أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ديمة جمعة السمان - حين يختلّ ميزان الخير: أين يقف المثقّف؟














المزيد.....

حين يختلّ ميزان الخير: أين يقف المثقّف؟


ديمة جمعة السمان

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 18:13
المحور: الادب والفن
    


يشكّل مفهوم الشّر أحد أكثر المفاهيم عمقًا وتعقيدًا في التّجربة الإنسانيّة، وقد انشغل به الفلاسفة والمفكّرون عبر العصور، كلٌّ وفق مرجعيّته ورؤيته للعالم.
يظهر الشّر بوصفه توصيفًا لأفعال وسلوكيات تُخلّ بتوازن الحياة وتُلحق الأذى بالإنسان ومحيطه، ويتجاوز كونه حالة عابرة ليصبح جزءًا من الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوجود والمعنى. ترى بعض الرّؤى أن الخير يشكّل الأصل في طبيعة الإنسان، وأن الشّر ينشأ نتيجة اختلال في الوعي أو انحراف في السّلوك.
وتذهب رؤى أخرى إلى اعتبار الصّراع بين الخير والشّر عنصرًا بنيويًا في التّجربة الإنسانية، حيث يتجاوران داخل النّفس البشريّة، ويتبادلان التّأثير في تشكيل القرارات والمواقف.
يعكس هذا التّداخل حالة من التّعقيد تجعل الحكم على الظّواهر الإنسانيّة أمرًا يحتاج إلى تأمّل عميق، إذ يميل الإنسان إلى إصدار أحكام سريعة على ما يواجهه من أحداث، فيصنّف ما يسبّب له الأذى ضمن دائرة الشّر، متأثّرًا بحساسيّته تجاه الألم والخسارة. ويقود هذا الميل إلى تضييق زاوية النّظر، بحيث تغيب الأبعاد الأوسع للحدث، وتبقى نتائجه المستقبليّة خارج دائرة التّقدير. يحمل بعض ما يُرى شرًا في لحظة معيّنة إمكانات لتحوّلات إيجابيّة، أو لإعادة ترتيب الأولويّات، أو لاكتساب خبرات تعزّز النّضج الإنساني.
في الواقع المعاصر، يتنامى الإحساس بحضور الشّر، مدفوعًا بتدفّق الصّور والأخبار عبر الوسائط المختلفة، حيث تتكثّف مشاهد العنف والاضطراب في الوعي اليوميّ؛ ويؤدي هذا التدفّق المستمر إلى ترسيخ شعور بأن العالم يميل نحو القسوة، وأن مظاهر الخير تتراجع إلى الهامش. يعبّر هذا الإحساس عن تفاعل بين الواقع ووسائل تمثيله، حيث يتداخل الحدث مع طريقة عرضه، فيتضاعف أثره في النفس.
ترتبط جذور الشّر بعوامل متعدّدة، تتقاطع فيها البنية النّفسيّة مع السّياق الاجتماعي والثّقافي. يبرز اختلال التّوازن بين الرّغبة والمسؤوليّة بوصفه أحد هذه العوامل، حيث تتضخّم النّزعة الفرديّة على حساب القيم المشتركة.
كما يسهم الانفصال عن الطّبيعة، وعن الإيقاع الدّاخلي للإنسان، في خلق حالة من الاضطراب تُترجم إلى سلوكيات مؤذية. وتتحوّل المادة، في هذا السّياق، إلى أداة تُستخدم وفق وعي الإنسان، فتأخذ طابعًا إيجابيًا أو سلبيًا تبعًا للغرض الذي تُسخَّر من أجله.
ويأتي دور المثقف في هذا المشهد بوصفه عنصرًا فاعلًا في إعادة التوازن، إذ يحمل المثقّف مسؤولية إنتاج المعنى، وصياغة خطاب يعيد الاعتبار للقيم الإنسانيّة، ويُسهم في توسيع أفق الفهم. ويعمل على تفكيك الظواهر، والكشف عن بنيتها العميقة، بما يتيح قراءة أكثر وعيًا وتعقيدًا للواقع.
كما يسهم المثقّف في مواجهة الشّر عبر تعزيز الوعي النقدي، الذي يتيح للإنسان التّمييز بين الظواهر، وفهم سياقاتها، وتجاوز الانطباعات السّطحية. ويعمل على ترسيخ قيم العدالة والكرامة والرّحمة، بوصفها أسسًا لتنظيم العلاقات الإنسانية، ويقدّم خطابًا ثقافيًا يواجه التّسطيح والابتذال، ويعيد للّغة دورها في التّعبير عن العمق الإنسانيّ.
يتجلّى تأثير المثقّف أيضًا في بناء مساحات للحوار، تُعزّز الفهم المتبادل، وتحدّ من التّوترات النّاتجة عن الجهل وسوء الإدراك. وتُسهم هذه المساحات في تحويل الاختلاف إلى فرصة للتعلّم، وإلى مصدر لإغناء التّجربة الإنسانيّة، بدلًا من تحوّله إلى سبب للصّراع.
ووفق هذه المعطيات، يشير التأمل إلى أنّ الشّر يحضر بوصفه جزءًا من حركة الحياة، ويتفاعل مع الإنسان في مستويات متعددة. ويقابل هذا الحضور طاقة كامنة من الخير، تتجدّد عبر الوعي والعمل والمسؤولية.
كما يشكّل هذا التفاعل مجالًا مفتوحًا لفعل إنساني يسعى إلى التّوازن، ويستند إلى إدراك عميق لمعنى الوجود ودور الإنسان فيه.
وأخيرا.. لا يغيب عن الوعي أنّ لكلّ شيء في هذه الحياة وجهين، كما تشير الآية الكريمة:

( ومن كلّ شيءٍ خلقنا زوجين)، فيبقى التّوازن قانون الوجود، وتبقى الرّؤية الأعمق مفتاح الفهم.



#ديمة_جمعة_السمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - هكذا انتهت البداية- للكاتب إحسان موسى أبو غوش في اليوم الس ...
- نصوص - شيء يذكّرني بي- للشاعر عبد السّلام العطاري في اليوم ا ...
- رواية - الشجعان والمارد العملاق- في اليوم السابع
- أحمد قعبور.. شكرااا.. لأنك كنت صوتنا حينما كنّا نبحث عن صوت.
- ديوان -إنّ من الشعر لحكمة- للشاعر د. عز الدين أبو ميزر في ال ...
- -الخليفة- سردية بطعم سيرة ذاتية للكاتب أحمد هيبي في اليوم ال ...
- رواية ثلاثون يوما في الفردوس للكاتب سمير أديب في اليوم الساب ...
- قصة -أريم والكتاب الأزرق- للكاتبة د. سيما صَيْرَفي في اليوم ...
- رواية -غربة- للكاتب فوزي نجاجرة في اليوم السابع
- قصة -بستان حسام- للكاتبة جنين أمارة في اليوم السابع
- رواية -أحلام القعيد سليم- للروائي نافذ الرفاعي في اليوم السا ...
- قصة -وارفة الظلال- لروز اايوسف شعبان- في اليوم السابع
- رواية رهين الجسد للكاتب فادي أبو شقارة في اليوم السابع
- قصة -عمر حبيب القمر- للكاتبة نزهة الرملاوي
- رواية -المائق- للأديب جميل السلحوت في اليوم السابع
- قصة -بماذا تميز الغراب- للكاتب طارق مهلوس في اليوم السابع
- “رواية عودة الموريسكي من تنهداته- للكاتب عدوان نمر عدوان في ...
- رواية -بين جنّتين- للكاتب سرمد التّايه في اليوم السابع
- -الخرّوبة- سرديّة الكرامة والصّمود في وجه الغياب والاقتلاع.
- رواية -الخروبة- للكاتب رشيد النجاب في اليوم الساتبع


المزيد.....




- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...
- الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لح ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ديمة جمعة السمان - حين يختلّ ميزان الخير: أين يقف المثقّف؟