ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 16:16
المحور:
الادب والفن
.
كنتُ أدرسُ خُطواتي بعنايةٍ، وأُحاولُ جاهدًا أن أضعَ الحُلولَ التي أراها مناسبةً على ضوءِ ما يجري من تطوّراتٍ متلاحقةٍ.
فبعدَ إلحاقِ الهزيمةِ بحِزبِ البعث، وانتهاءِ سَيطرةِ الحرسِ القوميِّ على السُلطةِ والتحكُّمِ في كافّةِ مَفاصِلِ الحياةِ ومَرافِقِ الحكومةِ، أصبحتِ الفُرصةُ لمُغادرةِ العراقِ أكثرَ يُسرًا.
قلتُ لعمّي ونحن على مائدةِ العشاءِ في بيتهم:
أرغبُ أن أحصلَ على جوازِ سفرٍ، فهل لديكَ معارفُ في دائرةِ جوازاتِ الناصرية؟
نظر نحوي وكأنَّه فوجِئ.
قال: نعم، ابنُ أُخ خالتِك أمُّ حمزة يعملُ مفوّضًا في دائرةِ الجوازات.
حينما ذهبنا في اليوم التالي، كانت الدائرةُ مكتظّةً بالمراجعين على نحوٍ لم أكن أتوقّعه.
قال عمّي للرجل عند الباب
أبو إسماعيل، هل يمكنكَ أن تُخبرَ المفوّضَ مجيدًا أنَّ عمَّه عبد الكريم يريده؟
نظرَ إليه الرجلُ بشيءٍ من التعالي وقال بلهجةٍ باردة
-لا أعتقدُ أنَّه يتمكّنُ من الخروج... ألا تُشاهدُ الزحام؟
قال عمّي بحزم:
سنعودُ غدًا.-
كانت الجملةُ التي نطقها حازمةً، بحيث لم تتركْ مجالًا للمناقشة.
قال بعد قليل: كان يجب أن أتصلَ به وأُرتّبَ الزيارة.
وفي المساء قال: سأذهبُ إلى بيتِ مجيدٍ لترتيبِ الموضوع
في صباحِ اليوم التالي، ذهبنا إلى بيتِ المفوَّضِ مجيد.
استقبلَنا وهو يرتدي جلابيّةً بيضاءَ تُبرزُ كرشَهُ المتقدّم، ورحّبَ بنا بحفاوةٍ مبالغٍ فيها.
وحين عرضَ عليه عمّي الموضوع، بعد أن قدّمني له، قال مجيد:
-بسيطة... مشكلةٌ واحدةٌ فقط تعترضُنا. فالدكتورُ موظّفٌ، ويُفترضُ أن يُبرزَ موافقةَ المستشفى الذي يعملُ به.
قلتُ: «أنا الآنَ خارجُ العمل، فقد فُصِلتُ بسببِ غيابي أكثرَ من سبعةِ أيامٍ.
قال وهو يبتسم: حسنًا... أمرٌ آخر.
تطلّعَ عمّي نحوه باستغرابٍ، فقال المفوّضُ مازحًا
لا عليك، الأمرُ الآخرُ سهل... وجبةُ كبابٍ لي وللضابطِ أبو أيمن.-
ضحكَ عمّي وقال ممازحًا:
-ولِمديرِ الجوازاتِ أيضًا؟
ضحكَ الجميعُ، ثم ونحن ننصرفَ ٌقال مجيد:
كلُّ شيءٍ سيكونُ جاهزًا غدًا بإذنِ الله.-
أمسكتُ بجوازِ السفرِ بيدٍ مرتجفةٍ، وكأنّي ألمسُ وعدًا بالخلاص.
لم يكنْ مجرّدَ دفترٍ صغيرٍ، بل حياةً مؤجَّلةً وسماءً تنتظرُني منذُ زمنٍ.
اختلطتْ في صدري رعشةُ الفرحِ بمرارةِ الفقد، كأنَّ كلَّ صفحةٍ فيه تحملُ وجوهَ من سأتركهم خلفي.
كان قلبي يسافرُ قبل جسدي، يتنقّلُ بين الشوقِ والذنبِ، بين الأملِ والخذلان.
وفي عينيَّ بريقُ نجاةٍ خافتٌ، يشبهُ ضوءًا بعيدًا في آخرِ ليلٍ طويلٍ.
كأنَّ العالمَ أخيرًا فتحَ لي نافذةً بعد طولِ اختناقٍ.
من نوبةِ الفرحِ التي دهمتني فجأةً، قبّلتُ عمّي وقلتُ له بامتنانٍ:
لن أنسى أنَّك ساهمتَ في صنعِ مستقبلي.-
اتّصلتُ بسوسن لأُبشّرَها بأنّنا نضعُ أقدامَنا على أولِ الطريق.
قلتُ لها: اعملي جهدَكِ في الحصولِ على جوازِ السفر، لأنّنا سنغادرُ بأقربِ فرصةٍ.
قالتْ ضاحكةً: لا أعرفُ أن أزغرد! مبروك... جوازي جاهز. لا تنسَ أن تحافظَ على موافقةِ جامعةِ لندن، فالسفارةُ ستطلبُها للفيزا. ستفرحُ أمّي رغمَ أنّه يعزُّ عليها أن أفارقَها. لقد أعلمتُها أنَّنا سنأتي كلَّ عطلةٍ... لكنْ يتبقى موضوعٌ مهمّ، هل نتحدّثُ به الآنَ أم حينَ تحضرُ إلى بغداد؟
قلتُ متوجّسًا: «لقد أقلقتِني... ما هو الموضوع؟-
قالتْ بصوتٍ متردّدٍ: «يُؤسفني طرحُ الموضوعِ في ظلِّ ظروفِك المعقّدة.
قلتُ: لا بأس، لقد أثرتِ فضولي.
قالتْ بهدوءٍ: موضوعُ زواجِنا.
شعرتُ بارتياحٍ، رغم أنَّ موضوعَ الزواجِ لم يخطرْ ببالي.
قلتُ: حسنًا، ماذا عن زواجِنا؟
قالتْ: «هل نذهبُ إلى لندن كمخطوبين؟
قلتُ: لا... رأيي أنْ نذهبَ كزوجين. سأكونُ في بغدادَ بعد عشرةِ أيامٍ، لأنّي أرغبُ في ترتيبِ الأمورِ الماليةِ لدراستِنا ومصاريفِنا في لندن. عند حضوري، وبعد الحصولِ على الفيزا البريطانية، نقومُ بإجراءاتِ الزواجِ، وأتركُ لكِ تنظيمَ التفاصيل. تعلمين، هذا هو حلمي الأكبر.
سادَ صمتٌ للحظاتٍ، ثم قلتُ:
سوسن، هل أنتِ على الخط؟
قالتْ بصوتٍ مبحوحٍ: «نعم.»
شعرتُ أنّها كانت تبكي، فتابعتُ:
سأنتظرُ مجيئكِ، ولكنّي سأخبرُ العائلة.-
جرتِ الأمورُ بسرعةٍ ويُسرٍ.
رتّبتُ أوّلًا مع عمّي وعددٍ من أبناءِ العائلة أن يُرسلوا حوالاتٍ ماليةً باسمي، لضمانِ توفّرِ ما يكفي من المبالغ، بعد أن فتحتُ حسابًا في بنكٍ بريطاني. كما حوّلتُ أكثرَ من ألفَي دينارٍ إلى العملةِ البريطانية، لتكونَ معنا، وكذلك ما يكفي لمصاريفِ العُرسِ في بغداد.
كانت أمي باديةَ الحزنِ لفراقي، ورغمَ ضعفِ نظرِها، كانت لا تنفكُّ تحدّقُ بي بولهٍ حينَ أكلّمُها عن سفري.
حينَ أدخلُ عليها في غرفتِها التي تلازمُها طوالَ النهار، كنتُ أراها قربَ النافذة، تُحدِّقُ في الأفقِ البعيد، كأنّها تبحثُ بين الغيومِ عن ملامحي.
ما زالتْ تُصغي إلى صدى خطواتي الأخيرةِ في البيتِ، يهمسُ في أرجائِه.
وحينَ وقفتُ أقبّلُها للمرّة الأخيرة، بينما أبو شاكر يُزمِّرُ لي كي أستعجل، قالتْ وهي تُغالِبُ دموعَها:
سعيد... وعني بعيد.-
في بغداد، لم أتوقّع أن أنجزَ كلَّ مهامي بهذه السرعة.
القسمُ القنصليُّ في السفارةِ البريطانيةِ ختمَ الفيزا على الجوازين في أقلَّ من ساعةٍ، وتمنّى لنا القنصلُ الشابُّ وهو يبتسمُ النجاحَ في دراستِنا.
قمنا بتنظيمِ حفلةِ زواجٍ عائليةٍ على نطاقٍ ضيّقٍ، وتمَّ ختمُ عقدِ الزواجِ في المحكمة.
وفي الطريقِ إلى المطار، رافقنا باسل، الذي كان يتمتّعُ بعلاقاتٍ واسعةٍ حتى في مطارِ بغدادَ الدوليّ.
أدهشتني تلك السهولةُ، ونحن نربطُ الأحزمةَ داخلَ الطائرة.
قالت سوسن وهي تبتسمُ بارتياحٍ:
الآن فقط أشعرُ أننا نجحنا في السفر.-
ارتسمتْ على وجهِها ابتسامةٌ واسعةٌ، شَعَّ في عينيها بريقٌ لامعٌ، يُعبّرُ عن بهجةٍ لا حدودَ لها، وضغطتْ على يدي قائلةً:
لن نسمعَ بيحيى بعدَ اليوم، ولا بالحرسِ القوميّ. سيكونُ كلُّ ذلك ذكرياتٍ نرويها لأولادِنا.
قلتُ مبتسمًا:
-كم سيكونُ جدّي هلالٌ فرِحًا، وهو يتسلّى مع أولادِنا. سنُواصلُ بناءَ العائلةِ الكبيرةِ التي رغبَ فيها، ولكنْ على نحوٍ آخر.
مساءَ حصولِنا على نتيجةِ الدكتوراه، قرّرنا أن نسهرَ بمشاهدةِ مسرحيةٍ إنكليزيةٍ كانت مثارَ اهتمامِنا وحديثِ الطلّاب، وهي (الطبقةُ الحاكمة).
كانت تسخرُ من النظامِ البريطانيِّ وتُناصرُ الطبقةَ الوسطى، ثم نذهبُ بعدها إلى مطعمِ «لا روشِيه» الفاخر.
اعترضتْ سوسن على فكرةِ المطعم، لأنّه مكلفٌ ولا ضرورةَ لذلك، سيّما ونحن نعودُ إلى العراقِ وعلينا الاقتصاد.
قلتُ لها مبتسمًا:
-هذا بالضبط ما يدفعنا لأن نتمتّعَ بآخرِ أيّامِنا في لندن
في الأيامِ الثلاثةِ التي سبقتْ عودتَنا، قامتْ سوسن بشراءِ الهدايا، وكان من نصيبِ سهيلٍ، ابنِ باسل، الحصّةُ الأكبر.
قالتْ سوسن بحماسةٍ:
-نعودُ عبرَ إسطنبول، لأنّ في نفسي رغبةً في زيارةِ جزيرةِ الأميرات، فقد كانت أمّي تُحدّثنا عن بيتِ جدّي هناك
قلتُ: هل تكفي أربعةُ أيّام؟
قالتْ: أسبوعٌ...نحن بحاجة الى راحة تسبق ما ينتظرنا في بغداد من عمل، متابعةِ تصديقِ الشهاداتِ إلى البحثِ عن مستشفى مناسب
قلتُ ساخرًا: «أسبوعٌ لا بأس، أمّا متابعةُ التصديقِ فنعم، لكنّ اختيارَ المستشفى ترفٌ لا يتوفّرُ في العراق
في إسطنبول، كان الفندقُ في مدخلِ جادّةِ الاستقلال، قريبًا من مراكزِ التسوّق. وكان عادةً مزدحمًا بالسائحين.
في اليومِ الثاني، قمنا بالحجزِ لرحلةٍ نهاريّةٍ إلى جزيرةِ الأميرات.
تناولنا الفطورَ على عجلٍ، وعند بابِ الفندقِ كان كشكٌ لبيعِ الصحف.
وقفَ أكثرُ من عشرةِ أشخاصٍ يشترون جريدةَ الصباحِ التركيّة، التي تصدّرتْ صفحتُها الأولى بالخطِّ العريض:
I HTILAJT BAGHDAD
أمسكتُ بيدِ سوسن، فالتفتتْ نحوي مستفسرةً.
قلتُ بقلقٍ: من احتلَّ بغداد؟»
بدتْ مستغرِبةً، ظنّتْ أني أُمزح.
اشتريتُ الجريدةَ، بينما البائعُ ينظرُ إليَّ باستغرابٍ.
قلتُ لها: قد نجدُ أحدًا في الباخرةِ يترجمُ لنا ما حصل
بعد أن استقرّينا داخلَ الباخرة، بدأتُ أبحثُ عن شخصٍ يُجيدُ الإنكليزية، لِيُترجمَ لي ما في الجريدة.
كان أمامي شابٌّ تركيٌّ يمسكُ بمظلّةٍ وكتابٍ، فظننتُه ضالّتي. تقدّمتُ منه وسألته بالإنكليزية:
-هل يمكنكَ أن تترجمَ لي هذا العنوان؟
رفعَ رأسَه ناحيتي، تطلّعَ في الجريدة، وقال:
-إنها تقول: هناك انقلابٌ في بغداد.
قلتُ متسائلًا بذهولٍ: ولكنْ، هل من أسماء؟
قال: لا، لكنّي سمعتُ من الـ(بي بي سي) أنّ قائدَ الانقلابِ يُدعى أحمد حسن البكر.»
تجمّدتُ في مكاني، كأنّ الكلماتِ خنجرٌ غُرسَ في صدري.
نظرتُ إلى سوسن، فشهقتْ بصوتٍ خافتٍ، ثم قالتْ
-مستحيل! كيف؟ متى؟
لم أستطع أن أجيبَها.
كان صخبُ المحرّكِ يملأُ الباخرة، لكنّي لم أسمعْ شيئًا.
تلاشتِ الأصواتُ، غابَ البحرُ، وذابتِ الوجوهُ.
كلُّ ما سمعتُه كان نداءً بعيدًا، يخرجُ من عمقِ القلب...
جلسنا صامتين، والمطرُ ينهمرُ على زجاجِ النوافذ، كأنّه يُشاركُنا البكاء.
فتحتُ الجريدةَ أبحثُ عن سطورٍ أخرى تُوضّحُ الخبر، فكانت الحروفُ تلتهمُ بعضها، كأنّها نارٌ تشتعلُ في الورق.
كلُّ شيءٍ من حولِنا فقدَ لونه؛ البحرُ الرماديُّ ازداد رمادًا، والسماءُ بدتْ كأنّها ترتدي كفنًا من الغيم.
همستْ سوسن بصوتٍ مرتجفٍ:
-هل نعودُ فورًا؟
قلتُ: «إلى أين؟ إلى مدينةٍ أُغلقتْ بوّاباتُها بالنار؟
بقيتْ تنظرُ إلى الأفقِ، ثم قالتْ بإصرارٍ خافتٍ
-سنعودُ... ولو على الرماد.
كانت السفينةُ تمخرُ الماءَ ببطءٍ، والمدينةُ خلفَنا تبتعدُ شيئًا فشيئًا.
مددتُ يدي إليها، فوضعتْ كفَّها فوقَ كفّي، وقالتْ بصوتٍ خافتٍ كالدعاء
-سيشفى الوطنُ يومًا، كما تلتئمُ الجروح.
أطرقتُ برأسي، وابتسمتُ بحزنٍ، وأنا أستعيدُ عنوانَ رسالتي القديمة:
«التئامُ الجروحِ باستخدامِ الخلايا الجذعية.»
تساءلتُ في نفسي:
أترى، هل يمكنُ أن نزرعَ في وطنٍ مثخنٍ بالجراح، خلايا من أملٍ تُعيدُ إليه الحياة؟
وبينما كانت السفينةُ تقتربُ من جزيرةِ الأميرات، كان في داخلي بحرٌ آخرُ لا يهدأ...
بحرٌ من الحنين، ومن الوطن.
في الفندق، طلبتْ سوسن القهوةَ بصوتٍ خافتٍ، بينما كنتُ أحدّقُ في النافذةِ التي ظلّ المطرُ يقرعُ زجاجَها كأنّه يُذكّرُنا بالرحيل.
قالتْ وهي تضعُ الفنجانَ أمامي:
-والآن... ما هو الموضوع؟
قلتُ بصوتٍ مثقَلٍ بالدهشةِ والخذلان:
-عادَ البعثُ إلى السلطة.
توقّفتْ عن شربِ القهوة، ووضعتِ الفنجانَ على الطاولةِ بارتباكٍ واضحٍ.
قالتْ بعد لحظةِ صمتٍ طويلةٍ:
-لقد فهمتُ...
ثم تابعتْ بصوتٍ خافتٍ
-والآن؟
نظرتُ إليها طويلاً، ثم قلتُ ببطءٍ:
-ما تقرّرينَه أنتِ... لدينا خياران.
قالتْ بهدوءٍ حازمٍ:
-أعتقدُ أنَّ من الأفضلِ العودةَ إلى إنكلترا والعملَ في مستشفى الكليّة. ولكن... ماذا تفعلُ بكلّ ما اشتريناه؟
قلتُ وأنا أتنفّسُ بعمقٍ:
-غدًا أبعثُه بالبريد إلى أخيك باسل
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟