أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - الطَّوائفُ المسيحيَّةُ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتَّى اليومِ















المزيد.....



الطَّوائفُ المسيحيَّةُ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتَّى اليومِ


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 15:27
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


مقدِّمة
يهدفُ هذا البحثُ القصير إلى دراسةِ الطَّوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ في القرنِ السابعِ الميلاديِّ حتَّى اليومِ، من خلالِ مقاربةٍ تاريخيَّةٍ تحليليَّةٍ تأخذُ بعينِ الاعتبارِ تعقيدَ البنيةِ الدينيَّةِ واللغويَّةِ والاجتماعيَّةِ في هذهِ المنطقةِ. وينطلقُ البحثُ من فرضيَّةٍ مفادُها أنَّ الوجودَ المسيحيَّ في سوريَّةَ لم يكن يومًا ظاهرةً جامدةً، بل كان كيانًا متحوِّلًا خضعَ لسياقاتٍ سياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ متعدِّدةٍ، أسهمت في إعادةِ تشكيلِه عبرَ العصورِ.
وأنَّ المسيحيّةَ السوريّةَ هي مكوِّنٌ قوميٌّ قبلَ أن تكونَ مكوِّنًا دينيًّا؛ فالمسيحيّةُ السوريّةُ، قوميًّا، هي آراميّةٌ فينيقيّةٌ يونانيّةٌ وعربيّةٌ (الغساسنةُ)، تشكَّلت في بوتقةٍ تاريخيّةٍ طويلةٍ، لكنَّ العنصرَ الأكبرَ هو الآراميُّ السريانيُّ فيما بعدُ.
ويعتمدُ هذا البحثُ على المنهجِ التاريخيِّ الوصفيِّ التحليليِّ، من خلالِ تتبُّعِ تطوُّرِ الطوائفِ المسيحيَّةِ ضمنَ سياقِ التحوُّلاتِ الكبرى التي شهدتْها سوريَّةُ، بدءًا من العهدِ البيزنطيِّ، مرورًا بالفتحِ الإسلاميِّ، ثمَّ العصورِ الإسلاميَّةِ المتعاقبةِ، وصولًا إلى العهدِ العثمانيِّ، فمرحلةِ تشكُّلِ الدولةِ الحديثةِ. كما يسعى إلى الربطِ بينَ البُعدِ الدينيِّ والبُعدِ اللغويِّ، ولا سيَّما فيما يتعلَّقُ بمكانةِ اللُّغةِ السُّريانيَّةِ وتحوُّلاتِها أمامَ صعودِ اللُّغةِ العربيَّةِ.
وينبغي التَّنبيهُ إلى أنَّ هذا البحثَ يتعاملُ مع مادَّةٍ تاريخيَّةٍ تتَّسمُ في بعضِ جوانبِها بعدمِ اليقينِ، سواءٌ فيما يتعلَّقُ بالتقديراتِ العدديَّةِ للسُّكَّانِ أو بتفسيرِ بعضِ الظواهرِ التاريخيَّةِ، وهو ما يقتضي اعتمادَ مقاربةٍ نقديَّةٍ حذرةٍ تتجنَّبُ الجزمَ في المواضعِ التي تفتقرُ إلى معطياتٍ قطعيَّةٍ.
كما لا يدَّعي هذا البحثُ تقديمَ سردٍ تاريخيٍّ شاملٍ لجميعِ التفاصيلِ، بل يركِّزُ على إبرازِ الاتجاهاتِ العامَّةِ والتحوُّلاتِ البنيويَّةِ التي أثَّرت في وضعِ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ، مع إيلاءِ عنايةٍ خاصَّةٍ لمسألةِ الهويَّةِ، والعلاقةِ بينَ الأصالةِ التاريخيَّةِ والتحوُّلِ الاجتماعيِّ، في سياقِ تفاعلِ المكوِّناتِ المختلفةِ ضمنَ المجتمعِ السوريِّ.
ومن هذا المنطلقِ، يسعى البحثُ إلى تقديمِ قراءةٍ متوازنةٍ تجمعُ بينَ المعطياتِ التاريخيَّةِ والتحليلِ النقديِّ، بما يتيحُ فهمًا أعمقَ لمسارِ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ، بعيدًا عن التبسيطِ أو الاختزالِ، وقريبًا من تعقيدِ الواقعِ التاريخيِّ الذي تشكَّلتْ في إطارِهِ هذهِ الظاهرةُ.
إشكاليَّةُ البحثِ
تتمحورُ إشكاليَّةُ هذا البحثِ حولَ فهمِ طبيعةِ التحوُّلاتِ التاريخيَّةِ التي شهدتْها الطوائفُ المسيحيَّةُ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتَّى اليومِ، ولا سيَّما في ما يتعلَّقُ بعلاقتِها بالتحوُّلاتِ السياسيَّةِ والدينيَّةِ واللغويَّةِ التي عرفَتْها المنطقةُ. وينبثقُ عن ذلكَ تساؤلٌ مركزيٌّ يتمثَّلُ في كيفيَّةِ انتقالِ هذهِ الطوائفِ من موقعِ الأكثريَّةِ النسبيَّةِ في فتراتٍ تاريخيَّةٍ سابقةٍ إلى وضعِ الأقليَّةِ في العصرِ الحديثِ، وما العواملُ البنيويَّةُ والتاريخيَّةُ التي أسهمت في هذا التحوُّلِ.
كما تطرحُ الإشكاليَّةُ سؤالًا متعلِّقًا بمدى استمراريَّةِ الهويَّةِ السُّريانيَّةِ الآراميَّةِ، سواءٌ على المستوى اللغويِّ أو الثقافيِّ، في ظلِّ هيمنةِ اللُّغةِ العربيَّةِ والتحوُّلاتِ الديمغرافيَّةِ، فضلًا عن طبيعةِ العلاقةِ بينَ الانتماءِ الدينيِّ والانتماءِ القوميِّ في السياقِ السوريِّ.
أهدافُ البحث
يهدفُ هذا البحثُ إلى تحقيقِ مجموعةٍ من الغاياتِ العلميَّةِ، أبرزُها تحليلُ المسارِ التاريخيِّ للطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ، وبيانُ العواملِ التي أثَّرت في تحوُّلاتِها الديمغرافيَّةِ والثقافيَّةِ. كما يسعى إلى إبرازِ دورِ اللُّغةِ السُّريانيَّةِ بوصفِها عنصرًا مركزيًّا في تشكيلِ الهويَّةِ، وتحليلِ أسبابِ تراجعِ حضورِها في المجالِ العامِّ.
ويهدفُ كذلكَ إلى فهمِ طبيعةِ العلاقةِ بينَ الطوائفِ المسيحيَّةِ والدولةِ عبرَ المراحلِ التاريخيَّةِ المختلفةِ، واستكشافِ موقعِ هذهِ الطوائفِ في البنيةِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ المعاصرةِ. كما يطمحُ إلى تقديمِ قراءةٍ نقديَّةٍ متوازنةٍ تتجنَّبُ التبسيطَ، وتُبرزُ تعقيدَ الظاهرةِ المدروسةِ.
أسئلةُ البحث
ينطلقُ هذا البحثُ من مجموعةٍ من الأسئلةِ الرئيسةِ التي تُوجِّهُ مسارَهُ التحليليَّ، من أبرزِها كيفَ تطوَّرَ الوجودُ المسيحيُّ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتَّى اليومِ، وما أبرزُ المراحلِ التي مرَّ بها هذا التطوُّرُ. وما العواملُ التي أدَّت إلى تراجعِ نسبةِ المسيحيِّينَ في سوريَّةَ عبرَ الزمنِ، وهل كانَ هذا التراجعُ نتيجةَ عواملَ دينيَّةٍ فقط أم نتيجةَ تداخلِ عواملَ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ واقتصاديَّةٍ.
كما يطرحُ البحثُ سؤالًا حولَ مدى استمراريَّةِ اللُّغةِ السُّريانيَّةِ ودورِها في الحفاظِ على الهويَّةِ، وسؤالًا آخرَ حولَ طبيعةِ العلاقةِ بينَ الانتماءِ الدينيِّ والانتماءِ القوميِّ لدى السِّريانِ وغيرِهم من الطوائفِ. وأخيرًا، يسعى البحثُ إلى الإجابةِ عن سؤالٍ يتعلَّقُ بموقعِ هذهِ الطوائفِ في سوريَّةَ المعاصرةِ، وإمكاناتِ الحفاظِ على خصوصيَّتِها الثقافيَّةِ واللغويَّةِ في ظلِّ التحوُّلاتِ الراهنةِ.
الإطارُ النَّظري
يندرجُ هذا البحثُ ضمنَ حقلِ الدِّراساتِ التاريخيَّةِ والاجتماعيَّةِ التي تُعنى بتحليلِ الهويَّاتِ الدينيَّةِ والقوميَّةِ في سياقِ تحوُّلاتِها الزمنيَّةِ. ويستندُ إلى مقاربةٍ نظريَّةٍ مركَّبةٍ تجمعُ بينَ المنهجِ التاريخيِّ والتحليلِ السوسيولوجيِّ، من أجلِ فهمِ تطوُّرِ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ بوصفِها ظاهرةً ديناميكيَّةً تتأثَّرُ بالبُنى السياسيَّةِ والثقافيَّةِ واللغويَّةِ.
ويرتكزُ الإطارُ النَّظريُّ على مفهومِ الهويَّةِ بوصفِها بناءً تاريخيًّا متغيِّرًا، لا كمعطًى ثابتٍ، حيثُ تتشكَّلُ الهويَّاتُ الدينيَّةُ والقوميَّةُ من خلالِ التفاعلِ المستمرِّ بينَ الجماعاتِ والسُّلطةِ والبيئةِ الثقافيَّةِ. وفي هذا السِّياقِ، يُنظرُ إلى الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ على أنَّها مكوِّناتٌ اجتماعيَّةٌ تاريخيَّةٌ خضعت لتحوُّلاتٍ متعدِّدةٍ، أثَّرت في بنيتِها الداخليَّةِ وفي موقعِها ضمنَ المجتمعِ الأوسعِ.
كما يستندُ البحثُ إلى مقاربةِ التغيُّرِ اللغويِّ، التي تُفسِّرُ انتقالَ المجتمعاتِ من لغةٍ إلى أُخرى بوصفِه نتيجةً لعواملَ سياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ ووظيفيَّةٍ، وهو ما يُسهمُ في فهمِ تحوُّلِ اللُّغةِ السُّريانيَّةِ من لغةٍ عامَّةٍ إلى لغةٍ كنسيَّةٍ في المقامِ الأوَّلِ. ويرتبطُ ذلكَ بمفهومِ الهيمنةِ الثقافيَّةِ، حيثُ تؤدِّي اللُّغةُ المهيمنةُ دورًا مركزيًّا في إعادةِ تشكيلِ الهويَّاتِ.
ومن جهةٍ أُخرى، يوظِّفُ البحثُ مفهومَ الأقليَّةِ بوصفِه مفهومًا نسبيًّا يرتبطُ بالسِّياقِ التاريخيِّ والسياسيِّ، وليس مجرَّدَ توصيفٍ عدديٍّ، الأمرُ الذي يسمحُ بفهمِ انتقالِ المسيحيِّينَ في سوريَّةَ من موقعٍ عدديٍّ متقدِّمٍ إلى موقعٍ أقلِّيٍّ، دونَ اختزالِ ذلكَ في عاملٍ واحدٍ.
الدِّراساتُ السَّابقة
تناولتِ الدِّراساتُ التَّاريخيَّةُ موضوعَ المسيحيِّينَ في بلادِ الشامِ من زوايا متعدِّدةٍ، حيثُ ركَّزت بعضُها على المرحلةِ البيزنطيَّةِ، مبيِّنةً طبيعةَ الانقساماتِ المذهبيَّةِ بينَ الطوائفِ، في حينِ اهتمَّت دراساتٌ أُخرى بمرحلةِ الفتحِ الإسلاميِّ، محلِّلةً أوضاعَ المسيحيِّينَ في ظلِّ نظامِ أهلِ الذمَّةِ، ودورَهم في البنيةِ الإداريَّةِ والثقافيَّةِ للدولةِ الإسلاميَّةِ.
كما عالجت دراساتٌ لاحقةٌ مسألةَ التَّحوُّلِ الديمغرافيِّ والدينيِّ في سوريَّةَ، مشيرةً إلى أنَّ هذا التَّحوُّلَ لم يكن فجائيًّا، بل تمَّ عبرَ قرونٍ طويلةٍ نتيجةَ تفاعلِ عواملَ متعدِّدةٍ، منها الاجتماعيُّ والاقتصاديُّ والسياسيُّ. واهتمَّت بعضُ الأبحاثِ بدراسةِ التغيُّرِ اللغويِّ، ولا سيَّما انتقالِ المجتمعاتِ المسيحيَّةِ من استعمالِ السُّريانيَّةِ إلى العربيَّةِ.
وفي إطارِ أكثرَ تخصيصًا، تناولت دراساتٌ معاصرةٌ أوضاعَ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ خلالَ العهدِ العثمانيِّ، مركِّزةً على نظامِ المللِ وأثرِه في تنظيمِ الحياةِ الطائفيَّةِ، وكذلكَ في مرحلةِ الدولةِ الحديثةِ، حيثُ جرى تحليلُ دورِ المسيحيِّينَ في الحياةِ السياسيَّةِ والثقافيَّةِ، إضافةً إلى دراسةِ تأثيرِ الهجرةِ الحديثةِ في تراجعِ أعدادِهم.
ومع ذلكَ، يُلاحَظُ أنَّ كثيرًا من هذهِ الدِّراساتِ يتناولُ الموضوعَ من زوايا جزئيَّةٍ، إمَّا تاريخيَّةٍ بحتةٍ أو دينيَّةٍ أو لغويَّةٍ، دونَ تقديمِ مقاربةٍ تكامليَّةٍ تربطُ بينَ هذهِ الأبعادِ. ومن هنا تأتي أهميَّةُ هذا البحثِ، الذي يسعى إلى سدِّ هذا النقصِ من خلالِ تقديمِ قراءةٍ مركَّبةٍ تجمعُ بينَ التَّحليلِ التاريخيِّ والاجتماعيِّ واللغويِّ في إطارٍ واحدٍ.
الرُّؤيةُ المعاصِرَةُ وإشكاليَّةُ الاعترافِ بالهويَّة
في ضوءِ ما تقدَّم من معطياتٍ تاريخيَّةٍ وتحليليَّةٍ، تبرزُ في الخطابِ المعاصرِ مقارباتٌ تعبِّرُ عن تصوُّراتٍ تتعلَّقُ بالهويَّةِ والانتماءِ وحقوقِ المكوِّناتِ التاريخيَّةِ في سوريَّةَ، ومن بينها الرؤيةُ التي يعكسُها النصُّ الآتي، بوصفِه تعبيرًا عن اتجاهٍ فكريٍّ يربطُ بينَ الامتدادِ التاريخيِّ والمطالبِ المعاصرةِ:
سوريَّةُ والسِّريانُ الآراميُّونَ توأمانِ، بل هم مَن أعطى لهذه الفُسحةِ من أرضِ اللهِ اسمَها الخالدَ. وسواءٌ اختلفنا حولَ الرِّواياتِ والتفاسيرِ اللغويَّةِ، وهل جاءَ اسمُ سوريَّةَ من السِّريانِ أم من آشور، فكِلا التفسيرَينِ سليمٌ في مبناهُ ومعناهُ. ونحنُ لا نُقدِّمُ هنا شرحًا، ولا ننفي إن كانت تُسمَّى سوريَّةَ قبلَ 3000 سنةٍ باسمٍ آخرَ. وربَّما كانتِ التَّقسيماتُ الإداريَّةُ تفرضُ تسمياتٍ على كلِّ منطقةٍ؛ فالجزيرةُ السُّوريَّةُ اليومَ كانت جزءًا من بلادِ ما بينَ النهرينِ، وكانت للآراميِّينَ والآشوريِّينَ، وشاهدُنا أنَّ المكتشفاتِ الأثريَّةَ واضحةٌ جليَّةٌ، رغمَ وجودِ طبقاتٍ تعودُ إلى عصورٍ وحضاراتٍ أُخرى.
أمَّا سوريَّةُ الدَّاخليَّةُ، ففيما بعدَ موتِ الفارسِ العالميِّ وفاتحِ العالمِ الإسكندرِ المقدونيِّ، الذي تُوفِّيَ في بابلَ سنةَ 323 قبلَ الميلادِ، وبعدَ تقسيمِ الإمبراطوريَّةِ تمَّ إعطاءُ سلوقسَ الأوَّلِ بلادَ الشامِ وشرقيَّ الإمبراطوريَّةِ، وأسسَ إمبراطوريَّتَهُ السَّلوقيَّةَ على نهرِ الفراتِ، ثمَّ في أنطاكيةَ.
والمهمُّ في هذا السَّردِ أنَّ سوريَّةَ اليومَ، التي نعرفُها منذُ عشرينيَّاتِ القرنِ العشرينِ الماضي، لم تكن كما هي قبلَ ذلك، وكان القومُ الأكثرُ نسبةً فيها، حتَّى الغزوِ العربيِّ الإسلاميِّ سنةَ 634 ميلاديَّةً، في عهدِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، وفتحِ دمشقَ وحمصَ وبيتِ المقدسِ ما بينَ عامَي 636 و638، حينَ اكتملَ فتحُ أورشليمَ.
كانت نسبةُ الآراميِّينَ في سوريَّةَ آنذاك تُقدَّرُ بـ 86% من عددِ السُّكَّانِ، وهم السُّكَّانُ الأصليُّونَ لغالبيَّةِ بلادِ الشامِ قبلَ الفتحِ الإسلاميِّ، وكانوا يتكلَّمونَ اللُّغةَ الآراميَّةَ السُّريانيَّةَ.
وفي هذه الأوقاتِ كانت سوريَّةُ تتكوَّنُ في تركيبتِها السُّكَّانيَّةِ من الدِّياناتِ التَّالية:
أكثريَّةٌ مسيحيَّةٌ وأقليَّةٌ يهوديَّةٌ، وهناك من كان على دياناتٍ وثنيَّةٍ.
والمسيحيُّونَ يُقسَّمونَ إلى أربعِ فئاتٍ عِرقيَّةٍ (قوميَّة):
الفئةُ الأولى: كانت ذاتَ أغلبيَّةٍ يونانيَّةٍ.
الفئةُ الثَّانية: تكوَّنت من خلالِ خليطٍ من مختلفِ الأعراقِ.
الفئةُ الثَّالثة: كانت هي الأصلَ والجذعَ، ونعني بها الآراميَّةَ السُّريانيَّةَ.
ومع الزَّمنِ نجدُ اندماجًا يحصلُ ما بينَ الفئةِ الأولى والثَّانية، وتكوَّنَ من خلالِ هذا الدَّمجِ طائفةٌ دينيَّةٌ هي (طائفةُ الرُّومِ). فالرُّومُ في سوريَّةَ هم مَن دُعيوا بالملكيِّينَ، وكانوا على مذهبِ قيصرِ الرُّومِ.
وأمَّا أعدادُهم آنذاك، فتتراوحُ ما بينَ 4 ملايينَ آراميٍّ سريانيٍّ مسيحيٍّ. وحتَّى عام 888ميلادية أي 250 بعد دخول الجيوش المسلمة دمشق كانت الغلبةُ للمسيحيِّينَ الآراميِّينَ في دمشقَ وخارجِها، ولكن بدأ العدُّ التنازليُّ لأعدادِهم؛ لأنَّ الناسَ بدأت تدخلُ الدِّينَ الجديدَ لئلَّا تدفعَ الجزيةَ، وغيرَ ذلك من الأسبابِ التي أدَّت إلى نقصانِهم. وهذا موضوعٌ يطولُ،لكنْ إنْ ذكرْنا بعضًا ممّا استقَيْناهُ من كُتُبٍ رصينةٍ، فكانتْ نِسبةُ المسيحيّةِ في سوريا عامَ 1517م نحوَ 7%، وفي عامِ 1918م بلغتِ النِّسبةُ 30%، ثمّ ازدادتْ حتّى وصلتْ إلى 38% في أوائلِ عهدِ الاستقلالِ عن فرنسا، ووصلتْ نسبتُهم في عامِ 2011م إلى 11%. ونُلاحظُ أنّ نِسبةَ المسيحيّةِ في سوريا مُضطربةٌ، وربّما اليومَ—ونحنُ نكتبُ هذا البحثَ—لم يَعُدْ في سوريا أكثرُ من 360 ألفَ نسمةٍ.وأشيرُ إلى أنني استقيت هذه الأرقام والنسب من بعضَ الدراساتِ التاريخيةِ ومنها ما وردَ في (كتابِ اليهودِ والعربِ )لبرنارد لويس تشيرُ إلى أن المسيحيينَ الناطقينَ بالآراميةِ كانوا يشكلونَ نسبةً مرتفعةً من سكانِ سوريةَ قبيلَ الفتحِ الإسلاميِّ وكانت تُقدَّرُ بنسبٍ كبيرةٍ حتى تصل إلى أربعة ملايين نسمة .وفي بلاد مابين النهرين كان هناك 9 ملايين نسمة بحسب ما جاء في كتاب كنيستي السريانية للمطران الكاتب والشاعر اسحق ساكا.وكلُّ هذهِ الأرقامِ نتحفَّظُ على بعضِها,
أَما موضوعَنا الرئيسَ فهو أنَّ أبناءَ الأرضِ والتاريخِ اليومَ لا يُعامَلونَ معاملةَ المالكِ الحقيقيِّ، بل معاملةً تتجاوزُ كلَّ التَّسمياتِ، ويجري الاعترافُ بغيرِهم من قوميَّاتٍ، ولكونِهم مسالمينَ، لم نشهدْ حتَّى اليومَ مَن يُبشِّرُنا بأنَّ الدولةَ السُّوريَّةَ ستعترفُ بهم كمكوِّنٍ قوميٍّ له شخصيَّتُهُ وحقُّهُ الوجوديُّ واللغويُّ، وأنَّ السُّريانيَّةَ اليومَ، الآراميَّةَ، هي اللُّغةُ السُّوريَّةُ الأُمُّ، وإن كانت قد زاحمتها في القرنِ السابعِ الميلاديِّ اللُّغةُ العربيَّةُ، التي نشأت في رحِمِ اللُّغةِ الآراميَّةِ.
ما هو مطلوبٌ لتحقيقِ العدالةِ وإقرارِ الحقوقِ هو أن يتمَّ الاعترافُ الدُّستوريُّ بالمكوِّنِ السُّريانيِّ كجماعةٍ عِرقيَّةٍ قوميَّةٍ، وبلغتِهم السُّريانيَّةِ كلغةٍ وطنيَّةٍ ثانيةٍ بعدَ العربيَّةِ، وأن يُعامَلَ أهلُها على أنَّهم أهلُ البيتِ، وليسوا غرباءَ أو قادمينَ من المريخِ أو أيِّ كوكبٍ آخرَ.
نطالبُ الحكومةَ السُّوريَّةَ المؤقَّتةَ أن تُبادِرَ إلى الاعترافِ بنا وبلغتِنا السُّريانيَّةِ، وبدونِ مماطلةٍ، كما نرى أن تُسَنَّ قوانينُ تُجرِّمُ التَّنمُّرَ والاضطهادَ والغدرَ بأبناءِ السُّريانيَّةِ والأرمنيَّةِ؛ لأنَّ هذينِ المكوِّنَينِ مسالمانِ ومخلصانِ للوطنِ.
وفي هذا السِّياقِ التاريخيِّ العامِّ، فقد شهدت سوريَّةُ قبلَ الفتحِ الإسلاميِّ وجودًا مسيحيًّا واسعًا ومتنوعًا، إذ كانت البلادُ جزءًا من العالمِ البيزنطيِّ، وكان سكَّانُها يدينونَ بالمسيحيَّةِ على اختلافِ مذاهبِهم، ولم يكن المسيحيُّونَ جماعةً واحدةً، بل انقسموا إلى طوائفَ متعدِّدةٍ، أبرزُها السِّريانُ الأرثوذكسُ، والرومُ الأرثوذكسُ، وأتباعُ كنيسةِ المشرقِ.
ومع الفتحِ الإسلاميِّ، دخلت سوريَّةُ ضمن الدولةِ الإسلاميَّةِ، وبقي المسيحيُّونَ يشكِّلونَ جزءًا أساسيًّا من المجتمعِ، حيث مُنحوا وضعًا قانونيًّا ضمن نظامِ أهلِ الذمَّةِ، يضمنُ لهم حرِّيَّةَ العبادةِ مقابلَ التزاماتٍ ماليَّةٍ، واستمر وجودُهم في القرونِ الأولى مع احتفاظِ كثيرٍ منهم بلغاتِهم وثقافاتِهم، ولا سيَّما اللُّغةِ السُّريانيَّةِ.
ومع مرورِ الزمنِ، بدأت عمليَّةُ التحوُّلِ التدريجيِّ، سواءٌ على المستوى الدينيِّ أو اللغويِّ، حيث دخل عددٌ من السكَّانِ في الإسلامِ، وانتشرت اللُّغةُ العربيَّةُ بوصفِها لغةَ الإدارةِ والثقافةِ، ممَّا أدَّى إلى تراجعِ استعمالِ السُّريانيَّةِ في الحياةِ العامَّةِ، مع بقائِها في الإطارِ الكنسيِّ.
وخلال العصورِ الوسطى، استمر وجودُ الطوائفِ المسيحيَّةِ رغم التقلُّباتِ السياسيَّةِ، وفي العهدِ العثمانيِّ خضعوا لنظامِ المللِ، الذي منح الطوائفَ نوعًا من الإدارةِ الذاتيَّةِ، وأسهم في تثبيتِ الهويَّاتِ الطائفيَّةِ.
وفي العصرِ الحديثِ، ولا سيَّما منذ نشوءِ الدولةِ السوريَّةِ، شارك المسيحيُّونَ في الحياةِ العامَّةِ، وكان لهم حضورٌ في المدنِ الكبرى، غير أنَّ العقودَ الأخيرةَ شهدت تراجعًا في أعدادِهم نتيجةَ الهجرةِ والظروفِ المختلفةِ.
وهكذا يتبيَّن أنَّ الطوائفَ المسيحيَّةَ في سوريَّةَ مرَّت بتحوُّلاتٍ عميقةٍ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتى اليومِ، إذ انتقلت من حضورٍ واسعٍ إلى وضعٍ أقلَّ عددًا، مع احتفاظِها بتنوُّعِها الدينيِّ والثقافيِّ، واستمرارِ دورِها في تكوينِ المجتمعِ السوريِّ عبر العصورِ.
الخاتِمَة
يُبيِّنُ هذا البحثُ أنَّ الطوائفَ المسيحيَّةَ في سوريَّةَ مرَّت بمسارٍ تاريخيٍّ مركَّبٍ اتَّسمَ بالتدرُّجِ والتغيُّرِ المستمرِّ، منذُ الفتحِ الإسلاميِّ في القرنِ السابعِ الميلاديِّ حتَّى المرحلةِ المعاصرةِ. فقد انتقلت هذهِ الطوائفُ من موقعٍ ذي حضورٍ ديمغرافيٍّ وثقافيٍّ واسعٍ إلى وضعٍ أقلَّ عددًا، دونَ أن تفقدَ حضورَها النوعيَّ في البنيةِ الاجتماعيَّةِ والثقافيَّةِ للمجتمعِ السوريِّ.
وتُظهرُ المعطياتُ التاريخيَّةُ أنَّ هذا التحوُّلَ لم يكن نتيجةَ عاملٍ واحدٍ، بل جاءَ حصيلةَ تفاعلِ عواملَ متعدِّدةٍ، شملتِ التحوُّلاتِ الدينيَّةَ التدريجيَّةَ، والتغيُّراتِ اللغويَّةَ، ولا سيَّما انتقالَ الغالبيَّةِ إلى استعمالِ اللُّغةِ العربيَّةِ، إلى جانبِ العواملِ السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ التي أعادت تشكيلَ التوازناتِ السكانيَّةِ عبرَ العصورِ.
كما يُبرزُ البحثُ أهميَّةَ البُعدِ اللغويِّ في فهمِ مسألةِ الهويَّةِ، حيثُ شكَّلتِ اللُّغةُ السُّريانيَّةُ عنصرًا أساسيًّا في التعبيرِ عن الامتدادِ التاريخيِّ والثقافيِّ لهذهِ الجماعاتِ، رغمَ تراجعِ حضورِها في المجالِ العامِّ. ويكشفُ ذلكَ عن علاقةٍ وثيقةٍ بينَ اللغةِ والهويَّةِ، تتجاوزُ مجرَّدَ وسيلةِ التواصلِ إلى كونِها حاملًا للذاكرةِ الجماعيَّةِ.
وفي ضوءِ ما عُرِضَ من تحليلٍ، يتَّضحُ أنَّ إشكاليَّةَ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ اليومَ لا تقتصرُ على البُعدِ الديمغرافيِّ، بل ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمسائلِ الاعترافِ والهويَّةِ والانتماءِ، وهو ما تعكسُهُ بعضُ الخطاباتِ المعاصرةِ التي تربطُ بينَ العمقِ التاريخيِّ والمطالبِ الراهنةِ.
وعليهِ، فإنَّ فهمَ واقعِ هذهِ الطوائفِ يتطلَّبُ مقاربةً شاملةً تراعي تعقيدَ السياقِ التاريخيِّ وتعدُّدَ العواملِ المؤثِّرةِ فيهِ، بعيدًا عن التبسيطِ أو التفسيرِ الأحاديِّ. كما يستدعي ذلكَ إعادةَ النظرِ في موقعِ التنوُّعِ الدينيِّ والثقافيِّ ضمنَ البنيةِ الوطنيَّةِ، بما يُسهمُ في تعزيزِ التوازنِ المجتمعيِّ والحفاظِ على الإرثِ الحضاريِّ المتعدِّدِ الذي شكَّلَ سوريَّةَ عبرَ تاريخِها الطويلِ.
وهكذا يخلصُ البحثُ إلى أنَّ الطوائفَ المسيحيَّةَ في سوريَّةَ، رغمَ التحوُّلاتِ التي مرَّت بها، ما تزالُ تمثِّلُ عنصرًا أصيلًا في النسيجِ التاريخيِّ والثقافيِّ، وأنَّ استيعابَ هذا البُعدِ يُعدُّ مدخلًا ضروريًّا لفهمِ الواقعِ السوريِّ في حاضرهِ ومستقبلِهِ.
نتائِجُ البحثِ
توصَّلَ هذا البحثُ إلى مجموعةٍ من النتائجِ التي تُسهمُ في تفسيرِ تطوُّرِ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ ضمنَ سياقِها التاريخيِّ والاجتماعيِّ، ومن أبرزِها:
أوَّلًا: أنَّ الوجودَ المسيحيَّ في سوريَّةَ يُعَدُّ امتدادًا تاريخيًّا عميقًا سابقًا للفتحِ الإسلاميِّ، وأنَّ هذهِ الجماعاتِ شكَّلت مكوِّنًا أساسيًّا من مكوِّناتِ المجتمعِ في بلادِ الشامِ عبرَ قرونٍ طويلةٍ.
ثانيًا: أنَّ التحوُّلَ من الأكثريَّةِ النسبيَّةِ إلى الأقليَّةِ لم يكن حدثًا فجائيًّا، بل جاء نتيجةَ عمليَّةٍ تدريجيَّةٍ معقَّدةٍ، تداخلت فيها عواملُ دينيَّةٌ ولغويَّةٌ واجتماعيَّةٌ وسياسيَّةٌ، وهو ما ينفي التفسيراتِ الأحاديَّةَ لهذا التحوُّلِ.
ثالثًا: أنَّ التغيُّرَ اللغويَّ، ولا سيَّما الانتقالُ من السُّريانيَّةِ إلى العربيَّةِ، مثَّل عاملًا محوريًّا في إعادةِ تشكيلِ الهويَّةِ الثقافيَّةِ، دونَ أن يؤدِّي بالضرورةِ إلى انقطاعٍ كاملٍ مع الجذورِ التاريخيَّةِ.
رابعًا: أنَّ الطوائفَ المسيحيَّةَ حافظت على قدرٍ من الاستمراريَّةِ المؤسَّسيَّةِ والثقافيَّةِ، رغمَ التحوُّلاتِ السياسيَّةِ المتعاقبةِ، ولا سيَّما من خلالِ المؤسَّساتِ الدينيَّةِ واللغاتِ الطقسيَّةِ.
خامسًا: أنَّ نظامَ المللِ في العهدِ العثمانيِّ أسهمَ في تثبيتِ الهويَّاتِ الطائفيَّةِ، من خلالِ منحِ الجماعاتِ الدينيَّةِ نوعًا من التنظيمِ الذاتيِّ، الأمرُ الذي كان له أثرٌ ممتدٌّ في البنيةِ الاجتماعيَّةِ اللاحقةِ.
سادسًا: أنَّ المرحلةَ الحديثةَ شهدت تحوُّلاتٍ نوعيَّةً في موقعِ المسيحيِّينَ في سوريَّةَ، تمثَّلت في اندماجِهم في الحياةِ العامَّةِ من جهةٍ، وتراجعِ نسبتِهم العدديَّةِ من جهةٍ أُخرى، نتيجةَ عواملَ متعدِّدةٍ، من أبرزِها الهجرةُ والظروفُ السياسيَّةُ.
سابعًا: أنَّ مسألةَ الهويَّةِ السُّريانيَّةِ الآراميَّةِ الأشورية ما تزالُ حاضرةً في الخطابِ المعاصرِ، بوصفِها عنصرًا مرتبطًا بالامتدادِ التاريخيِّ، وبالمطالبةِ بالاعترافِ الثقافيِّ واللغويِّ.
ثامنًا: أنَّ الخطاباتِ المعاصرةَ، كما وردت في متنِ البحثِ، تعكسُ ترابطًا واضحًا بينَ الوعيِ التاريخيِّ والمطالبِ الراهنةِ، ولا سيَّما في ما يتعلَّقُ بالاعترافِ بالمكوِّناتِ الثقافيَّةِ واللغويَّةِ ضمنَ الإطارِ الوطنيِّ.
تاسعًا: أنَّ فهمَ واقعِ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ يتطلَّبُ مقاربةً متعدِّدةَ الأبعادِ، تتجاوزُ الاختزالَ الدينيَّ أو العدديَّ، لتشملَ الأبعادَ التاريخيَّةَ واللغويَّةَ والسياسيَّةَ.
وعاشرًا: أنَّ استمراريَّةَ هذهِ الطوائفِ ودورَها في المجتمعِ السوريِّ يرتبطانِ بمدى القدرةِ على تحقيقِ توازنٍ بينَ الخصوصيَّةِ الثقافيَّةِ والانتماءِ الوطنيِّ الجامعِ.
حاديَ عشرَ: دراسةُ إمكانيَّةِ الاعترافِ الدُّستوريِّ بالمكوِّناتِ التاريخيَّةِ ذاتِ الامتدادِ الحضاريِّ في سوريَّةَ، بما في ذلكَ السِّريانُ الآشوريُّونَ الكلدانُ والموارنةُ، ضمنَ إطارٍ يُراعي التعقيدَ التاريخيَّ والهويَّاتيَّ، وبما يُسهمُ في تنظيمِ العلاقةِ بينَ الانتماءِ الدينيِّ واللغويِّ والقوميِّ في بنيةِ الدولةِ الحديثةِ.
ثانيَ عشرَ: بحثُ سُبُلِ تعزيزِ الاعترافِ باللُّغاتِ التاريخيَّةِ، ولا سيَّما اللُّغةِ السُّريانيَّةِ، ضمنَ سياساتٍ ثقافيَّةٍ ولغويَّةٍ تُحافظُ على التعدُّديَّةِ، وتُسهمُ في صونِ الإرثِ الحضاريِّ.
ثالثَ عشرَ: تطويرُ مقارباتٍ دستوريَّةٍ وقانونيَّةٍ تُعزِّزُ مبدأَ المواطنةِ الكاملةِ بوصفِه إطارًا جامعًا، يضمنُ المساواةَ في الحقوقِ والواجباتِ لجميعِ المكوِّناتِ، دونَ إقصاءٍ أو تمييزٍ، مع مراعاةِ الخصوصيَّاتِ الثقافيَّةِ والتاريخيَّةِ.
رابعَ عشرَ: إعادةُ قراءةِ السَّرديَّاتِ التاريخيَّةِ الوطنيَّةِ بما يُبرزُ دورَ المكوِّناتِ الأصيلةِ في تشكيلِ المجتمعِ السوريِّ عبرَ العصورِ، ويسهمُ في بناءِ وعيٍ تاريخيٍّ أكثرَ شمولًا وتوازنًا.
خامسَ عشرَ: تشجيعُ بلورةِ رؤى فكريَّةٍ وسياسيَّةٍ تُعيدُ تعريفَ العلاقةِ بينَ الدولةِ والمجتمعِ على أساسِ التفاعلِ التاريخيِّ بينَ المكوِّناتِ المختلفةِ، بما ينسجمُ مع مفهومِ الدولةِ الحديثةِ القائمةِ على التعدُّديَّةِ والمواطنةِ.
وأخيراً
سوريَّةُ ستبقى، ولكنَّنا لا نريدُ لها أن تعودَ بنا إلى تاريخٍ دمويٍّ أو قهريٍّ، بل نرى أن تسعى جميعُ المكوِّناتِ القوميَّةِ، على اختلافِ دياناتِها ومذاهبِها، إلى طيِّ صفحةِ الماضي وبناءِ وطنٍ حضاريٍّ، كي لا ينقطعَ الفعلُ الإيجابيُّ للسوريِّينَ عبرَ التاريخِ. وإنَّ الأوطانَ لا تُبنى على مفهومٍ دينيٍّ أو مذهبيٍّ، بل على قراءاتٍ عالميَّةٍ تقدُّميَّةٍ.
إسحق قومي – Ishak Alkomi
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ ومؤرّخٌ سوريٌّ – ألمانيٌّ
مستشارُ شؤونِ الأقليّاتِ وحقوقِ الشعوبِ في ألمانيا
لدى منظّمةِ الضميرِ العالميِّ لحقوقِ الإنسانِ في العالمِ
*
ألمانيا، صبيحةَ عيدِ القيامةِ بحسبِ التقويمِ الغربيِّ، 5/4/2026م.
ملاحظة: نحنُ لم نذكرْ كلَّ الطوائفِ المسيحيَّةِ في سوريَّةَ، وهذا الأمرُ تطرَّقنا إليه في مقالٍ قديمٍ بعنوانِ المسيحيُّون السُّوريُّون نسبتُهم وعددُهم وقوميَّاتهم وطوائفُهم، كما لم نتطرَّقْ إلى الإخوةِ الأرمنِ أو المسيحيَّةِ السوريَّةِ الأرمنيَّةِ، بل نؤكِّدُ أنَّ غايتَنا هي ما يجري اليومَ للمسيحيَّةِ السوريَّةِ، وما يجبُ أن يتحقَّقَ لها من وجودٍ دستوريٍّ. لم ندَّعِ أنَّ بحثَنا شاملٌ جامعٌ مانعٌ، ولم نقلْ إنَّه مكتملُ الأركانِ، لكنَّنا حاولنا تقديمَ مختصراتٍ نتمنَّى أن نكونَ قد وُفِّقنا في تقديمِها.قائمة مراجع عربية
أولًا: مراجع تاريخية عامة.1.فيليب حتي، فيليب.تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين. بيروت: دار الثقافة، بدون تاريخ.2.ألبرت حوراني، ألبرت.تاريخ الشعوب العربية. ترجمة: كمال منصور. بيروت: دار النهار، 1997.3.عبد الكريم رافق، عبد الكريم.بلاد الشام في العصر العثماني. دمشق: دار الفكر، 1980.
ثانيًا: مراجع حول المسيحية في المشرق
4. كمال الصليبي، كمال.تاريخ المسيحية في المشرق العربي. بيروت: دار النهار، 1991.
5. نقولا زيادة، نقولا.المسيحية والعرب. بيروت: دار النهار، 1980.
6. يوسف الدبس، يوسف.تاريخ سوريا الكنسي. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1900 (عدة طبعات لاحقة).
ثالثًا: مراجع حول السريان واللغة السريانية
7. الأب ألبير أبونا، ألبير.تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية. بغداد: دار المشرق، 1973.
8. جورج قنواتي، جورج.دراسات في التراث العربي المسيحي. القاهرة: دار المعارف، 1960.
9. إغناطيوس يعقوب الثالث، إغناطيوس يعقوب الثالث.الكنيسة السريانية عبر التاريخ. دمشق: مطبعة البطريركية، 1982.
10. اسحق قومي،قبائل وعشائر الجزيرة السورية.1982م. طبعة ألمانيا في 2020م.
11. اسحق قومي، القصور والقصوارنة عبر التاريخ. 1968م. طبعة ألمانيا 2020م.
12. اسحق قومي، مئة عام مرت على بناء مدينة الحسكة.1966م. طباعة ألمانيا 2020م
رابعًا: مراجع فكرية وسوسيولوجية
10. برهان غليون، برهان.نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993.
11. عزمي بشارة، عزمي.الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2017..12.محمد جمال باروت، محمد جمال.التكوين التاريخي للمجتمع السوري. الدوحة: المركز العربي للأبحاث، 2013.



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُداخَلَةٌ ونِظامانِ داخليّانِ لِلمَجلِسِ الاِستِشاريِّ السّ ...
- على ضفافِ الحضاراتِ: التَّأثيراتُ المتبادلةُ بينَ حضاراتِ بل ...
- الأناجيلُ غيرُ القانونيةِ في المسيحيةِ المبكرةِ
- دعوةٌ إلى إعادةِ تأسيسِ الوعيِ الفلسفيِّ الإنسانيِّ: في مشرو ...
- اِسْتِسْقَاءُ المَطَرِ وَطُقُوسُ اِنْحِسَارِهِ فِي مِيثُيُول ...
- مُصارَحَةٌ تَأْرِيخِيَّةٌ.
- لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في ا ...
- هل هناكَ حياةٌ بعدَ الموتِ نقدُ مفهومِ الآخرةِ في الوعيِ الد ...
- مُذَكِّرَةٌ دُسْتُورِيَّةٌ بِشَأْنِ تَكْرِيسِ الْحُقُوقِ الْ ...
- إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس
- الدِّينُ وَالعِلْمُ بَيْنَ التَّعَارُضِ وَالتَّكَامُلِ: نَقْ ...
- السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الشَّرْقِ الأ ...
- عشتار الفصول: 11805 رأيٌ في الحقوقِ الوطنيّةِ السُّوريّة
- تغيير السيرة الذاتية
- أفكارٌ عن التراث وأهميّة إعادة قراءته قراءةً جديدةً
- إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق ...
- نتائج نهاية عام 2025م صراع الأجيال بين التربية التقليدية وال ...
- دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَقْوِيمِيَّةٌ لِبَحْ ...
- قريةُ تَلِّ جَميلو:
- الدَّوْلَةُ السُّورِيَّةُ بَيْنَ الإِنْكَارِ وَالِانْهِيَارِ ...


المزيد.....




- في تصريحات لـCNN.. أول تعليق إيراني على -تهديدات- ترامب
- بالأسماء.. ترامب يهاجم دولاً -لم تقدم العون- في حرب إيران
- -إيران تفاوض بنية حسنة-.. ترامب: الثلاثاء هو الموعد النهائي ...
- سخرية مستفزة للمسلمين.. ترامب يدرج عبارة -الحمد لله- في تهدي ...
- الصليب الأحمر: التهديد باستهداف البنى التحتية والمنشآت النوو ...
- خامنئي تعليقاً على اغتيال خادمي: -لن تنالوا من عزيمة قواتنا ...
- تحذير من حادث إشعاعي خطير..غروسي يدعو لوقف الهجمات قرب محطة ...
- فايننشال تايمز تطلق مسحا عالميا لهندسة غرف أخبار المستقبل
- نيويورك تايمز: 4 خيارات لإعادة فتح مضيق هرمز أحلاها مُر
- الدوحة تبحث مع شركائها الدوليين استمرار العدوان الإيراني على ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - الطَّوائفُ المسيحيَّةُ في سوريَّةَ منذُ الفتحِ الإسلاميِّ حتَّى اليومِ