية سياسية مستقرة. ويكمن مفتاح هذا النجاح في إشراك الطبقة العاملة عبر التعاونيات باعتبارها شكلاً عملياً للديمقراطية الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تدعم المدينة الشركات المحلية من خلال استثمارات عامة موجهة ومنح قروض. بدأت بريستون هذا البرنامج في ظروف اقتصادية صعبة، إذ أدت السياسات النيوليبرالية لرئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر إلى تدمير القاعدة الصناعية في شمال إنجلترا وإضعاف بنيته الاقتصادية. كردّ على ذلك، أطلقت المدينة عام 2011 برنامجاً لتعزيز الصالح العام، والذي طوّره الجناح اليساري في حزب العمال المحلي إلى مشروع للاشتراكية البلدية. وبذلك، عمل المجلس البلدي على ترسيخ الديمقراطية الاقتصادية. فقد أنشأ مؤسسة عامة تقوم بتمويل التعاونيات العمالية، وتقديم الاستشارات لها، وربطها ببعضها البعض. كما يتم دمج التعاونيات بشكل منهجي في سلاسل التوريد القائمة، بل ويتم إنشاء تعاونيات جديدة حيث لا توجد هياكل مناسبة. كما جرى دمقرطة الملكية العامة عبر تحويل الإسكان الاجتماعي إلى تعاونيات سكنية، بحيث يدير المستأجرون مبانيهم بأنفسهم. وبالتنسيق مع المدينة، تقوم هذه التعاونيات بشراء العقارات الفارغة، وترميمها، وتحويلها إلى سكن اجتماعي وغير ربحي. ولتمويل هذه السياسات، تستخدم المدينة موارد محلية بشكل استراتيجي، مثل استثمارات صناديق التقاعد في الشركات المحلية، والتعاون مع مؤسسات إقراض تعاونية إقليمية لتمويل المشاريع والشركات التعاونية.
فينّا الحمراء لأكثر من مئة عام، حُكمت مدينة فيينا من قبل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (مع استثناء انقطاع عنيف خلال الحكم الفاشي). وحتى اليوم، تُعد فيينا أكبر مالك عقاري في أوروبا، إذ تتيح لنحو نصف سكانها العيش في ما يُعرف بالمساكن البلدية أو في مساكن تديرها جمعيات إسكان غير ربحية. السبب السياسي الأساسي لاستمرار هذا النموذج الفريد هو أن الإسكان البلدي وغير الربحي لا يستفيد منه فقط الفقراء، بل جميع سكان فيينا. وبهذا الشكل، يصبح لدى مختلف الطبقات الاجتماعية ـ وبالتالي الفئات ذات النفوذ السياسي المتفاوت ـ مصلحة في وجود سكن جيد تحت ملكية عامة وإدارته بشكل فعّال. وفي الوقت نفسه، ينعكس الحجم الكبير لقطاع الإسكان البلدي والإسكان الموجه للصالح العام بشكل إيجابي على سوق الإيجارات ككل، لأنه يساعد على إبقاء الأسعار منخفضة نسبياً. إن هيمنة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ودفاعه عن الملكية العامة لهما جذور تاريخية عميقة. فمع نهاية الحرب العالمية الأولى، كان الحزب في طليعة حركات الاحتجاج والإضرابات والمجالس العمالية، ثم خرج منتصراً في الانتخابات البلدية. ولتمويل مشاريعه العامة الطموحة، فرض الحزب ما يُعرف بـ«ضرائب برايتنر»، وهي سلسلة من الضرائب الفاخرة على استهلاك الأغنياء، إضافة إلى ضريبة ضد المضاربة وضريبة تصاعدية على البناء، حيث ساعدت الأخيرة على تمويل بناء الفلل الفاخرة للقطاع السكني الاجتماعي. اتبعت الحكومة المحلية سياسة إسكان حازمة بشكل لافت، شملت مصادرة المباني غير المستغلة وبناء مجمعات سكنية ضخمة، وفّرت فيها البلدية خدمات اجتماعية متعددة مثل رعاية الأطفال، والمدارس، والخدمات الطبية، والكهرباء والماء والغاز، إضافة إلى تعاونيات استهلاكية. وبما أن منطق الربح كان مُستبعداً، لم تتجاوز حصة الإيجار من دخل الأسر في ثلاثينيات القرن العشرين 4% من متوسط أجور عائلة عاملة. وكان أبرز هذه المشاريع «كارل ماركس هوف»، وهو مجمع سكني ضخم على الطراز الحداثي يضم مرافق رياضية وقاعات محاضرات ومكتبة عامة. بالنسبة للاشتراكيين النمساويين، كانت النوادي الرياضية والمؤسسات التعليمية والمشاريع الثقافية أدوات أساسية لتحرير الطبقة العاملة وإعادة تشكيل الثقافة. وكان الهدف هو جمع العمال والفنانين وشرائح واسعة من المجتمع تحت راية الاشتراكية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وبذلك لم يكن الإسكان الاجتماعي البلدي موجّهاً فقط إلى أفقر الفئات، بل كان مشروعاً اجتماعياً واسعاً يشمل العمال المنزليين والفنانين على حد سواء.
إميليا- رومانيا تُعدّ منطقة إميليا- رومانيا معقلاً للديمقراطية الاجتماعية الإيطالية، وكذلك للاشتراكية والشيوعية في إيطاليا. وعلى مدى أكثر من قرن، حكمت الأحزاب اليسارية المنطقة على المستويين الإقليمي والبلدي، ولم ينقطع ذلك إلا خلال فترة الحكم الفاشي. كان السبب الأساسي لهذه الهيمنة السياسية هو الارتباط القوي والمنظم بين هذه الأحزاب ومنظمات العمال المختلفة، من نقابات عمالية وتعاونيات ومراكز ثقافية. وفي قلب البرنامج الاقتصادي لهذه الأحزاب كان دعم التعاونيات الإنتاجية والعمالية، وهو ما استفاد منه كل من العمال وأصحاب المشاريع الصغيرة. وكان الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) هو الذي طوّر هذا النموذج خلال نحو 50 عاماً من حكمه الفعلي في المنطقة، حيث فاز بجميع الانتخابات. واستمد الحزب شعبيته الكبيرة من دوره في المقاومة المسلحة ضد الفاشية، التي ساهمت في تحرير المنطقة. وقد استخدم الحزب الشيوعي مكانته القوية داخل الطبقات العاملة، فأرسل كوادره إلى منظماتهم من أجل الترويج لسياساته الاقتصادية. كما عملت الحكومات المحلية التي يديرها الشيوعيون على دعم قطاع التعاونيات بشكل مباشر: إذ قامت تعاونيات البناء بإنشاء مساكن اجتماعية منخفضة التكلفة على أراضٍ تابعة للبلدية، بينما وفّرت تعاونيات الاستهلاك للأسر العاملة مجموعة واسعة من السلع، وساعدت تعاونيات الإنتاج الشركات الصغيرة على المنافسة مع الشركات الاحتكارية الكبرى في شمال إيطاليا. ولرفع مستوى معيشة العمال، لم يكن كافياً خفض الأسعار والإيجارات وزيادة الإنتاجية فقط، بل كان لا بد أيضاً من رفع الأجور بشكل واضح. لذلك تنسّق الحزب الشيوعي الإيطالي مع النقابات العمالية لاستهداف مصانع الشركات الكبرى، بهدف إعادة توجيه الأرباح من تراكم رأس المال في الشمال نحو تحسين أجور العمال. وقد أدت زيادة دخل الأسر إلى تنشيط الاقتصاد المحلي بشكل إيجابي. وكان الحزب الشيوعي بمثابة «الجهاز العصبي» لهذا التخطيط الاقتصادي الإقليمي؛ إذ كان حاضراً في اتحادات التعاونيات والنقابات العمالية الأساسية، ما سمح له بنقل مطالب الطبقة العاملة إلى داخل الحزب من جهة، وتسهيل تنفيذ السياسات الاقتصادية الإقليمية من جهة أخرى. وقد كانت هذه المنظمات بمثابة هياكل جماهيرية تضم الطبقات الوسطى والعاملة، وفي الوقت نفسه فضاءات حية للثقافة الشيوعية، قادت الاحتجاجات ضد الفاشية، ونظّمت الفعاليات والاحتفالات والمناسبات الشيوعية، وساهمت في دمقرطة الاقتصاد بشكل عملي.
كيف يمكن لممداني تعزيز قوة الطبقات العاملة من خلال الإجراءات الاقتصادية التي وعد بها، يستهدف برنامج مامداني بالفعل الفئات الأساسية داخل ائتلاف انتخابي واسع. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هناك خطوة إضافية ضرورية، وهي إنشاء ودمج منظمات بشكل نشط تقوم بنقل القيم الاشتراكية، وتُسهم في دمقرطة الاقتصاد، وتكتسب نفوذاً عبر توسيع قاعدة المشاركة والتمثيل. يمكن أن تكون النقابات العمالية القوة الدافعة وراء ذلك. إذ إن سياسات ممداني لتعزيز حقوق العمال تتيح فرصة لإدماج النقابات بشكل بنيوي داخل مبادرات ملموسة. ومن شأن ذلك أن يقوي النقابات على المدى البعيد، ويخلق روابط دائمة بين رؤيته الاشتراكية وبين الطبقة العاملة في نيويورك. وقد تكون خطته لتوفير استشارات قانونية بلدية لعُمّال التوصيل وغيرهم خطوة أولى في هذا الاتجاه. فإذا قامت المدينة، بالتعاون مع محامي النقابات، بإنشاء مراكز استشارية عامة، فلن يؤدي ذلك فقط إلى تخفيف العبء عن النقابات، بل سيوفر أيضاً نقاط تواصل مع العمال غير المنظمين نقابيًا بعد. ويمكن ربط ذلك أيضاً بالبنية التحتية المخططة لعمال التوصيل، مثل إنشاء أماكن توفر لهم الحماية أثناء الطقس السيئ. وإذا تم تشغيل هذه المرافق من قبل النقابات، فقد يتيح ذلك ـ بخلاف إدارتها من قبل موظفين بلديين ـ فرصة عملية لتعليم وتوضيح معنى التضامن العمالي في الحياة اليومية وإبرازه بشكل ملموس. من المؤكد أن إيصال القيم الاشتراكية إلى أصحاب الأعمال الحرة وصغار التجار أكثر صعوبة. وبدلاً من زيادة الإنفاق العام على الاستشارات الفردية، يمكن لممداني دعم عمليات دمج الشركات، وخاصة تأسيس التعاونيات ـ مثل تعاونيات الإنتاج لأصحاب المتاجر الغذائية الصغيرة (البوديغا). هذه الخطوة من شأنها تقليل العبء البيروقراطي على جميع الأطراف، وتعزيز المشاركة الديمقراطية للمالكين. كما يمكن لهذه التعاونيات أن تعمل كجهات تنسيق مع إدارة المدينة لضمان أسعار غذاء عادلة للطبقة العاملة. ويمكن ربط ذلك أيضًا بدعم تعاونيات المستهلكين؛ فالمناطق التي لا توجد فيها تعاونيات إنتاجية قد تكون مناسبة لإنشاء تعاونيات استهلاكية، مما يساعد على إبقاء الأسعار منخفضة وتجنب المنافسة الضارة. إضافة إلى ذلك، ينبغي لإدارة المدينة أن تعمل على ضمان منافسة حقيقية في سوق الإسكان. ففي مشروع توسيع السكن الميسّر، لا يمكن الاعتماد على الشركات الخاصة، لأن ذلك يشكل خطراً سياسياً واقتصادياً، إذ إن شركات الإسكان هي المستفيد الأكبر من أي سياسة مناهضة للاشتراكية. في المقابل، لا تشترك التعاونيات السكنية فقط في مصلحة أساسية تتمثل في خفض الإيجارات، بل يمكنها أيضاً أن تكون أداة لتنظيم السكان وتسييسهم عبر مختلف الطبقات الاجتماعية. وبما أن المؤسسات العامة تخضع لمبدأ الحياد، فإن التعاونيات السكنية تكون أكثر ملاءمة لنشر القيم والأفكار الاشتراكية. ومع ذلك، فإن تغيير الثقافة السياسية وحده لا يكفي لمعالجة الطابع المالي العميق لسوق الإسكان في نيويورك والتكاليف المرتبطة به على التعاونيات السكنية. وهناك استراتيجيتان محتملتان ـ وقد تكونان متكاملتين ـ للتعامل مع ذلك. الأولى هي فرض تنظيمات أكثر صرامة تجعل المضاربة العقارية والملكية الكبيرة للأراضي أقل جاذبية، ويمكن دمج ذلك مع تجميد الإيجارات الحالي وفرض ضرائب مرتفعة على ملاك الأراضي وشركات الإسكان. فهناك حاجة إلى ضغط مباشر على أسعار العقارات في نيويورك، بما يسمح لاحقاً بشراء الأراضي والعقارات من قبل الإدارة البلدية، وبالتالي تهيئة الظروف لسكن ميسّر للجميع. أما الاستراتيجية الثانية فهي التعاون مع مؤسسات الإقراض التعاوني، المدعومة بسندات بلدية، والتي يمكنها جمع التمويل من الأسواق المالية لتوسيع محفظة العقارات. وبما أن هذه السندات ستكون مضمونة من القطاع العام، فقد تصبح أصولاً آمنة للمستثمرين، ما قد يتيح جذب جزء من القطاع المالي في نيويورك لدعم سياسة إسكان اشتراكية. وبهذا يمكن لتعاونيات الإقراض أن تعيد تدريجياً إدخال الأراضي العقارية في نيويورك تحت سيطرة ديمقراطية. ويبدو أن أنجح نهج هو الجمع بين الإجراءات الهجومية والتدريجية. فمع انخفاض أسعار العقارات المتوقع، لن تواجه المؤسسات المالية أزمة وجودية، إذ يمكنها استبدال أصولها بسندات آمنة تصدرها التعاونيات الإقراضية. ومن خلال هذا النهج المتوازن، يمكن بناء اقتصاد اشتراكي في نيويورك دون التسبب في اضطرابات حادة في القطاع المالي. حتى الآن، لا يعدو برنامج ممداني الاقتصادي أن يكون محاولة لإعادة توزيع جزء من أرباح الشركات الكبرى والأثرياء نحو الطبقات العاملة. لكن الأمثلة التاريخية والمعاصرة للمدن التي حكمتها قوى اشتراكية تُظهر أنه يمكن الذهاب أبعد من ذلك بكثير. فسياسات الاقتصاد الاشتراكي تعني استهداف هياكل الملكية الرأسمالية داخل المدينة من أجل دمقرطة النظام الاقتصادي. ولدينا أدوات قوية لتحقيق ذلك: الملكية العامة، والنقابات العمالية، وأشكال متعددة من التعاونيات. يتطلب الأمر مهارة استراتيجية ورؤية واضحة لتحديد المزيج الأنسب لبناء ديمقراطية اقتصادية مستدامة. وهذا ليس حلماً طوباوياً ولا شعار «كل شئ أو لا شئ»، بل هو شرط للبقاء السياسي. فبناء تحالف واسع وجاذب من مختلف شرائح الطبقة العاملة هو الأساس الضروري للفوز بالأغلبية الديمقراطية. ومن الواضح أن ليس كل من صوت لممداني اشتراكياً مقتنعاً. غير أن إصلاحات الديمقراطية الاقتصادية تسمح بجعل فوائد الاشتراكية ملموسة عملياً للطبقات العاملة: التضامن، والمساعدة المتبادلة، والديمقراطية الاقتصادية. كما تتيح بناء تنظيمات مستدامة ستكون ضرورية للنضالات المستقبلية والتعبئة وبناء التحالفات الواسعة. إن مجرد إعادة التوزيع لا يكفي. فبدون إعادة التشكيك في علاقات الملكية الرأسمالية ودمقرطة الاقتصاد، لن نقترب من هدف نيويورك الاشتراكية.
ثابو هونتغيبورث(*): يدرس الدكتوراه في اقتصاديات التنمية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإمبريالية بلا أقنعة
-
مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
-
الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
-
ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
-
تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش
...
-
-المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
-
الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر
...
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
-
مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة
-
الأحزاب اليمينية تُحوِّل القسوة إلى أمرٍ عادي
-
«الاشتراكية ليست طوباوية – إنها مفعمة بالحياة»
-
الجيل زدّ يتظاهر في جميع أنحاء العالم
-
الإرث السياسي ل«أفقر رئيس في العالم»
-
زهران ممداني: انتصار اشتراكي في نيويورك
-
وجهة نظر ماركس عن الديمقراطية
-
زوهران ممداني: «الاشتراكي الذي يريد أن يغيّر نيويورك»
المزيد.....
-
كيف تمرد الديمقراطيون ضد تسليح إسرائيل؟ بيرني ساندرز يجيب
-
تحذير حقوقي للمكلف: شرعية الحكومة مرهونة بكشف قتلة المتظاهري
...
-
الحرية لرسام الكاريكاتير: 10 مايو بدء محاكمة ريشة أشرف عمر ب
...
-
قانون الأحوال الشخصية في مصر 2026: مصلحة الطفل أم إدامة السل
...
-
تأنيث الفقر من منظور نسوي اشتراكي
-
The Feminization of Poverty: A Socialist Feminist Perspectiv
...
-
The Death of Sanctuary and the Rise of the Sophisticated Lon
...
-
“Us and Them” is Obsolete
-
The Paradox of Tolerance: When Freedom Becomes a Weapon of O
...
-
Quelling the Polycrisis (Video, Part 3)
المزيد.....
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
النظرية الماركسية في الدولة
/ مراسلات أممية
المزيد.....
|