أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - اعتراف وطن














المزيد.....

اعتراف وطن


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 16:04
المحور: الادب والفن
    


في البدء كان الارث، وكان البيت الكبير الذي تركه الاب ، وكان ما تبقى من الاخوة وابناء من رحلوا ومن هم من مكسرات الجناح بابناء ازواج يجعلهم باخلاق البلد غير مستحق الارث عن امهم لانهم مناسبين لاباء بكنية غير كنية الاب المورث الكبير - الذين جلسوا حول الطاولة يتنازعون الكلمات كما يتنازعون الذهب والفضة. لم يكن النزاع على الذكرى أو على صورة الأب المعلقة في صدر المجلس، بل على العقود والأختام، على نصيب كل واحد منهم، وعلى الحيلة التي تجعل أحدهم يخرج من الباب وفي جيبه أكثر مما خرج به الآخر. هكذا بدأ النهب: نهب الأقوال قبل نهب الأموال، نهب الثقة قبل نهب الأرض.

لم يكن البيت الكبير سوى بداية الحكاية، جدرانه المتداعية كانت تخفي أصواتًا متنافرة، كل واحد يرفع حجته كمن يرفع سلاحًا، وكل آخر يبتسم ابتسامة خفية وهو يقتطع نصيبًا أكبر من الميراث. الكلمات نفسها كانت تنهب قبل أن تُنهب الأموال، والدم الذي يفترض أن يوحّدهم صار حبرًا على عقود متنازع عليها. ومن تلك الشرارة الصغيرة انطلقت النار التي ستلتهم الحقول والطرقات والمدن.

الأرض التي كانت تحرث بالعرق وتُسقى بالدمع، تحولت إلى ساحة صراع، حيث القوة تكتب حدودًا جديدة، والفلاح المطرود يظل واقفا عند أطراف الحقل، يحدق في أشجار البلس والبرتقال والذرة التي لم تعد له ، واصبحت اقرب للارض البور . . المتحولة الى متصحر يتجهز للبناء ل . . لعمارات ومحلات تجارية قادمة، حيث الإسمنت يرتفع كجدار يقطع ذاكرته عن جذوره. لم يكن أحد يسمع صوته، لكنه كان يتردد في صمت المدينة القادمة، كأن الأرض نفسها تهمس بما سُلب منها.

وفي السوق، المحلات الصغيرة التي كانت تبيع الخبز والبهارات اختفت تحت جرافات ضخمة، وحلّت مكانها متاجر لامعة، ثم مولات تضيء الليل كأنها معابد جديدة. الداخلون إليها يظنون أنهم يملكون حرية الاختيار، لكنهم يخرجون مثقلين بالديون، فيما المال المنهوب يتطهر في خزائن البنوك، يتبدل اسمه من "مال مسروق" إلى "استثمار مشروع". خلف كل واجهة زجاجية كان هناك صوت خافت يهمس:
- هذا المكان كان لي، هذا الجدار كان يحميني، وهذه الأرض كانت رزقي.

تحرك الزمن . . سنة وراء سنة، عقد وراء عقود واقترب الزمن من عبور المائة عام ، لم يعد النهب مقتصرا على الإرث أو الأرض أو السوق، بل صار خزائن الدولة نفسها هي الغنيمة الكبرى. الوزارات تحولت إلى شركات، المدارس إلى مؤسسات خاصة، المستشفيات إلى مشاريع ربحية. الخصخصة لم تكن إصلاحًا، بل كانت إعادة إنتاج للنهب في صورة قانونية، أكثر أناقة، وأكثر قدرة على الإقناع. الموظف الذي كان يكتب في سجلات الدولة صار يبيع جهده بعقد مؤقت، والمواطن الذي كان يملك حقا صار يشتريه بثمن باهظ.

ونشأت المدن الحديثة ، أبراج زجاجية تلمع في النهار وتضيء في الليل، طرق واسعة، جسور معلقة، أسواق عمل مزدحمة. لكنها كانت مبنية على طبقات من السلب، على ميراث مغتصب، على أرض منهوبة، على خزائن منهكة. كل نافذة، كل حجر، كل مصعد، كان شاهدًا على قصة طويلة من النهب، قصة بدأت من بيت صغير وانتهت في مدينة كاملة.

بدا المشهد كله كأنه مسرح ضخم، الأبراج هي الديكور، المولات هي الخلفية، الخصخصة هي النص المكتوب، والناس ممثلون يؤدون أدوارهم في عرض لا ينتهي. أما المال، فهو البطل الخفي الذي يحرّك الأحداث، يتنقل من يد إلى يد، من خزينة إلى خزينة، لكنه يظل يحمل في داخله وصمة البداية
........... وطني
أرض المال المسروق



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ارتحال في غور دون قرار
- هروب للمذاق
- تفسخ في ارض معطوبة / مايو2022م
- تعبت فيك عشقا
- في تحدي المصائد / يوليو 2017م
- صدأ يعتلي الوطن. / مارس ٢٠٢٢م
- انسان آخر
- لن يطول بقاءكم / 9 ابريل 2016م
- حكاية وطن كان هنا صباح ٩ ابريل ٢٠ ...
- حكاية وطن كان هنا صباح ٩ ابريل ٢£ ...
- مصيدة الرقص اليومي. مارس ١٩٨٢
- أعتقد. . . لا يراك احد
- هروب من حروب وذاكرة
- رؤية تشكيل وزارة الخزانة ( اليمن)
- إلى ليل المدينة النائمة
- وجوه راكضة نحو وحدتي
- حسرة علي / نثر شعري - ١٧ مارس ٢٠ ...
- أنا النبي في اهله
- علاج ثقب عين من فضاء شاسع الفساد
- ترنيمة غريب في ليل المدينة


المزيد.....




- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - اعتراف وطن