أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - صلاة الرئيس














المزيد.....

صلاة الرئيس


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 20:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اللحظة التي تتنازع فيها المشاعر بين الضحك والبكاء، هي تلك اللحظة التي يعيد فيها التاريخ نفسه بثوب من التناقض الصارخ، فالنظر إلى صورة "الشيخ" ترامب وهو يقيم صلاة جماعية في واشنطن على أرض "الناشونال مول"، كفيل بخلق شعور بأن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة مغلقة تدور حول نفسها، كما عبر عن ذلك نيتشه في عبارته العميقة: "إذا نظرتَ إلى الهاوية طويلاً ستنظر الهاوية إليك".

وتأتي صلاة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد أشهر من تصوير نفسه السيد المسيح، واليوم يقف "إماماً" لجماعة من المصلين ضمت مسؤولين ووزراء ومقربين.

وثمة سؤال يجول ذهاباً وإياباً في العقل، كيف يقيم رئيس دولة عظمى، تدعي قدسية الحياة والحقوق، صلاة جماعة وهو المتسبب الأول عن مقتل نحو 82 شخصا خلال عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته؟ كيف يرفع يديه للدعاء وهو المسؤول عن مقتل 168 طفلة قتلن في غارة جوية استهدفت مدرسة في إيران؟ كيف يتلو آيات القداسة وهو الذي يُجوّع سكان كوبا ويحاصرها اقتصادياً وغذائياً؟

لطالما اعتبرت القيم الأمريكية تسييس الدين رجعية وتخلف، وغالبا ما اتهمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة السلطات التي ترتكز على سردية إسلامية بأنها إرهابية. واليوم يقف كبار مسؤولي إدارة ترامب وزير الدفاع بيت هيغسيث ووزير الخارجية ماركو روبيو ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في صلاة جماعية لـ"إعادة تكريس الجمهورية لله والوطن"، وفق تعبير هيغسيث نفسه. وما هذا إلا استدعاء لطوق نجاة حين تسعى السلطة لإكساب قراراتها غطاء من القداسة والمشروعية.

هذا الاستحضار الديني الذي يسميه البعض "القومية المسيحية" بوصفها ظاهرة أمريكية مرضية تصيب البيت الأبيض حين يفتقر إلى القبول الشعبي، فيجري استدعاء الرمزية الدينية لتفادي انهيار القواعد الانتخابية. لكن الملفت هنا أن الإدارة الأمريكية تحاول هذه المرة التعامل مع العالم كطين لعب أطفال تشكله مثلما تريد، تارة تعتبر الدين فكراً رجعياً ومتخلفاً وتارة مادة للهوية والانتماء، حسبما تقتضيه مصالحها الاستراتيجية.

إن هذه المناورة لا تصاغ لأجل الخشوع وإنما لغرض التوظيف، فتستدعي الخطاب الديني لامتصاص غضب دافعي الضرائب ولتصوير المعارك التي نغصت عيشهم على أنها دفاع عن قيم مقدسة. كما تلجأ إلى صياغة سياساتها في قوالب مستمدة من المرجعيات الدينية لتمريرها بسلاسة وتجنب المعارضة. وهنا يتحول الصراع السياسي إلى معركة وجودية ودينية تغذي التعصب وتقصي الآخر.

طيف واسع من المجتمع الأمريكي يرى أن القومية المسيحية كأيديولوجيا سياسية تسعى لدمج الهوية الدينية بالعقيدة الوطنية وتقوض أسس الديمقراطية بمزج الدين بالحكومة، وتؤكد أن الأمة أُسست حصراً للمسيحيين مما يؤدي إلى التضييق على الحريات الدينية لغير المنتمين لهذه الأيديولوجيا، وهو خرق صارخ لمبدأ فصل الدين عن الدولة الذي ينص عليه الدستور الأمريكي.

وتكمن المفارقة في أن هذا الحدث الذي يقام في "الناشونال مول" ينظم ضمن فعاليات الذكرى المئتين والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة، فهل "إعادة تكريس البلاد لله" على حد تعبير الواعظة بولا وايت، تعني إعادة تكريسها للحروب العسكرية والتجارية والحصار وقتل الأطفال؟ هل تعني أن ثمة مباركة للقتل والتجويع؟

يقول فولتير إن من يستطيع أن يجعلك تؤمن بأمور متناقضة، يستطيع أن يجعلك ترتكب جرائم". وهذا هو بيت القصيد، فحين تتلبس السلطة الأمريكية فجأة بلباس القومية المسيحية لإكساب قراراتها مشروعية عليا فإنها لا تكرس البلاد لله بل تكرسها لأهداف أرضية ضيقة. وعندما يصبح الخطاب الديني أداة للحشد والتعبئة يفقد قدسيته ويتحول إلى زي ترتديه السلطة في مناسباتها الرسمية.

إن ما يقام في واشنطن ليس صلاة جماعية بمعناها الروحاني، هو أقرب إلى مشهد سياسي يتنازع فيه الضحك والبكاء، كما تتنازع الظلمة والنور في فجر ملتبس.

دكتور محمد وهاب عبود / باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي
- إعلام ساخن وجمهور بارد
- أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب
- ال -ترند- والانجراف الجمعي
- فرنسا القديمة وكاليدونيا الجديدة


المزيد.....




- إيران: نتبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء باكستان وعُمان و ...
- روسيا.. إجلاء جثتين من أصل 5 جثث لمتسلقَي جبال لقوا حتفهم في ...
- الولايات المتحدة.. مقتل شخص وإصابة 6 آخرين في إطلاق نار خلال ...
- فرنسا تحشد 1500 عسكري للمساهمة في السيطرة على حرائق الغابات ...
- الببتيدات تغزو الأسواق.. تحذيرات من علاجات مجهولة المصدر في ...
- في الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو.. آلاف التونسيين يطالبون ...
- تركيا.. مقتل مسؤول في حزب العدالة والتنمية الحاكم ونجله وابن ...
- الخارجية الروسية: موسكو تعتزم المطالبة بتسليم مدعي عام الجنا ...
- رئيس وزراء إسبانيا يرد على طفلة فلسطينية برسالة مؤثرة (فيديو ...
- لبنان.. جنبلاط يحذر من طمس ذاكرة الجنوب وعودة بعض -المنحرفين ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - صلاة الرئيس