أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا: الجار الذي لا يريده أحد














المزيد.....

تركيا: الجار الذي لا يريده أحد


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 03:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست مشكلة تركيا أنها دولة كبيرة. وليست مشكلتها أنها تملك جيشًا قويًا، أو موقعًا جغرافيًا حساسًا، أو تاريخًا إمبراطوريًا طويلًا. المشكلة أن تركيا الحديثة، وخصوصًا في سنوات حكم العدالة والتنمية، تصرفت كثيرًا لا كدولة جارة تبحث عن الاستقرار، بل كجار مزعج يريد أن يدخل في كل بيت، وأن يرفع صوته في كل خلاف، وأن يفرض نفسه وصيًا على كل ساحة قريبة منه.

تركيا محاطة بدول كثيرة، لكنها نادرًا ما نجحت في بناء ثقة عميقة ومستقرة مع معظم محيطها. مع سوريا، تحولت الحدود إلى ملف حرب ولاجئين وفصائل وسلاح وتدخلات. مع العراق، هناك تدخلات عسكرية متكررة بحجة الأمن القومي وملاحقة حزب العمال الكردستاني. مع اليونان وقبرص، الخلافات لا تهدأ حول البحر والغاز والجزر والحدود. مع أرمينيا، التاريخ ما زال جرحًا مفتوحًا. مع العالم العربي، تُقدّم أنقرة نفسها مرة كحليف، ومرة كوصي، ومرة كمنافس، ومرة كقوة تستخدم الإسلام السياسي بوصفه جسرًا للنفوذ.

هذه ليست سياسة خارجية طبيعية لدولة تريد علاقات حسن جوار. هذه سياسة دولة تعاني من عقدة الدور. تريد أن تكون أوروبية حين يخدمها ذلك، وآسيوية حين يناسبها ذلك، وشرق أوسطية حين تحتاج إلى التأثير، وإسلامية حين تريد تعبئة الشارع، وعلمانية حين تخاطب الغرب، وقومية حين تخاطب الداخل. والنتيجة أن كثيرين لا يعرفون: أي تركيا أمامنا اليوم؟ دولة شريكة أم دولة وصية؟ دولة تجارة أم دولة تدخل؟ دولة مؤسسات أم دولة مزاج سياسي؟

الجار الجيد لا يعني الجار الضعيف. من حق تركيا أن تحمي مصالحها، وأن تقلق على أمنها، وأن تطالب بدور يناسب حجمها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول “المصلحة القومية” إلى مبرر دائم للتدخل في شؤون الآخرين. كل دولة تستطيع أن تقول إن أمنها القومي يبدأ خارج حدودها. لكن إذا قبل العالم هذا المنطق بلا ضوابط، فلن يبقى قانون دولي ولا حدود ولا سيادة.

في سوريا مثلًا، لا يمكن إنكار أن تركيا تأثرت بالحرب واللاجئين والمخاطر الأمنية. لكن هل تعاملت أنقرة مع سوريا كجار منكوب يجب مساعدته على استعادة دولته، أم كساحة نفوذ مفتوحة؟ لقد دعمت قوى وفصائل، وفتحت حدودًا، وشاركت في هندسة مناطق نفوذ، ثم تحدثت لاحقًا عن إعادة اللاجئين وكأن المشكلة لم تكن جزءًا من سياسة طويلة ساهمت في تعقيد المشهد. تركيا لم تكن الضحية الوحيدة في الأزمة السورية؛ كانت أيضًا لاعبًا أساسيًا في تحويلها إلى ملف إقليمي دائم.

وفي العراق، يتكرر المنطق نفسه: الأمن التركي يبرر الوجود العسكري، والملاحقة العابرة للحدود، والضغط السياسي. قد تكون لتركيا مخاوف حقيقية من حزب العمال الكردستاني، لكن المخاوف الحقيقية لا تمنح دولة حق التصرف وكأن أراضي الجيران مساحة خلفية لمعالجة مشكلاتها الداخلية.

أما في شرق المتوسط، فقد أظهرت تركيا وجهًا آخر: دولة لا تريد الاكتفاء بالتفاوض الهادئ، بل تفضّل سياسة الاستعراض البحري والتهديد والخرائط القصوى. ومع كل أزمة مع اليونان أو قبرص، يظهر الخطاب التركي وكأنه خليط من التاريخ العثماني والقومية الحديثة والشعور الدائم بالمظلومية. تركيا تريد أن تُعامل كقوة كبرى، لكنها كثيرًا ما تتصرف بطريقة تجعل جيرانها يبحثون عن تحالفات ضدها بدلًا من بناء تحالفات معها.

حتى حين تحسّنت علاقات تركيا مع بعض الدول العربية في مراحل معينة، كان التحسن غالبًا نتيجة براغماتية اقتصادية أكثر منه مراجعة فكرية حقيقية. عندما تحتاج تركيا إلى المال والاستثمار والسوق، تخفّف خطابها. وعندما تشعر بالقوة، تعود لغة التفوق والوصاية. وهذا ما يجعل الثقة بها صعبة. الدول لا تبني علاقاتها على الذاكرة القصيرة؛ هي تتذكر من وقف معها، ومن استثمر في اضطرابها، ومن عاملها كساحة نفوذ.

المفارقة أن تركيا تملك كل مقومات أن تكون جارًا مرغوبًا. لديها اقتصاد كبير، موقع استراتيجي، شعب نشيط، صناعة، سياحة، ثقافة، وممرات تجارة وطاقة. كان يمكن أن تكون مركز استقرار بين أوروبا والشرق الأوسط. كان يمكن أن تكون نموذجًا لدولة مسلمة ديمقراطية مزدهرة. كان يمكن أن تكون جسرًا حقيقيًا لا جسرًا للابتزاز السياسي. لكن السياسات الكبرى لا تُقاس بما كان ممكنًا، بل بما حدث فعلًا.

وما حدث فعلًا أن تركيا اختارت غالبًا أن تكون دولة عصبية، كثيرة الخصومات، متقلبة الخطاب، تستخدم التجارة والسياسة واللاجئين والدين والقومية كأوراق ضغط. وهذا يجعل الجار يخاف منها حتى عندما يحتاج إليها، ويتعامل معها حتى وهو لا يثق بها، ويفاوضها وهو يضع في ذهنه احتمال انقلاب الموقف في أي لحظة.

ليست المشكلة في الشعب التركي. الشعوب لا تختزل في حكوماتها، ولا يجوز تحويل النقد السياسي إلى عداء قومي. داخل تركيا نفسها ملايين الناس يريدون دولة طبيعية، مستقرة، ديمقراطية، مزدهرة، لا تعيش على صراعات دائمة ولا على أوهام الإمبراطورية. المشكلة في عقل سياسي يرى الجغرافيا المحيطة به كملف نفوذ، لا كجوار يجب احترامه.

تركيا تستطيع أن تكون جارًا مهمًا، وربما لا يستطيع أحد تجاهلها. لكنها حتى الآن لم تنجح في أن تكون جارًا مطمئنًا. هناك فرق بين دولة لا يمكن الاستغناء عنها ودولة يُراد العيش قربها براحة. تركيا اليوم أقرب إلى الأولى، وأبعد كثيرًا عن الثانية.

ولذلك يمكن القول إن مأزق تركيا ليس أن جيرانها يكرهونها، بل أنهم لا يثقون بها. وهذه أسوأ. فالعداء قد يخفّ مع الزمن، أما غياب الثقة فيحتاج إلى سنوات طويلة من السلوك الهادئ والمسؤول. والخطابات العالية لا تعيد الثقة، ولا الطائرات المسيّرة، ولا استعراضات القوة، ولا الحنين إلى خرائط قديمة.

الجار الذي يريده الناس هو الجار الذي يحترم الباب والجدار والحدود. أما الجار الذي يطرق الأبواب بقدمه، ويتدخل في شؤون البيت، ثم يطلب أن يُحَبّ ويُحترم، فهو جار قد يخافه البعض، وقد يحتاجه البعض، لكنه لن يكون جارًا يريده أحد



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...
- هل حان الوقت لثورة سورية جديدة؟ أم أن السوريين يخافون من است ...
- كيف تدعم تركيا حق سوريا في استرجاع الجولان بينما تحتل لواء ا ...


المزيد.....




- مسؤولان: الجولة الأخيرة من محادثات لبنان وإسرائيل جارية في أ ...
- -استغرقت أكثر من المعتاد-.. شاهد رحلة فريق CNN الطويلة للوصو ...
- إيران: عبور 30 سفينة من مضيق هرمز منذ مساء الأربعاء بـ-إذننا ...
- نشطاء سلام يتجمعون لحماية الفلسطينيين خلال مسيرة الأعلام في ...
- 100 مليون دولار ولكن.. روبيو يعرض المساعدة على كوبا شرط تغيي ...
- أنباء عن هجمات جديدة على سفن قرب مضيق هرمز
- انطلاق جولة محادثات جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.. من ...
- الاتحاد الأوروبي يعزز آلية تبادل المعلومات داخل التكتل للتصد ...
- ترامب وشي جينبينغ يتفقا بشأن إيران.. ويختلفان حول تايوان
- الدبلوماسية الرقمية.. كيف تحولت سفارات إيران إلى منصات تأثير ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - تركيا: الجار الذي لا يريده أحد