أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - بشير صقر - الردود والتعقيبات على موضوع حزب العمال - الجزء الثانى/3















المزيد.....



الردود والتعقيبات على موضوع حزب العمال - الجزء الثانى/3


بشير صقر

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 18:16
المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
    


ثانيا :الفارق بين القائد والمكافح التقليدى
أو بين العازف الماهر.. والمايسترو

وهنا نتخذ من الفرقة الموسيقية نموذجا للعمل الجماعى لكى نستبين منه الفارق بين قائد الأوركسترا وبين البارزين من العازفين وندرك كنه ذلك الفارق والآثار المتربة على الخلط بينهما فى الأدوار.

فالبروز والتفوق فى العزف - على آلة موسيقية ما - لأحد أفراد الفرقة لا يمنح ذلك العازف - بشكل تلقائى- مقومات القيادة لمجمل العازفين على آلات الأوركسترا.. ونشدد هنا على التفريق بين دور العزف ودور القيادة .

فالتفوق فى العزف على آلة منفردة يختلف عن القدرة على قيادة مجمل أفراد وآلات الأوركسترا ؛ لأن العزف يتعلق بالاختصاص والتفنن فى الصلة بين العازف وآلته وعمق تلك الصلة .

بينما القيادة تتصل بالقدرة على التمييز بين أصوات الآلات والقدرة على الجمع بينها فى علاقات متسقة وصلاحيات لا تخدم فقط صوت الآلة المنفردة بل وتبرز الصلة الأكثر اتساقا بين بقية الآلات .. فى لحظات زمنية متباينة الطول والاتساع.

إنهما – التفوق فى العزف وقيادة الأوركسترا- وظيفتان تبدوان متسقتين بين الآلات المنفردة وبين بقية آلات الأوركسترا؛ لكن لهما فى حقيقة الأمر دوْرين ووظيفتين مختلفتين؛ لكنهما ليستا متعارضتين. وتحتاجان معا للمسة حانية داخل الفرقة وللرفاقية- التعاون- فى تشييد العلاقة بين أفرادها؛ أكثر منها استجابة لتلبية طموح الإبن ورغباته الجامحة الذى يمثله نزوع بعض العازفين المتميزين للبروز.
كما تتطلب أيضا كيفية إبرازجوانب الجمال والتباين فى مسار الاتساق العام للمعزوفة الذى يقوده المايسترو.. وابراز التفاوت والتناغم بين الآلات المختلفة والأصوات المنبعثة منها.

وبالعودة لموضوعنا السياسي؛ فإن حملة التصعيد التى كانت جزءا عضويا من خطة 9/5/1975 أسهمت فى فصم عُرَى الاتساق التى كانت قائمة بين أعضاء التنظيم (أو بين آلات الأوركسترا حسب تشبيهنا)، وفجرت كافة الطموحات الفردية ورغبات الزعامة وغلبت النزعات الجامحة على مسار الاتساق الذى كان متوفرا قبل إعمال الخطة ؛ تلك الخطة التى أوهمت غالبية الرفاق بانحراف تلقائى يتوجب محاربته استنادا لخطة [الروافع الثلاثة، وإعادة بناء المستويات الحزبية ، وسحب المناضلين الجماهيريين للداخل لتسجيل خبراتهم..إلخ وما استتبع ذلك من حملة تصعيدات أقرب لأوكازيونات الصيف فى محلات الملابس والأحذية.. وانتهت بوظائف شكلية وبطالة وانحرافات يمينية فى معايير التجنيد والكادر والعضوية.. توّجتها مخالفة صارخة لبديهية أمنية تخللت معركة انتخابية فى ضاحية حلوان انتهت بضربة أمنية أمسكت بالتنظيم من أمعائه فى نوفمبر1979.

والأهم من ذلك أنها أفصحت وبرهنت بجلاء على الفارق بين عازف ماهر على أحد الآلات الموسيقية وبين قائد الأوركسترا.. وأن حلول العازف محل المايسترو بالحيل والألاعيب التى حيكت فى صيف 1975- أو حتى بدونها- قد أفضى لتمزيق التنظيم وافتقاد غالبية أعضائه للروح الكفاحية وللثقة بهذا الطريق والثقة بالنفس واللجوء للأدوات والأساليب الإصلاحية التى أثبت التاريخ فشلها .. على الأقل لمدة أربعين عاما.
،،،،،،،،،،

ثالثا : إشكاليتان .. حكمتا انحرافات الحزب منذ منتصف 1975
بانقلاب المثقفين غير العمليين


هناك مبدأ سياسى حزبى بالغ الأهمية يقول : " أنه بعد تحديد الوجهة السياسية للحزب .. تتحول كل القرارات السياسية إلى إجراءات عملية ."
وانطلاقا منه نشير إلى أن الإشكاليتين المعنيتين أعلاه وتتمثلان فى :


الأولى : تنصب على هدف أو خطة المفرج عنهم – من أعضاء الحزب- من سجن الحدرة بالإسكندرية فى إبريل 1975 ، والتى تستهدف عدم تطبيق اللائحة الحزبية ومن ثم منع القيام بتحقيق حزبى علمى دقيق يتناول أسباب الضربة الأمنية فى يونيو 1973 وأبعادها ويرصد الاحتياطات المتوجبة لتلافى آثارها والحيلولة دون تكرارها فى المستقبل ، وبدلا من ذلك جرى استصدار تقرير9 مايو 75 التنظيمى لطرح تلك الخطة.. وتجاهل التحقيق المفترض وبالتالى إعفاء المتورطين فيه من المساءلة وتوابعها.

ورغم أن هذا السلوك يعنى – من الناحية العملية – إقرار كل الموافقين على عدم إجراء التحقيق – ومن ثم الموافقة على تقرير 9/5 التنظيمى - على معاملة الأعضاء الحزبيين بمعيارين أحدهما للقيادات العليا والآخر لصغار الحزبيين.. وهو ما يعنى أن اللائحة الحزبية قد وُجِدت لتُخترَق.. أو بمعني أصح.. وجودها مجرد شكل لاستكمال مسوغات التواجد الحزبى.. فى المجتمع.. وأمام الجيران الحزبيين.

والثانية : العمل على تكييف أدوات ووسائل العمل الحزبى المتنوعة لتتواءم مع الجوانب التى ألفها الطابع الثقافى غير العملى لأغلبية الرفاق الحزبيين . وهو ما ألزم الجميع بجعل قضية التنظيم بؤرة التعديل ومنطلق النشاط الانقلابى الذى تم .. مما دهور جميع المهام العملية؛ خصوصا الكفاح الجماهيرى.

حيث تم سحب القادة الجماهيريين والكثير من المناضلين الجماهيريين للداخل وذلك بمغادرة مواقعهم الكفاحية بدعوى كتابة خبراتهم وتعميمها على نطاق أوسع ؛ وكذا العمل التنظيمى بمهامه المتعددة وتحديدا الأمنية ، وحوّل الحزب إلى مكلمة وحافظ على تفاقم الطابع الثقافى غير العملى لمجمل النشاط .


•وقد التقى ذلك بآثار وتبعات حرب أكتوبر73 الممتدة والتى اكتنفت الدعايةَ بشأنها – فى وقت سابق- أخطاءٌ جمةٌ ..

•علاوة على دمغ أي نشاط يتناول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بتهمة الاقتصادية
•ومن ثم التعالى على هذا النوع من النضالات التى لا يخلو نضال سياسي حزبى منها.

•ونظرا للوفاء منقطع النظير من جانب اللجنة المركزية لهاتين الإشكاليتين [خطة المفرج عنهم فى إبريل 1975 ، وتكييف أدوات ووسائل العمل الحزبى للنهج الجديد وللطابع الثقافى غير العملي ] من جانب الـ ( ل .م ) ومناصريها من الرفاق المصعدين انعكس إهمال الجانب العملى لتلك المهام على الأوضاع الأمنية .. فمنى الحزب بضربة جديدة بعد 4 سنوات من تاريخ صدور وثيقة الانقلاب فى مايو 1975 تُسألُ عنها اللجنة المركزية دون غيرها ليس لغفلة منها بل لإهمال جسيم يتعلق بتجاهل بديهية أمنية هى عدم الفصل بين السرى والعلنى فى النشاط الحزبى.. وهو ما شكل الضربة القاضية للأمان الحزبى وللتواجد الحزبى المستقر الذى كان السمة الواضحة للفترة (يونيو 1973 / إبريل 1975 ) والتى انهاها بجدارة النهج الجديد ووثيقة الانقلاب( تقرير 9/5/ 1975) وتطبيقاته وتداعياته.

وقبل أن ننهى حديثنا نلفت النظر للإطار الذى أحاط بالإشكاليتين من جميع الجوانب وهو روح الإزدواج – الشيزوفرانيا – القائمة فى كثير من كتابات الللجنة المركزية عن قضايا التنظيم والمناقشات الدائرة حول تقرير الانقلاب والتى حوت آراء متناقضة فى توصيف الأوضاع الحزبية الداخلية على الدوام منها على سبيل المثال ما صدر من أراء حول عدم استجابة الرفاق الحزبيين لدعوة الاسهام فى المناقشات حول التقرير، ومنها العبارات المنصوص عنها فى التقريرمثل :

(لنا خط فكرى سياسى ثورى أثبت صحته ولنا موقف صائب وجذري من الحركة الشيوعية المصرية القديمة ولبقاياها ومن الحركة الشيوعية العالمية ؛ وانتهجنا نهجا لينينيا في حقل التنظيم حيث حققنا انتصارات رائعة في قضايا خلق المستويات وخلق الكادر الثوري وتربيته وتطويره والاحتراف الثوري وتقسيم العمل وتطوير المالية وتعميق السرية ، وحققنا درجة محددة من مراعاة نسب العمل السري والعمل العلني . وخضنا نضالا فعالا ضد خط السلطة الحاكمة فى القضية الوطنية، واليوم نسعى للتوجه القصدي للطبقة العاملة مع فهم جدلي له وحلقاته ومشاكله وهذا ما يحتاج فى جانب منه إلى مهارة وقسوة الطبيب المعالج.

ومنهامقالات تقريظ والإشادة بالتقريرالتى أسهم بها بعض الزملاء فى تظاهرات التأييد للسياسات الجديدة التى دشنها التقرير ، ومنها مقالات تؤكد تجاوز أزمة الإنحراف التلقائى والبرء من أمراضه وآثاره.. وكل تلك السمات تجلت فى بحر عام أو يزيد قليلا.. مما دفع اللجنة المركزية للتوقف عن إخطار الحزب عما يدور داخلها من أعمال.. كما أكد تقريرُ الإحاطة (1982) إشارة أخرى عن تبادل الـ ( ل. م ) والرفاق فى بقية مستويات الحزب.. عدم إخطار الطرف الآخر بما يدور فى دائرته (المركز أو فى المستويات الأخرى ) من أحداث ووقائع.
،،،،،،،،

رابعا :خبرات عن القراءة الميكروسكوبية للواقع والصلة بحدة الذاكرة
وعوامل أخرى فى التفاوتات التى يتم رصدها عن الوقائع السياسية
*****
تساهم بعض الخصال والصفات الشخصية فى استنباط تقديرات ورؤي مغايرة لما يمكن أن ترصده منها فى حالات أخرى رغم تساوى المدى الزمنى فى الحالتين.

•فحدة الذاكرة وتماسكها لأمد زمنى طويل ومتصل يساعد فى حالات محددة على الخروج بنتائج لتحليل معطيات فترة زمنية بعينها .. بشكل مغاير لتحليلها من جانب شخصيات أخرى تتبنى نفس الفكر السياسي والتوجه بل وتمثل نفس الفصيل السياسى الحزبى.

ويرجع السبب فى التباين بين الحالتين لتماسك الذاكرة وحدتها وثباتها فى القدرة على قراءة الأحداث الواقعة خلال فترة زمنية أطول بشكل مخالف لما تستنبطه ذاكرة أخري لأشخاص آخرين لا يتمتعون بنفس الذاكرة وسماتها. وإن كانوا يحكمون بنفس الفكر والمدرسة الفلسفية المتبناة.. ويستخدمون نفس أدوات القياس .
فاستطالة وتواصل الفترة الزمنية الخاضعة للقياس توفر قدرة على مقارنة الأحداث والخروج بنتائج مختلفة نسبيا للنتائج المستنتجة من قياسها فى حالات قِصَرتلك الفترة.. نظرا لزيادة عدد الوقائع ومعدل تكرارها أومعدل تماثلها أو اختلافها ..إلخ


•وحيث تزخرالحياة الطبيعية بعشرات الأحداث الكبرى من زلازل وبراكين وعواصف وفيضانات .. فإن الحياة الاجتماعية تكتنفها مئات وآلاف الوقائع والأحداث التى يقوم بها البشر فى سلوكهم اليومي وتعاملهم مع بعضهم ، وإن كان ذلك بمعدل أعلى بما لا يقاس.. مقارنة بالحياة الطبيعية.

•وحيث يتباين افراد الفئة الاجتماعية الواحدة فى هذه الملَكات والمواهب والخصال تختلف الطبقات الاجتماعية أيضا فيما بينها.

لذلك فقدرة الذاكرة على رصد والاحتفاظ بوقائع فترات زمنية طويلة نسبيا يمكنها من التقاط الخيط الذى يضفر تلك الوقائع ويصنفها ويسجل المتشابه منها والمختلف والمتعاكس ، ويخرج فى نهاية المطاف بقراءة دقيقة ومفصلة وربما مصنفة لوقائع هذه الفترة الزمنية بشكل أدق وأوضح مما هو الحال فى الفترات الزمنية الأقصر نسبيا.
مع ملاحظة أن طول الفترة الزمنية أو قصرها فى هذه الأحوال متوقف على قدرة
الذاكرة وحدتها على الاحتفاظ بالوقائع محل الرصد والتحليل.. من عدمه.
كذلك تساهم ملابسات النشأة والوسط الاجتماعى المحيط وطرق التربية فى عملية القراءة والقياس ومن ثم فى النتائج المتحصَّل عليها ، إلى جانب ما تمثله حدة الذاكرة أو ضعفها من قدرة على القراءة والمقارنة والقياس.


ومن هنا يمثل ضعف الذاكرة عنصرا سلبيا فى القدرة على قراءة أحداث ووقائع الفترات الزمنية لأنه يضعف إمكانية الرصد ومن ثم التحليل والاستنباط الذى يكون فى العادة أصوب كلما طال أمد الفترة الزمنية – أو كلما زاد عدد الأحداث والوقائع - التى يتم بشأنها القياس والتحليل والتصنيف أو بمعنى أدق بما يمكن للذاكرة الاحتفاظ به من وقائع لفترة زمنية أطول .


•ولأن من اعتاد الانضباط لقواعد العمل والنشاط عموما بما فيه النشاط السياسي استنادا إلى خصاله الفطرية المدعومة بدربته ومكتسباته يكون أقدر من المتسمين بالتلقائية والعفوية والمزاجية. ويبدو الفارق جليا بين المثقفين العضويين ومثقفى المقاهى ورواد الصالونات.

وهو ما ينطبق أيضا على الطبقات الاجتماعية والفئات الطبقية.. حيث تتحلى فئةُ العمال الصناعيين بدرجة أعلى من الانضباط من بقية طبقة العمال ونفس الشئ بين عمال الصناعة الثقيلة والعمال الصناعيين ككل، كم ايتميز العمالُ عموما عن الفلاحين فى الانضباط وهكذا.. وبالتالى يختلفون فى القدرة على الإلمام بالوقائع التى تحدث وبالتحليل الأصوب والنتائج الأدق .. وجذور ذلك راجعة للعوامل المساهمة فى النشاط الصناعى من مدخلات وشروط محيطة وبالتالى من مخرجات .. ومنها القدرة الأعلى من أقرانهم فى الحرف والمهن الأخري على الرصد والتحليل والاستنباط ومن ثم التوصل لرؤية علمية لطبيعة الوقائع التى اتخذها مسار مهنتهم ومسار العمل الإنتاجى عموما أكثر من غيرهم. ولعل إفلات صلتنا بالطبقة العاملة فى إصدار هذا الكتاب كان أحد النتائج البارزة لحجم الصلة وعمقها مع طبقة العمال .. إلخ

•مع الانتباه لأن النضالات اليومية ترتقى بوعى وقدرات الأفراد والطبقات الشعبية المشاركة فى الكفاح فى هذا الشأن وتصلب عودهم وتشحذ أنصالهم على الدوام.

•وإذا ما استرشدنا بما ذُكِرَأعلاه فى تناول سيرة الفصيل السياسي الراديكالى الذى نحن بصدده ؛ نجدها تختلف من رفيق يملك ذاكرة قوية وفوتوغرافية لآخرين لا يملكون نفس الذاكرة . علما بأن عامل الذاكرة وقوتها ليس العامل الوحيد المحدد لدقة وإحكام رصد

•ذلك التاريخ وتلك الوقائع التى تجاوز زمن حدوثها حوالى نصف قرن.


•هذا وتشكل طبيعة الأفراد القائمين بالرصد من أفراد عايشتْ الأحداث فى كل أنطقتها الجغرافية لأفراد مرت عليها مرور الكرام،لآخرين أشرفوا عليها إشراف الموظفين لآخرين عايشوا الأحداث فى جزء محدود من تلك الأنطقة. وتتفاوت الرؤى بتفاوت الرصد من عناصر ليست من سكان المنطقة أو لا تمتهن نفس المهن الشائعة فى منطقة الرصد ..لآخرين من سكان النطاق أو ممن يمتهنون ذات المهنة.. أو مهنا قريبة أو ذات صلة بمهن سكان المنطقة.

•كما تتفاوت كفاءة الرصد ونتائجه بين شخص خبير فى الرصد لآخر حديث العهد أو
قليل الخبرة ، ومن كادر عمل في صفوف طبقات كادحة لشخص لم ينشط سوى فى
فئات طبقية غير كادحة.. أو فئات هامشية أو مهمشة. ومن راصد يتحلى بقبول اجتماعى لآخر لا يمتلك تلك الميزة، ومن شخص خبير فى تحديد طبيعة الأهالى والأشخاص لآخر لا يتمتع بها.. وهكذا.


•من هنا أتيحت لكاتب هذه السطور فرصة كبيرة فى الإلمام بوقائع شتى ربما تقرأونها لأول مرة مثل واقعة ضبط المُخْبِر ( أحد أفراد مكتب المباحث العامة بالمنوفية ) والحصول على بطاقة هويته وأجندته والتحقيق معه وعقد مؤتمر طلابي لعرض ماجاء بالتحقيق معه واستدعاء أحد ضباط أمن الدولة لكلية الهندسة -حيث يتحفظ الطلاب على الرهينة - للتوقيع على تعهد بالامتناع عن قيام أعضاء مكتب أمن الدولة بالتلصص على الطلاب أو دخول الكلية.. ونجاحهم فى ذلك.


•ولآن العمل السياسى الناجح هو ما يتمكن من دفع أعداد وفئات متصاعدة الاتساع من الجمهورلتنخزط فى الكفاح بل وتوجيه الضربات للتنظيمات المعادية للكفاح والعمل على حلها كما حدث فى نفس الكلية مع اتحا الطلاب الرسمى وتواطؤ بعض أفراده ضد النشاط الطلابى، لذلك تم القيام بحصاره ودفعه لاستقالة ما يزيد عن نصف أعضائه وقيام المؤتمربإقالة بقية النصف الثانى ، بل وتأسيس جمعية بديلة تحل محل اتحاد الطلاب المنحل تسمى( جمعية 23 مارس1974) ، والتى حلت ذكراها الـ 52 فى الشهر الماضى( مارس2026).

•وأيضا إمكانية دفع فئات اجتماعية جديدة للمشاركة فى نقاش قضايا لطبقات اجتماعية من خارج المؤسسة الطلابية كما حدث فى نفس الكلية مع جماهير قرية قريبة من المؤسسة الطلابية بعد نشر الطلاب مقالا يسئ للقرية وحضور أعداد كبيرة من أهالى القرية لمناقشة الأمر مع الطلاب.. وكان ضمن طلابها بعض أبناء القرية المذكورة.

•إذن فقدرة الطلاب على مناقشة مشاكل قرية مجاورة داخل جامعة تحتاج عناصر واعية وقادرة على ذلك كما تحتاج لمن يرصد مثل تلك الوقائع بنفس الكفاءة وإلا سقطت هذه الوقائع من ذاكرة الوطن ومن التاريخ. ولأنه فى حالتنا تلك تمكنا من الحفاظ على ذاكرة الوطن فى تلك المحافظة لمدة خمسين عاما ولم تسقط منا.. ودوناها ؛ بينما افتقد أرشيف الحزب رصد مثل تلك الحالات بل المثير أن بطاقة المخبر الشخصية وأجندته التى دون فيها أسماء مرشدى مكتب أمن الدولة بشبين الكوم ومنهم اسم وكيل كلية الهندسة..حسبما اعترف المخبربذلك فى التحقيق الذى أجرى معه وتمت قراءته أمام 2500( ألفين وخمسمائة طالب) - قوام المؤتمر الطلابى.. قد اختفت رغم أننا أوصينا بإيداعها فى مكان أمين.

•وهناك واقعة أخري تتعلق بدعم الرفاق الذين حبسوا على ذمة قضية عمال شرق الإسكندرية عام 1973 بواسطة طلاب الجامعة وأهالى العمال إبان التجمع الاحتجاجى الذى تم حشده حول محكمة المنشية فى ديسمبر 1974 وانتهى بتظاهرة بدأت بعد انفضاض الجلسة الأولى للمحاكمة واخترقت محطة الرمل فحى الأزاريطة فالشاطبي حتى وصلت للمجمع الطلابى النظرى.

•خلاصة القول الرصد يحتاج خبراء عركتهم التجربة ، ولا يحتاج لرطانة وكلاموجيا ،
ونجاحنا فى ذلك يعنى انجازا فى معركة الحفاظ على ذاكرة الأمة التى إذا ما تبدد
تاريخنا منها لتبدد مستقبلنا الذى صار على المحك.
،،،،،،
خامسا :هل يمكن للوسائل الإصلاحية الحفاظ على
صواب المبادئ الراديكالية..؟

ألمّت بجلسات الحوار بين ممثلى حزب العمال وعدد من الفصائل السياسية اليسارية التى استهدفت وحدة الحركة الشيوعية عددٌ من الأفكار الخاطئة كان من أبرزها نظرية النمو الذاتى.



ورغم إنكار معظم المتحاورين لتبنى تلك النظرية .. إلا أن حواراتهم التى شاركوا فيها بغرض الوحدة كانت تبرز ما ندعيه.. وخصوصا فيما يتعلق بممثلى حزب العمال الذين تعاملوا فى هذا الأمرباعتبار حزبهم هو الحزب الأساسي فى الساحة ..( استنادا للحظوة التى اكتسبها منذ بداية ظهوره من لبنات خط سياسي متماسك ، وتحديدات دقيقة لطبيعة السلطة القائمة ، والثورة القادمة ) .. وما على بقية الفصائل المتحاورة - على اختلافها – إلا حلّ نفسها والدخول إلى حزب العمال فرادى.

وكما قلنا فإن ذلك المُعتقَد لم يكن قاصرا على حزب العمال بل تبنته فصائل أخرى وإن لم تجهر به فى الساحة السياسية كما فعل العمال.. رغم أن لسان حالهم يكاد ينطق بذلك.

وبالإشارة إلى أن أى حوار عن الوحدة من الواجب ألا يقتصر على جلسات الحوار وتبادل الآراء بشأن أسس الالتقاء السياسي / التنظيمى فحسب بل يقترن أو يتوازى بحوار مشابه بين القادة الجماهيريين والمناضلين الجماهيريين فى المواقع الكفاحية المتناثرة فى الفضاء السياسي.

وهو ما غاب عن ذهن كبار المتحاورين فى كل المحاولات التوحيدية التى جرت من قبل ارتكانا إلى معتقدهم الخاص بالنمو الذاتى الذى يخفونه خلف ظهورهم أو تحت جلابيبهم .. ولا يشهرونه إلا قبل خطوة من لحظة الحسم.. ليرتد بعدها الحوار لبداياته .

هذا وقد عثرنا فى بعض أضابيرارشيف الحزب – فى ملف هبة يناير – على بعض الأوراق والمقالات التى تشير إلى أن الحوارات المشار إليها لم تتقدم فى مسارها بل توقفت عند الحدود القديمة التى عادة ما تتوقف عندها. ومنها مطالبات باعتبار حزب العمل- وليس العمال- خارج دائرة الحلف المالك والأعداء الطبقيين..

وبالرغم من إبرام الوحدة بين حزب العمال وفصائل ( 8 يناير ، والمطرقة ، والمؤتمر ). فقد انتهى الأمر إلى انفراط مذهل فى سرعته ؛ وتسريح للغالبية العظمى من أعضائه وكوادره، وهو ما يتنافى – على أقل تقدير – مع السرعة التى جرت بها إجراءات التوحيد ؛ ولا يتسق مع الضجيج الاحتفالى الذى واكب الإعلان عن إتمام الوحدة ، وأشار ذلك بثقة إلى وجود سبب خفى لتلك العجلة ومن ثم لذلك الانفراط ؛ ولا يخرج عن وجود عوامل ضاغطة تدفع فى اتجاه

إبرام الوحدة .. هى الأزمة التى تمسك بخناق جميع الفصائل المتحاورة الشارعة فى الوحدة .بل وأن تلك الأزمة بلغت من الوطأة والثقل الدرجة التى تتجاوز ما أبرمته من وحدة متعجلة.
هذا ولقد أبرزت قرارات مؤتمر حزب العمال الموحد المنعقد عام 1993 حقوق الأقلية الحزبية ، ومشروع بيان مشترك يمهد لوحدة مزمعة بين حزب العمال والحزب الشيوعى المصرى وبيان آخر يعرقل موضوعيا تلك الوحدة المتعجلة ، ويضع اعتبارات جديدة تبطئ الخطى نحو الوحدة .

علاوة على مسودة بيان بخط اليد باسم الفلاحين الديمقراطيين أعتقد أنه أحد تجليات الحوار مع الحزب الشيوعى المصرى لأنه يتجاهل وجود 4 كوادر فلاحية داخل الحزب خرج منهم اثنان وتبقى اثنان .. إلا أن مسودة البيان المذكور تمثل محاولة للارتباط بموقع فلاحى معروف رغم كثير من التحفظات من جانب حزب العمال - بشكل تاريخى- على ممثليه المعروفين والذين استهدفهم الحوار- و كانوا أعضاء فى الشيوعى المصرى .

ومن تلك الوسائل الإصلاحية التى أُعلن عنها أن الوحدة التى تمت عام 1993 " تنتصر لفكرة الحزب على فكرة الحلقة " متناسية أن الانتصار يتطلب التخلص الفعلى من كل العراقيل الفكرية والحواجز المادية ( السياسية) التى تقف فى طريق الوحدة ..وعدم تجاهلها.

وبينما يتم تجاهل لائحة الحزب بين عامىْ 1975 و1993 يقفز أمامنا إذ فجأة تمسُّك مفاجئ يدعى الالتزام بها – أي باللائحة - التى طُبقت فى انتخاب أعضاء المؤتمر ليكون عدد الأعضاء المنتخبين ليس ضعف عدد أعضاء اللجنة المركزية فحسب بل يتجاوز الحدود اللائحية ليبلغ نسبة ( 4 : 1) هذا وقد نالت اللائحة الحزبية نصيبا ملموسا من التعديلات منها:

•الحفاظ على حقوق الأقلية الحزبية.. التى تجرى الإشارة إليها للمرة الأولى.

• إتاحة جواز إطلاع رفاق من خارج الحزب على بعض المواد الداخلية فى الجريدة الجماهيرية ولسان الحال ونشرة الصراع بل والإسهام فى الحوار الدائر.


•التأكيد على أن المؤتمر ضم كوادر الحركة الاشتراكية الراديكالية المصرية فى موجتها الثالثة، وأنه رغم محدودية مغزاه إلا أنه كان تأكيدا على أن إرادة القتال التى لم تنكسر.

• وكذا إبراز أن الكادر الحزبى قد جدد التعاقد على النضال الشيوعى .

علما بأن " المرونة " أو المطاطية المفاجئة لبنود اللائحة كما اتضحت فى التعديلات أعلاه - لم تحدث استجابة إلى تجربة حزبية سابقة أو بسبب إشكالية برزت نتيجة صراع حزبى محتدم .. وإنما تجلّت - كعربون مدفوع مقدما أو ثمن - لتلافى الأزمة القائمة. ومن ثم لا تعد فى نظرنا أكثر من ميل يمينى يفاقم عوامل التدهور التى رسخها انقلاب 9/5/75 .. وأصرت اللجنة المركزية على التعمية عليها والإيهام بعكسها.

لقد كان ذلك الانفتاح الواسع والغير مسبوق رد فعل لأبعاد الأزمة الممسكة بخناق الفصائل المتوحدة وعلى رأسها حزب العمال.

بل وكانت برهانا لا يقبل الشك على أن الأدوات والوسائل الإصلاحية لا تُنجى من الانهيار فى ظل أزمة مستحكمة، ولا تحافظ على صواب وديمومة المبادئ الراديكالية.. إذا لم تتوفر لها
الشروط المناسبة.

،،،،،،،،،،،

سادسا :حيث النضال السياسي.. ليس.. رطانة و" كلاموجيا "
مشهد موازى مما قبل الانخراط فى الحزب
وآخر فى بداية الإنخراط

يحضرنى الآن خاطر يتعلق بصلتى بقرية كمشيش مند أمد بعيد، بعد عام من نكسة يونيو 1967، وبعد مرور عام ونصف من نقلى إلى مدينة الإسكندرية – أخصائيا للتغذية- بأحد المدن السكنية الطلابية هناك.
وللمرة الأولى منذ ذلك التعيين أصطدم ليس بإدارة المؤسسة الحكومية التى أعمل بها فحسب.. بل باثنين من ضباط مكتب المشير عبد الحكيم عامر.. الرجل الثانى فى الدولة.

كان الصدام فى حى المنتزة – حيث كان مقر عملى وإقامتى- القريب من بلاج المعمورة الذى يقضى فيه المشير جزءا من إجازاته السنوية.. محاطا بعدد من حرسه ورجاله وموظفيه.

صحيح لم يكن موضوع الصدام سياسيا صرفا بل كان موضوعا تافها يتعلق بتجاوز اثنين من ضباط المكتب فى محاولة استيلاء مؤقت على مقر سكنى الإداى التابع لعملى بالمدينة السكنية للطلاب بالمنتزة.. وهو ما استتبع مطالبتى بإخلائه لمدة 3 شهور فقط .. والعودة إليه لاحقا.

المهم أنى- فى البداية - لم استجب لذلك الطلب أو لذلك الأمر- ورفضت إخلاء المسكن وقضاء إجازة مدفوعة الأجر- فى مدينتى ( شبين الكوم ) لمدة 3 شهور .. لا لشئ إلا لأنه يحمل رائحة الاستبداد.
ولذا قام ضباط مكتب المشيربتصعيد الموضوع لقسم شرطة المندرة الذى تقع فى دائرته المدينة السكنية للطلاب ( ).

وهناك وعلى يد مأمور القسم العقيد نشأت البياضى – وهو صعيدى الجذورمن قنا- تم حل الموضوع بعد مناقشة هادئة أقر فيها المأمور بتعاطفه معى وبصواب موقفى وقانونيته .. لكن الصدام الذى كان وشيكا لم يكن هو الأسلوب المناسب للحل فيما يتعلق باستمرار وجودى موظفا فى هذا المكان.. وبالعمل.

هذا وكنت -بعدها - فى أواخرعام 67 قد تعرفت على الرفاق المناضلين فى قرية كمشيش فلاحين ومثقفين و بمرور الأيام صار لى بالقرية تواجدٌ عمليٌ وكفاحيٌ . حيث وجدتُ فيها ضالتى التى كنت أبحث عنها طيلة السنوات السابقة والتى يبحث عنها أى شاب مثلى فى مقتبل العمر.. شئ جاد يرتبط من خلاله.. بوطنه.

وفى القرية تعلمت عمليا كثيرا من قواعد الحق والاشتراكية والنضال الفلاحى وعلاقته بالمستقبل وبالشروع فى بنائه.

ومنذ انتقالى للإسكندرية فى يونيو 1966 وحتى فبراير 1968 يوم تفجر مظاهرات طلاب الجامعة ضد أحكام قادة سلاح الطيران.. قضيت هذه المدة بين العمل فى المدينة السكنية والتردد على قرية كمشيش وعلى مدينتى شبين الكوم حيث توجد أسرتى المكونة من تسعة أفراد معظمهم فى مراحل التعليم.

بعدها نقلتُ إلى مدينة سمنود / غربية لمدة عام وفى إبريل 1969 نقلتُ إلى مدينة شبين الكوم .
كانت فترة وجودى بالإسكندرية مسرحا للصراع ضد إدارة المدينة السكنية بشأن بعض أوضاع الفساد القائمة ، وضد ضباط مكتب المشير التى ظلت قصتها متداولة بين العاملين بالمدينة والطلاب وإدارة رعاية الشباب بالقاهرة حتى غادرت الإسكندرية.

وبانتقالى لشبين الكوم اندلع صراع آخر بعد شهر واحد من وصولى مع رئيس المؤسسة التعليمية التى نُقلتُ إليها وذلك لرفضى المشاركة فى التواطؤ على عمليات الغش الجماعى التى كانت منتشرة آنذاك وتحديدا فى مؤسسات الأزهر التعليمية، والتى انتهت بتنفيذ رغبتى وانصياع إدارة المؤسسة التعليمية لذلك. علاوة على صدام أخر يتعلق بالفساد الذى يكتنف عملية اختبارات قبول التلاميذ فى سلك التعليم بالأزهر.. من خلال ممارسات غير قانونية.

موقف أخر بعد الانخراط فى الحزب :

فى منتصف يونيو 1971 تم طردى مع قادة قرية كمشيش ونقلى إلى محافظة أسيوط بالقرار 1065 لسنة من نائب الحاكم العسكرى1971 وحظر إقامتى بمحافظتىْ المنوفية وكفر الشيخ بالمخالفة للدستور.

وفى 5 سبتمبر 1971 حضر أحد المحققين موفدا من الإدارة العامة للمعاهد الأزهرية بالقاهرة ومكلفا بالتحقيق معى فى ( ادعاء ) اتهام يتعلق بالحديث فى الأمور السياسية مع الطلاب الذين اقوم بتعليمهم. وقد انتهى التحقيق وشهادة الشهود بفضح ادعاء وزارة الداخلية التى كان ممدوح سالم يتولاها آنذاك- ورغم ذلك تم نقلى بعيدا عن جامعة أسيوط إلى مدينة جرجا . المهم لم يسفر التحقيق المشار إليه عن إدانتى بالاتهام حيث شهد معى عميد المؤسسة التى أعمل بها وخمسة من وكلائه والمعلم الأول لمادتى الكيمياء والأحياء إضافة إلى عشرين طالبا ممن اقوم بالتدريس لهم ، وهو ما دفع وزير الداخلية للتهديد باتخاذ أجراء صارم ضد عميد المؤسسة أبلغه لوكيل الوزارة المختص لإصراره على رفض تنفيذ قرار نقلى إلى مدينة جرجا بمحافظة سوهاج؛ وقد تلخص المطلوب فى:

•إبعادى عن عملية التدريس ونقلى للمكتبة.
•إبعادى من مدينة أسيوط إلى مدينة جرجا أمينا لمكتبة معهدها الأزهرى.. بعيدا عن الجامعة.. والمدينة.

وفى جرجا جرت مماحكات عدة مع بعض أفراد جهاز أمن الدولة انتهت بشكوى للنيابة العامة ضدهم .. وانتهى الأمر فى جرجا بفصلى من العمل فى نهاية عام 1974 . وبذلك صرت مبعدا عن 4 محافظات ، ومبعدا عن عملى مرة ومفصولا فى نهاية المطاف منه قبيل انتهاء العام 1974 ، ومحتجزا بسجن أسيوط على ذمة قضية تم حفظها فيما بعد تتعلق باتهامى بالمشاركة فى أحداث الحركة الطلابية بأسيوط عام 1973 .

وموقف آخر ملحق بالإبعاد :

فى لجنة تصحيح مادة الأحياء بشهادة الثانوية العامة فى يونية 1971 بمقر الإدارة العامة للمعاهد التعليمية بالأزهر الكائنة بشارع بورسعيد بالقاهرة بجوارمستشفى أحمد ماهر فوجئ مصححو إحدى حجرات مادة الأحياء باقتحام الحجرة من جانب حوالى اثنى عشرة رجلا من العاملين بالإدارة التعليمية على رأسهم وكيل الوزارة الشيخ عبد العزيز عيسى .. الذى قال بصوت عال : فين بشير صقر.

فرددت : أنا .
فقال: إنته ليه يا استاذ ما نفذتش نقلك لمعهد أسيوط..؟

وأجبت: لأنى موظف فى معهد شبين الكوم ، ولسه منقول إليه من سنتين .. فإيه إللى حينقلنى أسيوط..؟ وأناكنت فى المعهد من اسبوع ما حدش بلغنى بنقلى.
فرد : انته انتقلت لأسيوط؟ هيا قوم علشان تسافر.

فقلت له: مين قال الكلام دا..؟

فأجاب: أنا اللي ببلغك بنقلك؟
فسألته:أنا لم أطلب نقلى لأسيوط ..وأنا طلبت نقلى من سنتين لشبين الكوم .. ونُقلت لها فعلا ..فما هوسبب النقل..الجديد والذى لم أطلبه؟

فرد قائلا: روح اسأل وزارة الداخلية.
فقلت له : يا مولانا .. أنا موظف فى الأزهر ولست فى الداخلية.. يبقى اللى ينقلنى الأزهر مش الداخلية .. مش كده ولا لحضرتك رأى تانى.. ؟

فقال: يلا قوم .. وأشار لأحد مساعيه باستخراج تذكرة سفر لى بالديزل من القاهرة لأسيوط.
فرددت عليه: لن أغادر هذا المكان إلا لما انتهى من التصحيح.

فقال: ونحن مستغنيين عن دورك فى التصحيح.
فرددت: وأنا متمسك بحقى فى التصحيح.. ولن أسافر إلا بعد غد واعملوا حسابكم على كده.
فى اليوم التالى كان التصحيح قد انتهى ، لذا لم أحضر إلا فى العاشرة صباحا وذهبت لمكتب
وكيل الوزارة للحصول على استمارة السسفر وفى اليوم الثالث سافرت لأسيوط.

كان القطارقد وصل أسيوط فى الساعة 12,30ظهرا ووصلت المعهد خلال عشر دقائق وهناك تسلمت العمل رسميا .. وسألت من سلمنى العمل : ماذا أفعل الآن..؟
فأجابنى: أنت معلم.. غادرالآن واحضر لنا فى بداية العام الدراسي القادم.

عدت للقاهرة فى نفس اليوم.. وفى يوم السبت 25 سبتمبر 1971 أول أيام العام الدراسي الجديد كنت فى معهد أسيوط الدينى وفى معمل العلوم تسلمت جدولى ( فى الصفوف التالية: اولى إعدادى، أولى ثانوى . رابعة ثانوى. )
سألت أكبر الموجودين فى المعمل سنا ( الأستاذ صلاح دويدار أمين المعمل) أريد أن أصرف مرتبي عن شهرى يوليو وأغسطس1971 .

فاصطحبنى لصراف المعهد وهناك طلبت منه مرتب الشهرين ، فرد قائلآ: لقد تغيبت 68 يوما وتم خصم أجرها من مرتبك وليس لك عندى من مرتب الشهرين سوى34 قرشا . فقلت له : لآ والله فيكم الخير.

وهنا انفعل الأستاذ صلاح دويدار وقال له : الرجل مدرس ، ويعيش فى الوجه البحري، وكل زملائه المدرسون متغيبون فى الإجازة الصيفية وصرفوا مرتباتهم.. فلماذا هو من يتضرر بمفرده..؟
انتشر الخبر فى المعهد حتى وصل للطلبة ، وفى أحد الأيام دخلت فصل 4/3 ثانوى لتأدية حصة أحياء.. وأثناء كتابتى عنوان الدرس على السبورة لمحت أحد الطلاب يقوم من مكانه متوجها نحو باب الفصل ليقوم بإحكام إغلاقه لأنه كان مواربا ، ولما عاد لمكانه قال لى : اليوم يا أستاذ مفيش أحياء إلا لما نسمع قصتك.

فتساءلت بصوت حازم : يعنى إيه بالضبط..؟ فرد علىّ قائلا: يعنى مش حنبدأ الحصة إلا لما تحكيلنا عن سبب نقلك من بلدكم المنوفية لهنا ، وليه خصمولك مرتب شهرين فى الإجازة وقبضوك 34 قرشا..؟

فقلت للطلاب الذين بدا علي بعضهم الاستنفار وعلى البعض الاخر الاستغراب وعليهم جميعا الرغبة فى الاستماع لى: أنا كموظف فى هذا المكان أتقاضى راتبى نظير ادائى مهمة تدريس مادة العلوم والكيمياء والأحياء.. وبالتالى فكل دقيقة أبددها فى غير تلك المهمة يُعتبر أجرُها ليس من حقى. وأعدكم أن اتحدث خارج المعهد فى هذا الشأن معكم أن كنتم مصرين على معرفته لكن ليس فى المعهد ولا فى الفصل.

فقام الطلاب الجميعا بتنكيس رءوسهم على أدراج مقاعدهم وإغماض عيونهم تأكيدا لموقفهم..؟ انتظرت حوالى نصف دقيقة صامتا – بينما هم رافضون اقتراحى- ولحظتها قلت: عشردقائق لاتزيد احدثكم فى الأمر. فاعتدلوا جميعا وقالوا نوافق على ذلك.
عرضت عليهم الأمر باختصار عن مناقشة مشاكل الجمعيات الزراعية فى ندوات جماهيرية ، وإقامة ندوات أخرى للتوعية بالقضية الفلسطينية من خلال مثقفين فلسطينيين ، وإقامة مراكز للخدمة العامة فى بعض المدارس أثناء العطلة الصيفية تدار فيها دورات ومسابقات رياضية ، ومقاومة لآفات القطن والمحاصيل الزراعية ، دروس لتقوية التلاميذ فى الشهادات ( الابتدائبة والإعدادية) ، والتوعية بالقضايا السياسية كالديمقراطية والحرية وحقوق السكان كالتعليم والصحة والثقافة والرياضة وغيرها.. من خلال المحاضرات ومجلات الحائط..إلخ.

واكتشفنا أن ذلك لا يعجب بعض المتنفذين والمسئولين فى مناطقنا وخصوصا عندما كانت الانتخابات تخرج نتيجتها على غير هوى اغلبية الناخبين أو يتم تزويرها. لذا لم يجدوا وسيلة لإيقافنا سوى نقلنا من المحافظات التى نعيش فيها إلى محافظات نائية بالنسبة لنا .. وكل هذه التصرفات التى تستهدفنا يعارضها الدستور وبعض القوانين .. لذا لم يلجأوا لمحاكمتنا لأنهم يعرفون أن الحق فى جانبنا وستسفر أية محاكمة لنا عن براءتنا.

وانتهيت من حديثى فى حوالى سبع دقائق وساعتها بادرتنى تعليقات الطلاب بالعبارات التالية: ما فيش فيما عرضته علينا شئ يعيبك ، كل ما قلته من حق أى إنسان ان يقوم به، نحن معك فى أي مكان تريده وسنناصرك ، نحن معك و لو أردتنا بالبنادق فنحن مستعدون.

وساعتها قلت لهم أنا أعرف مقدما أن فى كل محافظات مصر أناس مثلكم يناصرون الحق ويدعمون المظلوم وبالتالى لا ضرورة للبنادق ولا للسلاح ، وأنا أستطيع أن آخذ حقى إن لم يكن اليوم فسيكون فيما بعد .. وبالمناسبة أنا رفعت قضية ضد قرار الإبعاد من محافظتى وقضية تعويض بالأضرار التى لحقتنى ..وأنا أرجح أن الحكم سيكون لصالحى.(1)
(1)صدر الحكم فى قضية الإبعاد من موطنى الأصلى ( المنوفية) ، وقضية التعويض بسبب ما لحق بى من أضرار- من محكمة القضاء بالقاهرة- فى منتصف عام 1975 .
،،،،،،،،،،،،







سابعا :عن الإنضباط فى صلته بالعمل التحتى والكفاح الجماهيرى
والخصال المرتبطة بكل منهما .. وانعكاس ذلك على الأوضاع الحزبية
،،،،،،،
يقول أحد مفكرى الماركسية الكبار ( كارل كاوتسكى) عن الفوارق والتمييز بين انضباط العامل فى مصنعه ، وانضباط المثقف ما معناه :

ينتظم العامل فى المصنع باعتباره يقوم بجزء من أجزاء عملية الإنتاج – شأنه شأن بقية زملائه، ومن ثم يجد كينونته ( ذاته) فى عملية الارتباط بزملائه المشتركين معه فى العمل .. وفى مساهمته فى العملية الإنتاجية ككل .. ولا يجدها خارج ذلك الإطار.

أىْ يُدرِك وجودَه من ناحية مع العمال ، ومن ناحية أخرى فى عملية الإنتاج .. بما يعنيه ذلك من مشاركة فى تطوير الحياة من ناحية وفى الحصول على احتياجات المعيشة من ناحية ثانية.. وفى التآزر مع أقرانه من ناحية ثالثة.

بينما المثقف لا يجد ذاته إلا فى صراعه مع أنداده المثقفين وفى الانتصارعليهم وهزيمة منطقهم وحججهم .. وليس فى التواؤم معهم.

كذلك فالحوارات والخلافات السياسية والفكرية والثقافية عادة ما تكون أرضا لذلك الصراع خصوصا وأن التطورَ لا ينجم إلا عن الصراع ، والصراعُ وليدُ التباين والاختلاف بين الآراء والتقديرات.. وهو معطى أساسي فى ظهور قوانين الجدل التى تحكم كل متغيرات الحياة السياسية والطبيعية .ومن هنا فوجود المثقف وتحققه وتجليه يستند على تميزه أو تفوقه على أقرانه وعلى صراعه معهم ومن ثم على انتصار وجهة نظره على وجهات نظرهم ، ومن هنا بات انضباطه أقل من العامل أو مختلفا عنه ؛ والعامل الذى لا يجد ذاته إلا فى صلته برفاقه العمال من ناحية .. وبعملية الإنتاج من ناحية أخرى . تلك العملية التى يتولى القيام بجزء منها متمم للأجزاء التى يقوم بها زملاؤه.

العامل يجد نفسه فى تكامله مع أقرانه ووحدته معهم ، بينما المثقف لا يجد نفسه إلا فى مواجهة أقرانه والانتصار عليهم وعلى وجهات نظرهم ..

هذا هو الأساس المادى لقصة الانضباط فى صفوف العمال والمثقفين.
ومن زاوية أخرى هناك خصال يتطلبها العمل التحتى ( السرى) مغايرة للخصال التى يحتاجها العمل العلنى ( الجماهيرى).

وإذا ما حاولنا التوصل لتعريف مبسط وواضح للعمل التحتى ( السرى) ولمفرداته فلن تخرج عن مفردتين .. هما " إجادة التخفى، وإجادة الإخفاء ".

و" إجادة التخفى" – الذاتى - تعنى الإبتعاد عن التواجد أو التردد على مناطق الازدحام ومراكز التجمعات والأسواق والمنتديات والميادين الكبرى ومواقع ومقار عمل ومعيشة ممثلى السلطة
القائمة وحرسها ورموزها.

أما " إجادة الإخفاء" فتعنى إبعاد كل ما يقوم به المناضل السرى من مهام وأدوار وأعمال وتكليفات عن عيون من يعرفونه - أولا - ومن لا يعرفونه ، والقيام بالموكل له من أعمال بعيدا عن الضوء ، وإخفاء دوره أو ما يشير له عن الآخرين .. بل وعن كثير من الرفاق.

وفى هذا الصدد هناك خصال وميول شخصية تتعارض مع العمل التحتى ( السرى) مثل : حب الظهور، والتواجد فى مناطق الأضواء ، وأمام الكاميرات، وعلى منصات الاحتفالات ومخاطبة الجماهير .

وعلى العكس من ذلك تكون الخصال المعاكسة هى الأقرب للمناضل الجماهيرى.
لذلك نؤكد أن شخصية المناضل التحتى تختلف - فى التربية والتأسيس تماما عن شخصية المناضل الجماهيرى. كما تتعارضان فى بعض من خصالهما وميولهما.

ونوضح أن الانضباط مطلوب من كلا المناضليْن، لكن تباين طبيعة المهام التحتية والجماهيرية واختلاف شروطهما ومتطلباتهما وكيفية أدائهما هى التى تضفى على كل منهما الالتزامات الخاصة بكل منهما ومن ثم الشكل الذى يتخذه الاستعداد لذلك.

وهنا نعود إلى بدايات تشكيل الحزب الذى كانت لبناته الأولى متمثلة فى ثلاث حلقات ، الأولى هى حلقة " خميس والبقرى " التى لم يكن لها دور نضالى عملى بعيدا عن دوائر المثقفين ( الأدباء [ شعراء وقصاصين وروائيين) والكتاب والنقاد والصحفيين] ، وليس لها خبرات عملية ، والثانية هى حلقة المنيل والروضة بمسئولية جلال الجميعى التى كانت مكونة من عدد من الطلاب وخريجى الجامعة وكانت تنشط فى أحياء الروضة والمنيل ومصر القديمة وضمت عددا محدودا من العمال وكانت الحلقة تقوم بنشاط جماهيرى وتشارك فى الانتخابات، أما الحلقة الثالثة التى كانت مخترقة من أحد الأجهزة الأمنية ولم نعرف إن كان اختراقها قد تم قبل تجنيد العناصر المخترقة أم حدث ذلك بعد التجنيد نظرا لضعف اعضائها . علما بأن ما تبقى من أعضائها بعد الضربة لم يكونوا قادرين على التفريق بين العمل السياسي والعمل النقابى ولا يميز الكثير منهم بين النقابة والحزب.

ونشير إلى أن هذه الحلقة التأسيسية ( خميس والبقرى) هى من ضمت قوام أول انشقاق فى الحزب عام 1971( وأطلق عليه تعبير الكرنفال)، وتسببت فى ضربة 1979 الأمنية ، ومن شاركت فى الحوار مع حلقة شرق الإسكندرية المخترقة ، وساهمت فى الدورة التثقيفية للكادرفى يونية 1973 إبان الضربة الأمنية.

كما ساهمت من خلال أبرز أعضائها فى انقلاب 9/5/ 75، وإصدار تقريرالانقلاب، وأوهمت أعضاء الحزب بانتشار انحراف تلقائى يكتنف الحزب ويشكل خطرا داهما على استمراره وتحققه. هذا وقد وتسببت الحلقة فى إصابة الحزب بانحراف ( بيروقراطى عزلوى تصفوى ) بغرض تجنب إجراء التحقيق فى ضربة يونيو 1973 الأمنية، وأشرفت على تسريح الحزب، وخلقت حالة حربية فى صفوف الحركة اليسارية المصرية ضد رفاق الحلقة الثانية من الحركة الاشتراكية .. وتهكمت وسخرت وتعالت عليها كما حدث فى الرد على كتاب ( ط.ث.شاكر) على غير ما كان يتوجب اتباعه من سلوك تربوى مفترض .. خليق بشيوعيين بنائين شرفاء ، وليس برجوازيين صغار يقودهم الغرور وتوجههم الصلافة.

،،،،،،،،،،،،،
ثامنا : لمَ واصلنا الانخراط فى أحداث المجتمع .. ولمْ ننعزل عنها..؟
ولِمَ اختلط الأمرعلى بعض رفاقنا القدامى ولم يتحسسسوا مواطئ أقدامهم..؟
،،،،،،
تقف الأسباب التالية منفردة أو مجتمعة وراء اختلاف تصورالبعض عما رأيناه عند التعرض لمسيرة أحد فصائل الحركة الاشتراكية المصرية الراديكالية فى موجتها الثالثة ( ح . ع . ش . م ) وبالتالى عدم تفهم مقصدنا منه :

1-لأننا فى دولة المدينة الواحدة ( القاهرة) منذ زمن بعيد ، فلا مدينة سواها ولا حركة ولا نشاط ولاثورة إلا فى هذه المدينة. أما بقية المدن والأنشطة والاحتجاجات - فرغم أهميتها - تقف فى الظل ولا يزيد اعتبارُها عن كونِها مجرد " كومبارس " فى المسرحية الاجتماعية التى نحياها.

وربما تحكمناتلك العقلية منذ العاصمة " منف "3100 ق.م ، و" طيبة "1550 ق.م.. وبعدهما القاهرة فى القرن الثامن بعد الميلاد.

2- ولأن قوة العادة هى العامل الفاعل الأقوى فى النشاط الاجتماعى فى مصر، حيث لا خطة للنمو أو للتنمية ، ولا قواعد حاكمة سارية، ولا مدرسة موحدة منتظمة ، ولا احترام لمجمل النواميس المُقّرة فى المجتمع . فقد اعتاد الناس على الخضوع لتلك القوة المعنوية- ذات التأثيرات المادية
الطاغية - التى تلى العوامل الوراثية فى المرتبة والفعالية والتأثير.. بل والخنوع أمام السائد والمُرَوَّج وعالى الضجيج .. من أفكار وخزعبلات.

أما إعمال الذهن فالشائع أنه شئ صعب .. لم يعتد عليه الناس؛ و" ثقيل الظل والوطأة " ، ويشكل عبئا على النفس ، لذا – ففى نظر البعض- لا جدوى من السعى وراءه واستخدامه حتى ولو كان ذلك فى سياق البحث عن الحقيقة .

3-لقد فقد الكثيرون منا القدرة على القراءة بمعناها الواسع الذى يتجاوز الاطلاع على الأبجديات وعلى كثير من المكتوب بها.

وتوضيحا لذلك: فقدنا تحديد هدف ما نقرأه ، وتحديد البراهين والأدلة الرامية إليه، وتحديد الوسائل والأدوات والطريق الموصلة له، ومن ثم افتقدنا الحكمَ الصائب - من خلال هذه الأمور الثلاثة - على ما تجرى قراءته. خصوصا وأننا استبدلنا هذه الأمور بما اعتدْنا عليه وبما روّجته القوى

السائدة أو المتنفذة فى المجتمع.

4-وهنا نشير إلى أن الصلة التفاعلية الدائمة مع حراك المجتمع وما يدور فيه وحوله من أحداث هى العنصر الذى يُبْقى على العلاقة بيننا وبين التاريخ .. ويحافظ على الذاكرة بالذات إذا ما تم ذلك دون انقطاعات طويلة ؛ تلك الانقطاعات التى تمثلُ محدوديتُها شرطا للتواصل ومن ثم التفاعل.

لذلك فالكثيرمنا.. إذا ما داهمتهم أحداث كبرى تبعدهم عن مجرى التاريخ وعن متابعة الأحداث - وليس الاستماع إليها والاكتفاء بمعرفة ما انتهت إليه فحسب - لا يكون أمامهم سوى استخدام ذاكرتهم وأفكارهم القديمة وما تبقى من قيمهم – التى انعزلت بهم عما هو جديد - فى الحكم على الأشياء

والأحداث الجارية.

وتمثل مصادرة الحريات وتكاثر العراقيل - التى تتصاعد وتتكلّسُ- كلما مرّ الزمن وتوالت الأيام - عاملا مساعدا فعالا فى مفاقمة العزلة وإفقاد البشر ذاكرتهم التى فى مقدمتها حتمية الانخراط فى أحداث المجتمع.

وهو ما يقطع بأن حاسة الانخراط العملى الدائم فيها سقطت منهم .ففى الانقطاع الزمنى العملى عن الأحداث تكمن آفة العزلة.. وتتشكل مقدمات مرض زهايمر المجتمع .

ولذلك ندعوا الرفاق حفاظا على ذاكرتنا ومتطلباتها أن يحرِصُوا على ألا ينعزلوا عن الأحداث الراهنة حتى لا يعانوا من مؤثرات فقد الذاكرة أو ضعفها.. ومن ثم الإحساس بأن الزمن قد تجاوزهم.. فيتركوا الملعب واسعا فسيحا أمام القوى السائدة ترتع فيه كما تشاء وتحكم قبضتها على ذاكرة

الأمة وتُحْدِثَ فيها من الانقطاعات ما هو كفيل بدوام السيطرة عليها كيفما تشاء وعلى امتداد الزمن الذى تريده.

لقد تنبهت أجهزة أمن الطبقات السائدة فى المجتمع المصرى- على مدى تاريخها- لهذه الخاصية التى لازمت الحركة الاشتراكية المصرية فى موجاتها المتتالية مع بقية الأنشطة الاجتماعية المتنوعة ؛ وحرصت على دوامها واستمرارها واستقرارها ودأبت على خلق كل المقدمات والإجراءات

واتخذت من التدابير ما يحافظ على توالد مقومات تلك الخاصية والحيلولة دون توقفها.. وهى منع تواصل واستمرار الحركة والنشاط ووقف انقطاعهما أو تضييق المسافة بين انقطاعاتها وذلك سعيا لتكريس العزلة وتبديد ذاكرة الأمة وتفتيت تدفق واندفاع الحركة الشعبية .لقد حدث ذلك عشوائيا

بفعل أوضاع المجتمع المصرى وطبائع التاريخ حيث فصل الزمن بين موجاتها الثلاث؛أولاها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بعد تأسيس أول حزب اشتراكى فى مصرعام 1921 وذلك من1924 وحتى منتصف الأربعينات، وثانيتها بعد الحرب العالمية الثانية منذ عام 1960 وحتى أواخر

الستينات .

وتستميت فى إطالة المدى بين موجتيها الثالثة والرابعة التى شهدت إجهاض انتفاضى 25 يناير2011 ، وثلاثين يونيو 2013. وتتضاعف تدابيرها بملاحقة الجمهوربمختلف الأزمات [ كالأمراض، والأسعار، والدروس الخصوصية، والبلطجة ، ومشاكل المرافق المتتابعة ( مياه ، كهرباء،

غاز، وسائل اتصالات ومواصلات) ، وإيجارات المساكن القديمة ، والمعاشات، وتدهور العملة الوطنية والطرد من الأراضى الزراعية، وخصخصة الشركات الصناعية والمعاش المبكر، والمشاكل المتواصلة والمتشعبة لنهر النيل ومياهه ، و الرسمية ، وحملات الإزالة للمواقع والمبانى

الأثرية ].. لكي يظل الجمهور منكفئا على البحث عن قوت يومه وعن توفير ساعات لعمل إضافى يحافظ به على حياته.

المحرر / بشير صقر
،،،،،،



#بشير_صقر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الردود والتعقيبات على موضوع حزب العمال ..الجزء الأول/ 3
- عن - المبتسرون - .. وأروى صالح.. ورؤية إبراهيم برسى
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر ( الحل ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ...


المزيد.....




- From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
- Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green ...
- How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
- Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian ...
- The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil ...
- كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
- جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
- عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
- Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
- مرة أخرى، بصدد الصراع بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب


المزيد.....

- الردود والتعقيبات على كتاب حزب العمال - الجزء الثالث/ 3 / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر (الحلق ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر(الحلقة ... / بشير صقر
- دراسة عن أحد فصائل الحركة الاشتراكية الراديكالية بمصر الموجة ... / بشير صقر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - بشير صقر - الردود والتعقيبات على موضوع حزب العمال - الجزء الثانى/3