وائل حامد غانم
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 21:56
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
الفصل الرابع
الذكاء العاطفي مهارة يمكن اكتسابها
العمق التاريخي للذكاء العاطفي
صحيح أن مصطلح الذكاء العاطفي حديث نسبياً إلا أن جذور الذكاء العاطفي ضاربة في أعماق التاريخ وقد تكون هذه الفضيلة وجدت منذ أن وجد الإنسان الأول على الأرض فمن يتتبع حياة الإنسان البدائي وسكان الكهوف يجد أن الإنسان قد ابتكر وطور دائماً الوسائل التي تحقق له الراحة والسعادة فالرسوم و النحوت التي ما زالت تكتشف تبين أن الإنسان قد عرف منذ القدم معنى تشكيل الجماعات وأهمية القائد والمميزات الفكرية للقائد الناجح وعرف القادة على مر العصور الطريقة التي يديرون بها مجموعاتهم من خلال فهمهم العميق لطريقة تفكيرهم وإرضاء مشاعرهم كما تم ابتكار أساليب اتصال وتواصل بين أفراد المجتمعات فحتى وسائل القنص والدفاع عن النفس هي نوع من الذكاء الاجتماعي يتمثل في مهارة الإنسان على تطويع الواقع لمصلحته بل إنّ تلك الرسوم والنقوش آنفة الذكر بحد ذاتها تظهر مدى قدرة الإنسان على الوصول لمكنونات ذاته والتعبير عنها
وإن المتتبع لمسيرة الأنبياء عليهم السلام يجد ملامح عاطفية تميزهم عن غيرهم من البشر الآخرين كالمحبة والحلم والصبر والصدق والأناة والتعاون وتفهم الآخر بل إن المتتبع لسيرتهم
التبشيرية يلاحظ كم يحملون من مهارات الذكاء العاطفي تتجلى في فهمهم العميق لنفوس قومهم ودعوتهم لهم بالطريقة التي تناسب عقولهم وخصائص مشاعرهم وأحاسيسهم وقد يكون ذلك من أهم وسائلهم لإيصال فحوى رسالتهم السامية إلى قلوب أبناء عصرهم ومن يقرأ تعاليم السيد المسيح التي تؤكد على المحبة والرحمة والتسامح حتى مع من ظلمه وطلبه من ربه الصفح عنهم باعتبارهم لا يدركون حقيقة ونتيجة فعلهم يبرهن بشكل واضح خصائصه النفسية وعواطفه تجاه المجتمع وتفهمه لطبيعة أفراده..ويجعل منه قدوة تحتذى للباحث عن معاني الذكاء العاطفي والتواصل الاجتماعي ...
كذلك قد تجلت عند العرب منذ الجاهلية عادات وأعراف ذات منشأ عاطفي نبيل كالإيثار والتعاون وإغاثة الملهوف كما أن أشعار المديح والثناء عندهم كانت تنطلق من فهمهم العميق لمشاعر الآخر وإدراكهم لما يرضيه ويسره وإلا لما كانت هذه الأشعار تؤتي بؤكلها مطلقاً
ومع الثورة الفكرية التي تجلت بظهور الإسلام ،بدأت تتضح من خلال القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد (ص) الأبعاد العظيمة للعواطف الايجابية السامية وأثرها في المجتمع الجديد فنجد أن آيات الكتاب تمتدح النبي في أماكن متعددة بما يحمل من مشاعر وخصائص عاطفية من مثل (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك )* فهذه الآية الكريمة تدل على الأثر الكبير لمعرفة النبي(القائد) طريقة تفكير من يخاطبهم وبالتالي بناء الإلفة معهم وبالتالي تجمعهم حوله وركز القرآن الكريم على إظهار هذه المشاعر السلوكية ومدحها وأحض عليها(وتواصوا بالحق،وتواصوا بالصبر ) *(وتواصوا بالمرحمة)
وقوله تعالى مادحاً نبيه ( انك لعلى خلق عظيم) * ومن أثر اللغة التي هي أساس التآلف والتقارب قوله تعالى (مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)*- وقوله تعالى(ادفع بالتي هي أحسن )* كل ذلك تعاليم سماوية مقدسة تحث على المحبة وإشاعة مشاعر السلم و الإلفة بين عناصر المجتمع وهذا هو الهدف الأسمى من تطبيق الذكاء العاطفي كاسلوب حياة
وكانت سيرة رسول الله محمد (ص) عبقة بالأحداث والمواقف التي تدل على عمق خبرته وصدق عواطفه في التعامل مع أتباع الرسالة وما قوله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ووصيته (تهادوا تحابوا)..أو(خياركم أحسنكم أخلاقاً الذين يألفون ويؤ لفون). و(اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلقٍ حسن)وغيرها إلا مثال واضح عن أهمية التواصل العاطفي في المجتمع وتعميق معاني المحبة والتقارب بين الناس والذي يمكن أن يكون بحثاً مفرداً شديد الغنى
**************
هل يمكن تعلم واكتساب الذكاء العاطفي
لقد ذكرت خلال طرحي هذا كلمة مهارة الذكاء العاطفي في أكثر من موضع فهل أن الذكاء العاطفي هو مهارة يمكن تعلمها
أقول إن الإنسان في أي ظرف وأي زمان يستطيع أن يتعلم أي شيء يريده ولكن بالتصميم والمثابرة وما هوممكن لغيري ممكن لي إذا عرفت كيف أبحث عنه وإذا تعبت في تعلمه لأن من يريد أن يقوم بالعمل بيسر يجب أن يتعب في تعلمه أولاً
ووسائل تعلم مهارة الذكاء العاطفي متاحة للجميع لأنها تنطلق من الذات منها:
-البحث عن تحديد العواطف التي تمر بي وتسميتها باسمها –أن تعيش اللحظة فالماضي ذهب والمستقبل غير موجود والموجود هو الآن فتعرف عليه وعشه
-ممارسة التنفس السليم لفترات محددة يوميا
-الاسترخاء ومحاولة التواصل مع العقل اللاوعي ومع أجزاء الذات
- الإيحاء الايجابي وتقديم رسائل ايجابية للذات بشكل دائم
-الإلمام بأنظمتي التمثيلية ومحاولة تدريب الأنظمة الضعيفة وتقويتها للقدرة على التنقل بين الأنظمة
-تنمية إرهاف الحواس ودقة الملاحظة التي تجعل الشخص يفهم الأهواء المختلفة في المجتمع ويتعامل معها
-تعلم فن المعايرة لمعرفة التغيرات التي تطرأ على الآخر عند انتقاله من حالة شعورية إلى حالة شعورية أخرى وتشمل (التنفس –الفم والشفة العليا-قسمات الوجه –وهيئة الجسم- لون البشرة-النغمة الصوتية) وبتحديدها يعرف الشخص إن كان فعله أو قوله قد آذى الطرف الآخر فيجب عليه تغيير الإطار والسياق بما يصفي وينقي الجو النفسي المحيط أو قد يكون التأثير ايجابياً وريحاً عندها يستطيع أن يضفي من شخصيته ما ينمي هذا الشعور ويعمق هذا الجو التفاعلي الجميل
-تعلم صناعة الإلفة والتوافق مع الآخرين
--الدراسة المعمقة لعلم البرمجة اللغوية العصبية واكتساب تقنياته التي تساعد في التطور والتواصل وتجاوز العقبات المقيدة
خلاصة حكيمة ووصايا مفيدة لنا جميعاً:
أعط الناس أكثر مما يتوقعون وتوقع منهم نتائج منطقية
قل كلمة حب بصدق
أنت تستجيب وفق خارطتك ويمكنك تطويرها
عندما تعتذر انظر إلى عيني الشخص المعني
فكر بسرعة وتكلم ببطء
لا يوجد فشل بل تجارب وخبرات
احترم :نفسك والآخر وتصرفاتك
ابتسم عندما ترد على الهاتف فالآخر سيشعر بذلك
كن متسامحاً فلا يوجد إنسان بلا خطأ
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لن تلقى الذي لن تعاتبه
أعمالنا تحددنا بقدر ما نحددها
لا يستطيع أحد أن يزعجني دون رضائي
ازرع شجرة اليوم تنم في ظلها غداً
خاتمة
إن موضوع الذكاء العاطفي موضوع غني ومتشعب وأتمنى أن أكون قد قدمت لمحة وان كانت مختصرة حوله وان أكون قد وفقت بتسليط الضوء على جوانبه لما له من أهمية في تحقيق النجاح والسعادة في الحياة
وتراني في هذه الخاتمة أعود على ما بدأت منه وهو الذات والتأكيد على معرفتها والتصالح معها وإنشاد السلام الداخلي لان الخارج هو انعكاس للداخل وأن النور الذي يضيء داخل النفس لا يستطيع ظلام العالم أن يمحوه
ومشوار الألف ميل يبدأ من مكان قدميك وما عليك إلا إن تجعل قدميك بالاتجاه الصحيح
فاحمل مصباحك وأضئ درب ذاتك لأن الضوء سيعم العابرين معك وسرّ عظمة النور أنه مهما أعطى وبأي حدود.. لا ينقص منه شيئا .
وان كنت تبحث عن السعادة فلا تذهب بعيداً احمل روحك وتغلغل في حدائق ذاتك فهنا مكمن السعادة .
المراجع
دانيال جولمان..كتاب الذكاء العاطفي
هرد جريندر..نظرية الذكاءات المتعددة
د محمود خوالدة..الذكاء الانفعالي
كراسات ونوط دورات nlpالبرمجة اللغوية العصبية صادرة عن هيئة البورد الأمريكي ABNLP
وائل غانم
#وائل_حامد_غانم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟