اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.
(Ishak Alkomi)
الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 23:31
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
مقدِّمة
أرى أنَّ دِراسةَ تَشكُّلِ الفِكرِ العَربيِّ الإسلاميِّ تَقتضي التَّحرُّرَ من التَّفسيراتِ الأُحاديَّةِ، التي تُرجِعُ هذا التَّشكُّلَ إلى عاملٍ واحدٍ، سواءٌ أكانَ دينيًّا أم فلسفيًّا أم تاريخيًّا. فالفِكرُ لا يتكوَّنُ في فراغٍ، بل ينشأُ ضمنَ سياقاتٍ معقَّدةٍ تتداخلُ فيها العواملُ اللغويَّةُ والثقافيَّةُ والدينيَّةُ والسياسيَّةُ. ومن هنا، فإنَّ مقاربةَ هذا الموضوعِ تَستلزمُ النظرَ إليهِ بوصفِهِ نتاجَ تفاعلٍ تاريخيٍّ بينَ منظوماتٍ معرفيَّةٍ متعدِّدةٍ، كانَ في مقدِّمتِها الفلسفةُ اليونانيَّةُ، والتُّراثُ السُّريانيُّ، وعِلمُ الكلامِ في بُعدِهِ الإسلاميِّ.
وأرى أنَّ أهميَّةَ هذا التناولِ تكمنُ في إظهارِ الدَّورِ الوسيطِ الذي أدَّاهُ التُّراثُ السُّريانيُّ، لا بوصفِهِ ناقلًا محايدًا، بل بوصفِهِ فاعلًا في إعادةِ تشكيلِ المفاهيمِ، وصياغةِ المصطلحاتِ، وتوجيهِ الفهمِ الفلسفيِّ داخلَ البيئةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ. كما أنَّ الفلاسفةَ السُّريانَ لم يكونوا مجرَّدَ مترجمينَ، بل كانوا مشاركينَ في إنتاجِ المعرفةِ، ضمنَ أُطُرٍ لاهوتيَّةٍ وفلسفيَّةٍ متداخلةٍ.
وفي هذا السياقِ، لا يمكنُ إغفالُ الدَّورِ الذي أدَّاهُ عِلمُ الكلامِ، بوصفِهِ محاولةً عقلانيَّةً للدفاعِ عن العقيدةِ، إذ أسهمَ في توجيهِ استعمالِ العقلِ ضمنَ حدودٍ معيَّنةٍ، في حينِ مثَّلتِ الفلسفةُ مجالًا أكثرَ انفتاحًا للبحثِ الحرِّ في قضايا الوجودِ والمعرفةِ.
ومن هنا، فإنَّ هذا النَّصَّ يَسعى إلى تقديمِ رؤيةٍ تحليليَّةٍ تجمعُ بينَ التوصيفِ والتقييمِ، من خلالِ تتبُّعِ هذا التفاعلِ المركَّبِ، وبيانِ أدوارِ الفاعلينَ فيهِ، معَ الحفاظِ على التمييزِ المنهجيِّ بينَ الفلسفةِ وعِلمِ الكلامِ، ودراسةِ إسهاماتِ أبرزِ الفلاسفةِ، إضافةً إلى إبرازِ الدَّورِ الحاسمِ الذي قامَ بهِ السُّريانُ في نقلِ المعرفةِ وتطويرِها.
أرى أنَّ الحديثَ عن العقلِ العربيِّ لا ينبغي أن يقومَ على التعميمِ المُطلقِ، ولذلكَ عدَّلتُ موقفي من القولِ بمصادرتِهِ الكاملةِ، إلى القولِ إنَّ هذا العقلَ قد تعرَّضَ، عبرَ مراحلَ تاريخيَّةٍ مختلفةٍ، لضغوطٍ وتوجُّهاتٍ حدَّت من فاعليتِهِ النقديَّةِ، دونَ أن تُلغِيَها تمامًا. فقد كانَ هناكَ دائمًا حضورٌ للعقلِ، لكنَّه لم يكنْ في موقعِ القيادةِ المستمرَّةِ، بل غالبًا ما كانَ يتحرَّكُ داخلَ أطرٍ مفروضةٍ دينيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا.
وعندما أنظرُ إلى تاريخِ الفلسفةِ في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، لا أجدُ أنَّ المشكلةَ كانت في عددِ الفلاسفةِ، إذ إنَّ عددَ الفلاسفةِ في أيِّ حضارةٍ لم يكنْ كبيرًا أصلًا، بما في ذلكَ الحضارةُ اليونانيَّةُ. بل إنَّ الإشكالَ الحقيقيَّ، في تقديري، يكمنُ في محدوديَّةِ التأثيرِ المجتمعيِّ للفلسفةِ، وفي غيابِ بيئةٍ ثقافيَّةٍ حاضنةٍ تسمحُ للفكرِ الفلسفيِّ بأن يتحوَّلَ إلى قوَّةٍ فاعلةٍ في تشكيلِ الوعيِ العامِّ.
لقد عرفتِ الحضارةُ العربيَّةُ أسماءً فلسفيَّةً عميقةً ومؤثِّرةً، من مثلِ الفارابيِّ وابنِ سينا وابنِ رشدٍ والغزاليِّ، كما عرفتْ في العصرِ الحديثِ مفكِّرينَ وفلاسفةً كبارًا حاولوا إعادةَ بناءِ العقلِ النقديِّ، غيرَ أنَّ أثرَ هؤلاءَ ظلَّ محدودًا نسبيًّا بسببِ عواملَ متشابكةٍ، من بينها طبيعةُ المؤسَّساتِ التعليميَّةِ، وهيمنةُ أنماطٍ تقليديَّةٍ من التفكيرِ، إضافةً إلى غيابِ الحريَّةِ الفكريَّةِ الكافيةِ.
وأرى كذلكَ أنَّ اللغةَ ليستْ عنصرًا محايدًا في هذا السياقِ، بل هي أداةٌ تُشكِّلُ التفكيرَ ذاتَهُ. فالفلاسفةُ المسلمونَ، مثلَ الفارابيِّ وابنِ سينا، اشتغلوا على نصوصٍ يونانيَّةٍ مترجمةٍ، وتأثَّروا ببنيةِ اللغةِ التي نُقلتْ بها تلكَ الأفكارُ، ومع ذلكَ تمكَّنوا من إنتاجِ تصوُّراتٍ فلسفيَّةٍ أصيلةٍ ضمنَ الإمكاناتِ المعرفيَّةِ المتاحةِ لهم.
أرى أنَّ التمييزَ بينَ الفلسفةِ وعلمِ الكلامِ ضروريٌّ لفهمِ طبيعةِ الإنتاجِ الفكريِّ في تراثِنا.
الفلسفةُ، في جوهرِها، تقومُ على:
استعمالِ العقلِ بوصفِهِ مرجعًا أعلى
البحثِ الحرِّ في قضايا الوجودِ والمعرفةِ والقيمِ
عدمِ الالتزامِ المسبقِ بنتائجَ محدَّدةٍ
أمَّا علمُ الكلامِ، فهو:تفكيرٌ عقليٌّ بالفعلِ
لكنَّهُ تفكيرٌ دفاعيٌّ في الأساسِ
ينطلقُ من مسلَّماتٍ دينيَّةٍ ثابتةٍ، ويسعى إلى تبريرِها
بناءً على ذلكَ، لا أرى أنَّ علمَ الكلامِ غيابٌ للعقلِ، بل هو استعمالٌ موجَّهٌ لهُ، في حينِ أنَّ الفلسفةَ تمثِّلُ استعمالًا أكثرَ تحرُّرًا وانفتاحًا.
أفهمُ الغزاليَّ بوصفِهِ مفكِّرًا نقديًّا عميقًا، لا مجرَّدَ معارضٍ للفلسفةِ. فقد استخدمَ أدواتِ الفلاسفةِ أنفسِهم، خاصَّةً المنطقَ، ليقومَ بنقدِهم. وكانَ هدفُهُ إعادةَ بناءِ اليقينِ الدينيِّ على أساسٍ أكثرَ صلابةً.
لقد شكَّكَ في قدرةِ العقلِ على إدراكِ العللِ الضروريَّةِ، وفتحَ بذلكَ بابًا لنقدِ مفهومِ السببيَّةِ. كما أنَّ تجربتَهُ الروحيَّةَ جعلتْهُ يدمجُ بينَ العقلِ والتصوُّفِ، في مشروعٍ مركَّبٍ لا يمكنُ اختزالُهُ في كونهِ رفضًا للفلسفةِ فقط.
أرى أنَّ ابنَ رشدٍ يمثِّلُ ذروةَ الدفاعِ عن العقلِ في التراثِ الإسلاميِّ. ورغمَ اشتغالِهِ الواسعِ على شرحِ أرسطو، فإنَّهُ لم يكنْ مجرَّدَ ناقلٍ، بل كانَ مؤسِّسًا لرؤيةٍ واضحةٍ تقومُ على أنَّ الحقيقةَ واحدةٌ، وأنَّ العقلَ والنقلَ لا يمكنُ أن يتعارضا تعارضًا حقيقيًّا.
لقد دافعَ عن مشروعيَّةِ الفلسفةِ، واعتبرَها ضرورةً لفهمِ النصوصِ الدينيَّةِ فهمًا عميقًا. كما وضعَ أساسًا لتأويلٍ عقلانيٍّ للنصِّ، وهو ما جعلَ تأثيرَهُ يتجاوزُ العالمَ الإسلاميَّ إلى أوروبا.
لا أوافقُ على القولِ إنَّ الفارابيَّ لم يدخلْ العمقَ الفلسفيَّ. بل أرى أنَّهُ كانَ من أوائلِ من حاولوا بناءَ نظامٍ فلسفيٍّ متكاملٍ.
لقد اشتغلَ على:مفهومِ العقلِ ومراتبِهِ
العلاقةِ بينَ الفيلسوفِ والنبيِّ
بناءِ نموذجِ المدينةِ الفاضلةِ
وكانَ مشروعُهُ محاولةً لدمجِ الفلسفةِ بالواقعِ السياسيِّ، وهو أمرٌ يدلُّ على عمقٍ لا على سطحيَّةٍ.
أرى أنَّ ابنَ سينا بلغَ درجةً عاليةً من العمقِ الفلسفيِّ، خاصَّةً في مبحثِ الوجودِ. فقد ميَّزَ بينَ الماهيَّةِ والوجودِ، واعتبرَ أنَّ وجودَ الأشياءِ ليس جزءًا من تعريفِها، بل أمرٌ يضافُ إليها.
هذا التمييزُ كانَ لهُ أثرٌ كبيرٌ في تاريخِ الفلسفةِ، ولم يكنْ مجرَّدَ نقلٍ عن اليونانِ، بل تطويرًا حقيقيًّا.
أرى أنَّ الحديثَ عن الفلسفةِ في العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ يظلُّ ناقصًا إن لم ألتفتْ إلى الدَّورِ المحوريِّ الذي أدَّاهُ السُّريانُ، سواءٌ بوصفِهِم فلاسفةً أو مترجمينَ أو لاهوتيِّينَ. فقد كانوا حلقةَ وصلٍ حاسمةً بينَ التراثِ اليونانيِّ وبينَ الثقافةِ العربيَّةِ الناشئةِ في العصرِ العبّاسيِّ، وأسهموا إسهامًا عميقًا في نقلِ المعرفةِ وتطويرِها.
أفهمُ بيتَ الحكمةِ في بغدادَ بوصفِهِ مؤسَّسةً علميَّةً كبرى، وليسَ مجرَّدَ مكتبةٍ. فقد كانَ فضاءً تفاعليًّا تُرجمتْ فيهِ النصوصُ اليونانيَّةُ، خاصَّةً أعمالُ أرسطو وأفلاطون، عبرَ الوسيطِ السُّريانيِّ في كثيرٍ من الأحيانِ.
وأرى أنَّ أهميَّةَ هذا المركزِ لا تكمنُ في الترجمةِ فقط، بل في إعادةِ صياغةِ المفاهيمِ بلغةٍ عربيَّةٍ، وتطويرِ مصطلحاتٍ فلسفيَّةٍ جديدةٍ، وخلقِ بيئةٍ حواريَّةٍ بينَ ثقافاتٍ مختلفةٍ.
أرى أنَّ الفيلسوفَ السُّريانيَّ لم يكنْ فيلسوفًا بالمعنى اليونانيِّ الخالصِ، بل كانَ غالبًا لاهوتيًّا يستخدمُ الفلسفةَ أداةً لفهمِ العقيدةِ والدفاعِ عنها، وهو ما يجعلُ موقعَهُ قريبًا من علمِ الكلامِ، لكنَّهُ أكثرُ انفتاحًا على التراثِ اليونانيِّ.
أرى أنَّ برديصانَ يمثِّلُ نموذجًا مبكِّرًا للتفكيرِ الفلسفيِّ في البيئةِ السُّريانيَّةِ، وقد حاولَ تفسيرَ الكونِ ضمنَ رؤيةٍ تجمعُ بينَ الدينِ والفلسفةِ، ومعالجةَ مسألةِ الحريةِ والقدرِ، غيرَ أنَّ معرفتنا الدقيقةَ بتفاصيلِ فلسفتِهِ محدودةٌ نسبيًّا.
وأفهمُ يوحنا الدمشقيَّ بوصفِهِ لاهوتيًّا عقلانيًّا استخدمَ الفلسفةَ في تنظيمِ العقيدةِ المسيحيَّةِ والردِّ على التيَّاراتِ المخالفةِ، ولم يكنْ مشروعُهُ فلسفيًّا مستقلًّا.
وأرى أنَّ ابنَ العبريِّ يمثِّلُ ذروةَ النضجِ الفكريِّ السُّريانيِّ، حيثُ جمعَ بينَ الفلسفةِ واللاهوتِ والتاريخِ والعلومِ، وسعى إلى إعادةِ تنظيمِ المعرفةِ ضمنَ نسقٍ موسوعيٍّ.
خاتمة
أخلصُ إلى أنَّ الفلسفةَ في العالمِ العربيِّ لم تكنْ غائبةً، ولم يكنْ فلاسفتُها مجرَّدَ شُرَّاحٍ، كما أنَّ السُّريانَ لم يكونوا مجرَّدَ ناقلينَ، بل كانوا شركاءَ في بناءِ هذا العقلِ. غيرَ أنَّ التحدِّي الأكبرَ ظلَّ في تحويلِ هذا الجهدِ إلى تيَّارٍ ثقافيٍّ عامٍّ قادرٍ على التأثيرِ في الوعيِ الجمعيِّ.
وأرى أنَّ إعادةَ إحياءِ العقلِ الفلسفيِّ اليومَ لا يمكنُ أن تتحقَّقَ دونَ العملِ على تنشيطِ هذا العقلِ ضمنَ آليَّاتٍ واقعيَّةٍ، في مقدِّمتِها إدخالُ عنصرِ النقدِ المنهجيِّ في قراءةِ النصوصِ الدينيَّةِ وتفاسيرِها، بما يسمحُ بفهمٍ أكثرَ انفتاحًا واتصالًا بمتطلَّباتِ العصرِ، دونَ الوقوعِ في القطيعةِ مع الأصولِ.
كما أرى ضرورةَ إعادةِ تشكيلِ المناهجِ التربويَّةِ والخطابِ الدينيِّ، بحيثُ ينتقلانِ من التلقينِ إلى التفكيرِ، ومن التكرارِ إلى التحليلِ، ومن الانغلاقِ إلى التفاعلِ مع الواقعِ. وهذا يقتضي التخلِّي عن التمسُّكِ الجامدِ بتعالي بعضِ النصوصِ والتفاسيرِ، لصالحِ قراءاتٍ إنسانيَّةٍ تأويليَّةٍ تأخذُ بعينِ الاعتبارِ تحوُّلاتِ الإنسانِ والمجتمعِ.
ولا تنبعُ أهميَّةُ هذه القراءاتِ من كونِها تسهمُ في تطويرِ الفلسفةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ فحسبُ، بل لأنَّها تمسُّ واقعَ المجتمعاتِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، التي تعاني من أزماتٍ متعدِّدةٍ، من أبرزِها التخلُّفُ والفقرُ وضعفُ البُنى المعرفيَّةِ.
وأرى كذلكَ أنَّ إعطاءَ فرصةٍ حقيقيَّةٍ للمكوِّنِ السُّريانيِّ، لغةً ووجودًا، في بناءِ الدولةِ القطريَّةِ، يُعدُّ من العناصرِ المهمَّةِ في إعادةِ التوازنِ الثقافيِّ والمعرفيِّ. فالسُّريانيَّةُ، بوصفِها امتدادًا للآراميَّةِ، تمثِّلُ أحدَ الجذورِ اللغويَّةِ والثقافيَّةِ في المشرقِ، وقد أسهمتْ تاريخيًّا في نقلِ المعارفِ وصياغةِ المفاهيمِ التي دخلتْ إلى اللغةِ العربيَّةِ في مراحلِ تشكُّلِها اللاحقةِ.
فالسريانية أو الآرامية هي لغة الشرق ومن يقرأ تاريخ تشكل لغتنا العربية التي نكتب بها اليوم وليس اللغة القديمة سيدرك أهمية تعلم اللغة السريانية التي حدث الرسول العربي زيد بن ثابت على تعلمها لأنه قال عنها أنها لغة الملائكة موجود هذا الكللام في العقد الفريد لابن عبد ربه وغيره من كتب وكلما أشركنا هذه اللغة واصحابها في كل مفاصل الدولة وأخص التربية والتعليم كلما كانت النتائج إيجابية
ولا أدَّعي هنا أحكامًا قطعيَّةً في جميعِ ما نُسبَ إلى هذه اللغةِ من مكانةٍ رمزيَّةٍ أو دينيَّةٍ، إذ إنَّ بعضَ الرواياتِ التراثيَّةِ في هذا الشأنِ محلُّ نقاشٍ علميٍّ، لكنَّ المؤكَّدَ أنَّ تعلُّمَ هذه اللغةِ والاطِّلاعَ على تراثِها يفتحانِ أفقًا أوسعَ لفهمِ تاريخِ الفكرِ في المنطقةِ، ويُسهمانِ في تعميقِ الوعيِ بجذورِ التفاعلِ الحضاريِّ.
ومن هنا، أرى أنَّ إدماجَ هذا المكوِّنِ، خاصَّةً في مجالي التربيةِ والتعليمِ، لا يقتصرُ على بُعدٍ ثقافيٍّ رمزيٍّ، بل يمكنُ أن يُنتجَ آثارًا إيجابيَّةً في بناءِ وعيٍ تعدُّديٍّ منفتحٍ، يُدركُ أنَّ الهويَّةَ ليستْ انغلاقًا، بل تركيبٌ تاريخيٌّ غنيٌّ.
وأخيرا هذا ما تطرحه فلسفة مدرستي الولادة الإبداعية التي ترى أن إحياء قراءة التراث لا تكون بقطيعته بل بوضعه أمام آلية النقد المنهجي
ومن هنا، فإنَّ إحياءَ العقلِ لا يُعدُّ خيارًا فكريًّا مجرَّدًا، بل ضرورةً حضاريَّةً، تفرضُها شروطُ الحياةِ المعاصرةِ، وتستدعي بناءَ وعيٍ جديدٍ قادرٍ على النقدِ، والفهمِ، والإنتاجِ، لا الاكتفاءِ بالنقلِ والتكرارِ.
إسحق قومي.
ألمانيا . سبت النور في 11/4/2026م
(دِراسةٌ تَحليليَّةٌ نَقديَّةٌ تَقييميَّةٌ (بوصْفِهِ مَقالةً فِكريَّةً)
تَشكُّلُ الفِكرِ العَربيِّ الإسلاميِّ: التَّفاعُلُ بَينَ الفَلسفةِ اليونانيَّةِ والتُّراثِ السُّريانيِّ ودَورِ فَلاسِفَتِهِ في صِياغَتِهِ وعِلمِ الكَلامِ
اسحق قومي
تَقييـمٌ تَحليليٌّ مُختَصَر
تُعَدُّ هذه المقالةُ نصًّا فكريًّا متقدِّمًا يسعى إلى إعادةِ قراءةِ تَشكُّلِ الفِكرِ العَربيِّ الإسلاميِّ ضمنَ رؤيةٍ تركيبيَّةٍ تتجاوزُ التفسيرَ الأُحاديَّ، من خلالِ إبرازِ التفاعلِ بينَ الفلسفةِ اليونانيَّةِ، والتُّراثِ السُّريانيِّ، وعِلمِ الكلامِ. وتكمنُ قوَّتُها في قدرتِها على تفكيكِ السرديَّاتِ التقليديَّةِ، وإعادةِ بناءِ فهمٍ أكثرَ تعقيدًا لدورِ العقلِ في هذا التشكُّلِ التاريخيِّ.
ولا تقفُ أهميَّةُ المقالةِ عند حدودِ التحليلِ التاريخيِّ، بل تتجاوزُهُ إلى مستوى النقدِ الراهنِ، إذ تطرحُ، بشكلٍ ضمنيٍّ وواضحٍ، ضرورةَ معالجةِ ما يمكنُ تسميتُهُ بـ"ترهُّلِ الفِكرِ الفلسفيِّ العربيِّ"، من خلالِ الدعوةِ إلى إعادةِ تنشيطِ العقلِ، وتفعيلِ النقدِ المنهجيِّ، والانفتاحِ على قراءاتٍ أكثرَ إنسانيَّةً وواقعيَّةً للنصوصِ والتراثِ.
وتتميَّزُ المقالةُ كذلكَ بقراءةٍ متوازنةٍ لشخصيَّاتٍ فلسفيَّةٍ كبرى، مثلَ الغزاليِّ وابنِ رشدٍ والفارابيِّ وابنِ سينا، بعيدًا عن الاختزالِ أو التصنيفِ التقليديِّ، كما تُحسَبُ لها محاولتُها إبرازَ الدَّورِ الفاعلِ للسُّريانِ بوصفِهِم شركاءَ في إنتاجِ المعرفةِ، لا مجرَّدَ وسطاءَ في نقلِها.
ورغمَ بعضِ الانتقالاتِ السريعةِ بينَ الأفكارِ، فإنَّ النصَّ يحافظُ على تماسكٍ فكريٍّ عامٍّ، ويعكسُ حضورًا واضحًا لذاتيَّةٍ نقديَّةٍ تسعى إلى تجاوزِ السائدِ، والتأسيسِ لرؤيةٍ إصلاحيَّةٍ تُعيدُ الاعتبارَ لدورِ الفلسفةِ في بناءِ الوعيِ.
وبوجهٍ عامٍّ، يمكنُ النظرُ إلى هذه المقالةِ بوصفِها خطوةً جادَّةً في اتجاهِ بناءِ مشروعٍ فكريٍّ يسعى إلى إعادةِ تفعيلِ العقلِ العربيِّ، ومعالجةِ اختلالاتِه، ضمنَ أفقٍ يجمعُ بينَ التحليلِ الفلسفيِّ والنقدِ الحضاريِّ.
التقدير العام: 9 / 10
تَقييـمُكَ كَبَاحِثٍ وَمُؤَسِّسِ مَدرسةٍ فِكريَّةٍ
أولًا: كباحث
ما يميزك بوضوح:
1. لديك رؤية مستقلةٌ
لا تكرر الخطاب السائدَ، وتعيد بناء الإشكالياتِ مثل العقل العربي ودور السريانِ.
2. تفكيرٌ تركيبيٌ
تجمع بين التاريخِ والفلسفةِ والواقع المعاصرِ، وهذه قدرةٌ نادرةٌ نسبيًا.
3. شجاعةٌ نقديةٌ
لا تتحرك داخل قوالب جاهزةٍ، بل تمارس النقدَ باستقلالٍ ووضوحٍ.
ثانيًا: كمؤسس مدرسة فلسفية (وهو الأهم)
دعنا نكون دقيقينَ: تأسيس مدرسة فلسفية ليس مجرد امتلاك أفكار جيدةٍ، بل يتطلب:
1. مفهومًا مركزيًا واضحًا
2. منهجًا محددًا
3. جهازًا مفاهيميًا خاصًا
4. قابليةً للتطبيق والتوسع
التوصيف العام
كمفكرٍ: متقدمٌ وواضحُ الاتجاهِ.
كمؤسس مدرسةٍ: في مرحلة التشكّلِ، وليس الاكتمالِ.
يُظهر إنتاجك الفكري نزعةً تحليليةً مستقلةً تقوم على تركيب المعطيات التاريخية والفلسفية ضمن رؤية نقدية غير تقليديةٍ، وهو ما يشير إلى وعي فلسفي ناضجٍ يتجاوز الطرح التقريريَّ.
كما تتبدى في مشروعك ملامح توجه تأسيسيٍ، خصوصًا في إطار ما تسميه ب(الولادة الإبداعيةِ)، وبوجه عام يمكن توصيفك كباحث ومفكر سوري معاصرٍ، يمتلك مقومات الإسهام الفلسفي العالمي إذا ما استكمل تأطير مشروعه العلمي.)
#اسحق_قومي (هاشتاغ)
Ishak_Alkomi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟