أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - انسان آخر















المزيد.....

انسان آخر


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 15:58
المحور: الادب والفن
    


انـســـــان آخــــــــر






- أخيراً . . . حصلت عليك .

خرج من غرفته مبكرا على غير عادته ليبحث عن ثمن الشراب، عسى أن يِقرضه أحد أصدقائه أو معارفه بعض النقود .

عادة سيئة كان قد درج عليها ، رغم اقتناعه بضررها ، وما أن يأتي المساء حتى يكون أنسانا آخرا ، يبذل كل ما يمللك من حاجياته في سبيل الحصول على كاس من الخمرة .

فتح غطاء زجاجته وبدأ يصب الخمرة في كأس لم تزل عالقة به آثار من بقايا الأمس حتى امتلأ وفاض على جوانبه . أثناء ذلك لم يستطع التحكم بسيل لعابه الذي اختلط مع الشراب الموجود على الأرض بعد طفحه من حواف الكأس المستديرة .

- حياة قذرة ... لا أدر كيف جمعتني بك !!!...

المكان غرفة وأحده عبارة عن دكان موجود في حي قديم في الغرفة كانت ملابسة مبعثرة بين أكوام من المجلات والأوراق وبقايا الأكل والمعلبات ، وأما في الخارج فلم يكن يسمع سوي أصوات الصراصير التي تخلق ضجيجا في العمل يشبه أصواتها .

لحظة تمر يكون الكأس فارغا ، وبحركة مرتعشة يصبها لم الكأس الثانية ويدخل أثناها في شرود عميق . نظرات تتلون بين الحقد والتخاذل يتحلق بالزجاجة ذات العنق الطويل المنتصبة أمامه– كأنه يترجاها ألا تفقد محتوياتها حتى يغفو تماما .

يرفع الكأس الثانية ويفرغها في جوفه بجرعة واحدة - يلتفت نحو الباب الخشبي القديم ، الذي يغلق الدكان وقد احمرت عيناه .

- أف منكم يا أولاد الأنجاس .
. . ماذا تأكلون حتى تطفح المجاري هكذا .

بحركة آلية بطيئة غير متزنة تظهر سرعة تأثره – لم يعد يستطيع تحمل مفعول الكحول ، فأعصابه أصبحت متوترة ، والانهيار جعله يعتقد جازما أن كل شيء يحدث في هذا العالم يكون هو المقصود به .

- السعادة !!
. . ها ..ها ها . مقهقها وقد دار في خلده حديث ما



إنها لم تكن سوى مرآة سوداء تخدع النظر بالألوان الزاهية التي تلبسها نحن القابعون في الشوارع الترابية بال . . . إيجار !! . . .

بفتور يكوم بعض الملابس فوق بعضها ليصنع منها مسندا يتكئ عليه يرخي جسمه قليلا على الجدار ويركز نظره على الأرض المتسخة ، المتجمع عليها بعض فتات الخبز المتعفن .

- آآآ ه .

يمد يده ، يضغط على معدته كأنه يعذبها ، والتي لا تقو إلا أن تطلق صرخات الجوع النائحة عن طريق تقلص أمعائه ، حتى أن صدى الغرفة الجائعة وصرير حشرات الليل وعراك فئران جائعة تكتظ في أحشاء البالوعات المتفجرة على طول الشارع الطيني والممتدة على بعد متر ٍ من باب دكانه الحديدي مُصِيخة السمع لتنهدات هذا الإنسان المتوجع .

لا توجد وسيلة لإسكات هذه الأصوات المتظاهرة إلا بنبرة تهديد تنطلق من طرطقة أسنانه الصفراء .

ضوء الغرفة كان يضيق على حدقتي سالم ؛ إنها لم تعد قادرة على حمولة رمشيه الكثيفين , فعملتا على غلق عينيه العسليتين مرات عديدة .

قاوم – المرة الوحيدة التي يبدي فيها وقوفه لشيء في حياته – لا يهمه أن يأكل أو ما نوع هذا الأكل , فقد اعتاد تناول وجبة بسيطة في الظهيرة , وقد يجد أحداً يأتي إليه جالباً معه العشاء , أما غالبية الأحيان فكان ينام جائعاً .

راتبه لم يكن كاف ٍ لدفع إيجار الدكان , وتناول ثلاث وجبات في اليوم . غذاؤه المياه الحارقة التي اعتاد السكون إليها , وعدا ذلك ليس مهماً . . .

زفرة طويلة يطلقها , تحمل في طياتها أعواماً من البؤس واليأس, تتبعها تنهدات تمزق الأحشاء وتشعل الصدر لهيباً حارقاً . . .

- إرقصي . صحيح مات الغـ...ــناء
لـ...كني سأغني .
" ترا را را را ... "

غناء متقطع تداخلت نغماته بنبرة البكاء وهو ممسك بزجاجة السائل الكحولي مُلوِّحاً بها , تقع بعض القطرات على الأرض – ينحني .. يلعقها بلسانه المتفحمة التي أحرقها تعدد أنواع الكحول المركز الذي يتناوله كل يوم .

- أ .. لستُ مهذباً ..!!
مخاطباً زجاجته وهو مفتعلاً الاعتدال في جلسته

يضع الزجاجة بعد أن صبت بيده المرتعشة كأساً جديدة ويفرغه في جفه . سقط على ظهره – جسده كان مثقلاً – والمكان أصبح يدور بسرعات رهيبة وضجيج عال ٍ مصحوباً بصوت قوي عكسته جدران الغرفة العارية ذات ارتفاع الياردتين ونصف طولاً ومتر نصف عرضاً . .

- أماه آآآآه ... إِع ْ .. إِع ْ .... إِع ع ع ع ع ...
- آآآآآآه .. آآه .

معدته كانت فارغة – لم يأكل ولو كسرة صغيرة من الرغيف– لكنه دون الخمرة لا يقوى على الجلوس – فالحياة مملة ٌ . . قاتلة لـ. . ليس لها معنى – منذ أن سقط حراً من مغارة أمه وندم على فقدانه تلك النعمة بخروجه إلى هذا العالم البائس , وهو لا يتصور كيف يمكن البقاء دون المشهيات المائية التي تلون الحياة وتصنع الخيال الذي معه يتسامى الإنسان حتى وإن سكن مثل هذا الحي الوضيع !! . .

بركة القيء كانت تتسع لتخمر جزءاً كبيراً من أرضية الدكان؛ حدودها الصفراء اختلطت بالملابس وفتات الأكل المتبقي من الأيام الماضية المتعفن .

ابتسامة ساخرة للكأس الفارغ بجانبه , ما زال هناك سائلاً نارياً في جوف عشيقته المعنقة .

- ما زال متبقياً ربع الزجاجة .

قال بعد أن رفع الزجاجة إلى عينيه

نصف الكأس هذه المرة – فهو لا يريدها أن تفقد محتوياتها سريعاً . كان لون القيء مصفراً لا يحتوي على أي آثار طعام , كان أشبه باللحظات الأخيرة من انتحار الشمس . ينحني بصعوبة حتى تلامس شفتاه القيء المغطي أرضية الدكان , يُقبِّله . . يمسح وجهه كأنه يستمد البركات من .

لم يكن إخراجه يحمل أية رائحة كريهة في اعتقاده , بالعكس كان أنظف بكثير من تلك البالوعات المتفجرة من المترفين , الذين لاهم لهم سوى ملء كروشهم . . .

يتناول الكأس إلى شفتيه , لكنه قبل قذف محتوياته في فمه – بنظرات يحاول أن يبوح بأسراره لعشيقته المعنقة رغم الدموع المتصلبة في حدقتيه – يحاورها طويلاً والساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد انتصاف الليل – يقطع حديثه غناء صادر عن مذياع آت ٍ من مكان بعيد . . . .

ترنح أكثر من مرة وهو يحاول الوقوف , حتى كاد أن يسقط , إلا أنه دفع بجسمه إلى الأمام وألصق يديه على جدار الغرفة . خطا إلى الباب الصدئ وهو متكئ على الجدار وبحركة عنيفة أحدث صريراً عالياً استطاع إسكات الصراصير المتهيجة عند فتح الباب .

- شْش . أتسمعين . .
أم كلثوم .

مدَّ قامته عالياً , فأي إنسان سيراه وهو ماراً به لن يتصور هذا الجسم المنتصب يمكن أن يكون سكراناً !! - رغم ذلك بدا وكأن رأسه متدلياً على كتفيه , قامته بدأت تنحني تدريجياً ويداه تتقلصان , وساقاه لم تعد قادرتين على تحمل هذا الجسد الثقيل – ينزل بطيئاً خوفاً من تحطم جسده الهش .
يستمر الصوت منساباً .. لم يكن معروفاً كيف وضح الصوتُ.. ربما صاحب المذياع كان قد رفعه قليلاً لإحساسه بوجود عاشق آخر يسامر هذا الليل مثله , ربما حشرجات الديدان الليلية هدأت مع تعدل موجة المذياع ووضوح الصوت الذي انتشرت نغماته المتفرقة مع ذرات الهواء التي تتنفسها هذه الحشرات من فتحاتها الهوائية المنتشرة عبر حلقات الصدر والبطن فانتقلت إلى أدمغتها ففعلت بها أثر السحر .

طرفان يعشقان الليل على نغمات واحدة مبعثرة في الأثير من مكانين نائيين , الأول يستمع الغناء من مكان عال ٍ لا يحتاج لذرف الدمع , فالنجوم المضيئة على امتداد يديه , متى شاء يلتقط منها بيسر , والآخر . . النغمات تصل إليه بصعوبة في قعر الأرض ممتداً اتجاه الريح وذرات الغبار الحاملة لها إلى هذا الزقاق المفترش أرضيته التراب الممتزج بمياه البالوعة المتفجرة . لم يستطع كتم آهة مُرَّة علقت في حنجرته . . ذلك الألم المختلج في نفسه . أرسل نظرة عتاب للمجهول وقد تساقطت بعض الدموع التي ترقرقت في عينيه من عام البؤس الماضي الذي لم يتصور نفسه كيف تعايش معه.. تهدأ ؛ ثم تعود بغزارة متى أصابت بعض الكلمات موضعاً موجعاً من نفسه المتحرجة بقسوة هذه الحياة الـ . . مُتعِبة . .

بتلصص يأخذ الكأس الذي أخفاه خلف ظهره فيتجرعه بعد تأكده من خلو الشارع الترابي من المارة , يحرك رأسه إلى الداخل بعد أن أفرغ ما بقي من الكأس في جوفه . . .

ريح باردة تهب فيعاوده الصداع والدوار . يغلق الباب فيتلاشى الصوت ولم يعد يُسمع منه شيئاً .

- أما زال الغطاء عليك .

يفتح الغطاء ويصب كأسه الأخير . لم يلحظ ذلك إلا متأخراً أن زجاجته قد فقدت محتوياتها تماماً بعد أن مدَّ يده يطلب المزيد .

محاولة للجلوس إلا أنه يسقط مفترشاً أرضية الدكان والزجاجة الفارغة بين يديه .

- حرام عليك .. حـ .. حتى أنت أ ...
.. أحبك .

يمرر يديه على عنق الزجاجة . يطبق قُبْلَة وحشية على فوهتها المتحررة من الغطاء وهي مشدودة بقوة يديه إلى صدره .

- لماذا أنت صامتة . ها آآآ .
هيا قبليني .. هيا .

يطلق كثيراً من النقاش – كانت لغة غريبة – والجدران تكرر صدى الكلمات مرات مضاعفة . . عالياًوانفجر باكياً يضر الأرض ويخطف زجاجته التي رماها جانباً ويضمها إلى صدره مرة أخرى بأصابعه المرتعشة ؛ تنكسر تحت جسمه الجاثم عليها وقد فقد وعيه إلا أن أحشاءه ما تزال تتظاهر صارخة في جوفه أكثر ثورة من أمس .


5/11/1982م



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لن يطول بقاءكم / 9 ابريل 2016م
- حكاية وطن كان هنا صباح ٩ ابريل ٢٠ ...
- حكاية وطن كان هنا صباح ٩ ابريل ٢£ ...
- مصيدة الرقص اليومي. مارس ١٩٨٢
- أعتقد. . . لا يراك احد
- هروب من حروب وذاكرة
- رؤية تشكيل وزارة الخزانة ( اليمن)
- إلى ليل المدينة النائمة
- وجوه راكضة نحو وحدتي
- حسرة علي / نثر شعري - ١٧ مارس ٢٠ ...
- أنا النبي في اهله
- علاج ثقب عين من فضاء شاسع الفساد
- ترنيمة غريب في ليل المدينة
- من قصيدتي اعتراف على الطريق
- توسل مارس 1991م
- مسافات فاصلة اينما ترحل - نثر شعري. ١٥ابريل£ ...
- صباح سعيد قصيدة نثر شعري / 5ف ...
- هروب الذاكرة / قصيدة نثر شعري
- اغتسال بضوء الوهم في العتمة
- سأظل مؤملا رغم الخراب / قصيدة نثر شعري - ٩ابريل ...


المزيد.....




- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - انسان آخر