|
|
مزامير الماء /رواية /الفصل الخامس
ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 23:28
المحور:
الادب والفن
الفصل الخامس أيقظَتْني أُمِّي بشيءٍ من التَّردُّدِ والهُدوءِ، وكان الظَّلامُ ما يزالُ يتمدَّدُ، ومن بعيد.ٍ كانت حُزَمُ البَرْدي والقَصَبِ تبدو غابةً مُكتظَّةً، ونسيمٌ رَطْبٌ يمسحُ سقفَ الدار. بدأ سريري المصنوعُ من جريدِ النخلِ يئِنُّ وأنا أتقلَّبُ قبل أن أنهض. عند البابِ كانت سيَّارةُ أبي شاكر تدورُ مُحدِثةً صوتًا ناعمًا، فيما كان هو يجلسُ خلفَ المقود، على رأسِه كوفيَّةٌ ملفوفةٌ من الأمام وتنسدلُ على كتفيه. أبو شاكر لا يلبسُ العقالَ كما يفعلُ رجالُ الهور أو القُرى المُحيطةُ به، وكنتُ مُعجبًا بذلك، حتى إنِّي نويتُ أن أفعلَ مثلَه إذا كَبِرتُ. بعد أن استقرَّ بي الحالُ وأبي في مقدِّمةِ السيَّارةِ، توجَّهنا إلى ضِفَّةِ الهور لنجمعَ بائعي السَّمكِ والقيمرِ والطُّيور. في الطريقِ كان الكلُّ يتحدَّثون وكأنَّهم في عَجَلةٍ، حتى إنَّهم لم يُراعوا وجودَ الشَّيخِ عبد السَّلام بينهم. أبي وأبو شاكر لم يتبادلا غيرَ تحيَّةِ الصباح، وربَّما كان كلٌّ منهما يفكِّرُ في أمورٍ بحاجةٍ إلى الحلِّ. كان بيتُ عَمِّي عبد الكريم بواجهةٍ من الطابوقِ الأصفر، يتوسَّطُ جدارَه المُطِلَّ على الشارع بابٌ خشبيٌّ ذو ظلفتين، وفي المنتصفِ مقبضٌ نُحاسيٌّ كبيرٌ لطرقِ الباب. كانت تدورُ في ذهني أفكارٌ مُختلطةٌ حتى إنِّي تعبتُ من تتبُّعِها، فقرَّرتُ أن أتطلَّعَ إلى البيوتِ على جانبي الطريق ونحنُ ندخلُ النَّاصريَّة، وإلى الناسِ الذين يبدون على عجلةٍ من أمرهم. الناسُ في الأهوار، والجاموسُ، والطُّيورُ التي تزورُ الأهوارَ، يتحرَّكون ببطءٍ واسترخاء، وبعضُهم يُغنِّي وهو يدفعُ بالمِشحوفِ عبرَ طُرُقاتٍ ضيِّقةٍ بين حُزَمِ القصبِ والبَرْدي. كان استقبالًا حافلًا؛ ضمَّتْني زوجةُ عمِّي إلى صدرها، ووقفتْ ابنتُها الوحيدةُ أمامي بضفيرتها الطويلةِ وثوبِها المنقوشِ بصورٍ حمراءَ ووجهِها الممتلئ، وهي تتطلَّعُ إليَّ بشيءٍ من الفضول. قال عمي: ـ غدًا سأذهبُ لتسجيلِه في المدرسة، بالمناسبة هي قريبةٌ من الدار. أخرجَ أبي لفَّةً صغيرةً من النقودِ الورقيَّة وقال: ـ هذه مصاريف جواد، يوميًّا عشرةُ فلوس، ومصاريفُ احتياجاتِه الأخرى في البيت، وكُلُّ ما يحتاجُه من ملابسَ للمدرسة. لم يعترضْ عمي، تناول اللفَّةَ ووضعَها في جيبه. في الطريقِ إلى المدرسة شعرتُ بشيءٍ من الرَّهبة؛ عند الملا مهدور لم يراودني ذلك، فقد كنتُ أعرف أني ابنُ الشيخِ عبد السلام.. جرى كلُّ شيءٍ بسرعة، وحينما عدتُ إلى البيتِ شعرتُ أني غيري، قبل أن أُسجَّلَ تلميذًا في مدرسةِ فيصل الثاني الابتدائية للبنين. سألتُ عمي عمَّا يكونُ «البنين»، فقال وهو يبتسمُ ويربِّتُ على كتفي: ـ يعني الأولادَ مثلك، وهناك مدارسُ للبنات. تآلفتُ مع المدرسة، بل أكثر من ذلك؛ كانت بالنسبة لي عالمًا مُدهشًا. نتجمَّعُ صباحًا لنرفعَ العلمَ وننشدَ للملك، ثم ننصرفُ إلى الصفوف. بدأتُ أتعلَّمُ أشياءَ لم أسمعْ بها من قبل ، وكنتُ أقرأ في الصفِّ قراءةً جعلتني في المقامِ الأوَّل عند معلِّمينا، وعلى وجهِ الخصوصِ عند مُعلِّمِ الدينِ والقراءة. كان يطلبُ منِّي أن أتلُو بعضَ السُّورِ من القرآنِ أو أقرأَ في كتاب «المياسة والمقداد»، وهو يُنصتُ والتلاميذُ كنَّا في السوق، أنا وعمِّي. سأل عمِّي زوجتَه: ـ ماذا تُريدين؟ قالت: لعّابة. وحينما سألني، قلتُ: تغريبة بني هلال. نظر نحوي متعجِّبًا وقال: ـ وأين أجدها؟ في النَّاصريَّة لا توجد مكتبات، وليس لدي وقت لأذهب إلى سوق الشيوخ، فقد سمعتُ بمكتبةٍ لجامع آل حيدر، وإن كنتُ أشكُّ في أنَّ لديهم هذا الكتاب. ثم توقَّف ملتفتًا إليَّ وسأل: ـ سيرة مَن؟ قلتُ: بني هلال. وتابعت: موجودة عند العطّار في أوَّل السوق. حدَّق بي عمِّي طويلًا، لكنه لم يتكلَّم. أمسك بيدي وتوجَّهنا إلى العطّار.. كانت المدرسة تمثِّل لي حياةً مختلفة. دخلتُها وأنا أشعر أني أفتح بابًا لعالَمٍ جديد. كلُّ شيءٍ كان مختلفًا عن قريتي الصغيرة: الصُّفوف مرتَّبة، والمعلِّم يشرح بثقة، والطُّلاب يرفعون أيديهم بحماس. كنتُ أستمع بانتباه، وأتخيَّل كيف سأعود يومًا إلى الرِّيف لأُعلِّم الأطفال هناك ما تعلَّمتُه. كانت المدرسة بالنسبة لي مثل نافذةٍ على المستقبل، ومن خلالها رأيتُ حلمي يكبر شيئًا فشيئًا. ما عزَّز مكانتي في المدرسة وجعلني موضع إعجاب التلاميذ والمعلِّمين..... هو تلاوتي للقرآن صباحَ يومٍ شتائيٍّ.استدعاني المعلِّم نظام استدعاني معلم الدين إلى غرفة المعلِّمين، وقال ـ تقرَّر القيام بحفلٍ تأبينيٍّ لصاحبة الجلالة الملكة عالية غدًا في المدرسة، وسيحضر مديرُ معارف اللواء ...، ويُفتَتَح الحفلُ التأبينيُّ بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم. ولمعرفتي بحسن تلاوتك، فقد رشَّحتُك لهذه المهمَّة. فهل أنت مستعدٌّ؟ شعرتُ بخليطٍ من الفخرِ والخوف؛ فأنا أتلو القرآنَ في الصفِّ، لكن لم يحدث أن قمتُ بذلك أمام جمهور. قلت: نعم. ابتسم وقال: ـ جميل، ولكنَّ رغم صوتك الذي يحمل شحنةَ أَسًى وعذوبةٍ، إلَّا أنه غيرُ ملتزمٍ بضوابط الإيقاع. شعرتُ بالاستغراب، فقلت ـ لم أسمع بهذا من قبل، ما معنى الإيقاع في قراءة القرآن؟ قال: ـ التلاوة تكون عادةً وفق مقاماتٍ لحنية، وأفضل مقامٍ لتلاوة القرآن على الميت هو مقام البياتي، لما يحمله من خشوعٍ وحزنٍ. قلت: ـ كنتُ أتلو عند معلِّمي الملا مهدور، وفي صباحات العيد في بيتنا حين تتجمَّع العائلة قبل صلاة العيد، ولم يُخبرني أحدٌ عن البياتي. ضحك المعلِّم نظام الدين وقال: ـ تلاوتك جيِّدة، ومع بعض التدريب السريع يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا. هل في ذهنك سورةٌ معيَّنة؟
قلت: ـ سورة يس قال: ـ إذن، اذهب إلى البيت وأخبرهم بأنك ستتأخَّر في المدرسة للتمرين على التلاوة. في صباح اليوم التالي، لم نقف لتحيَّة العلم ولا للنشيد. كان التلاميذ يقفون على شكل مربعٍ مكوَّنٍ من صفَّين، يعلوهم حزنٌ، ويلفُّهم صمتٌ قَلِق. في وسط الساحة منضدةٌ خشبيَّةٌ عليها غطاءٌ أسود، وفي وسطها كرسيٌّ من الكراسي التي كنَّا نستعملها عند الملا مهدور، عليه نسخةٌ كبيرةٌ من القرآن مفتوحةٌ على سورة يس أعلن المعلِّم نظام الدين سبب الاجتماع، قائلاً: ـ نجتمع اليوم لتابين صاحبة الجلالة المكة عالية وافضل ما نبدأ به تلاوة من القران المجيد من سورة يس يتلوها عليكم زميلكم جواد عبد السلام,. شعرتُ بشيءٍ من الامتعاض، فأنا جواد بن الشيخ عبد السلام، كما أني أتلو سورة "يس" التي أحفظها. كانت تلك أوَّل مرةٍ أواجه فيها جمهورًا ينصت ويتطلَّع نحوي بفضول. وحين رفعتُ صوتي، ران في الساحة صمتٌ عميق، وتغيَّر كلُّ شيء. انساب صوتي نقيًّا كالماءِ، رخيمًا كصوتِ البلبل في الفجر. سكنت الساحةُ تمامًا، لا ضحكَ ولا حركة، حتى أنفاسُ التلاميذ بدت وكأنها توقَّفت احترامًا لذلك النور الخارج من بين شفتيّ. اقترب أحدُ المعلِّمين من زميله وقال هامسًا: ـ هل تسمع هذا الصوت؟ كأنَّه قارئٌ من دار الإذاعة العراقية. أومأ الآخر إعجابًا وقال: ـ صوتٌ يملأ القلبَ إيمانًا... سبحان من ألهمه هذا الجمال. حين انتهيتُ من التلاوة، عمَّ الصمتُ لحظة، ثم انفجر الجميع بتصفيقٍ حارٍّ. ارتسمت على وجهي ابتسامةٌ خجولة، وارتجف صوتي وأنا أقول: ـ الحمد لله. اقترب منِّي المعلِّم نظام الدين، وربَّت على كتفي قائلًا: ـ أحسنتَ يا جواد، لقد جعلتنا جميعًا نخشع معك. استمرّ، فصوتك هبةٌ من الله. عدتُ إلى مكاني في الصفِّ المعتاد.، ما حصل منحني شعورًا بالتفوّق، وأثار في نفسي نزعةَ غرورٍ صغيرة. فكَّرتُ أني ابنُ هيَّال. كانت رقية، ابنةُ عمِّي، عند الباب الذي فُتِح قليلًا لترقُب الطريق، وعلى وجهها مسحةٌ مختلطةٌ من اللهفة والفرح... كانت بانتظاري. قالت: ـ قبل قليلٍ أخبرتني صديقتي خنساء. ثم صمتت، وتطلَّعت في وجهي وهي تشبك يديها على صدرها. شعرتُ بفرحٍ غامر، وحين دخلتُ استقبلتني زوجةُ عمِّي بزغرودةٍ وقبَّلتني. لم يكن عمِّي في البيت. شعرتُ بإعياءٍ، فكلُّ هذا الفرح يضغط على مشاعري، وأعادني إلى جوِّ المدرسة، حين كنتُ أتجاوز توتّري وأنا أتقدَّم نحو وسط الساحة لأجلس على الكرسيِّ والجميعُ وقوفٌ يتطلَّعون إليَّ بمشاعرَ وأفكارٍ متباينة. في الليل، وأنا أُغطِّي وجهي ببطَّانيةٍ ملوَّنة، شعرتُ أني إنسانٌ آخر، فقد كان ما حقَّقتُه مدخلًا لشخصيَّةٍ جديدة، وقد تعرَّفتُ على هذا التغيّر في السنوات اللاحقة. أدركتُ أنَّ الحياة لا تحتاج إلى الكثير كي تتبدَّل، وأنَّ فعلًا صغيرًا يمكن أن يُوقظ فينا إنسانًا نائمًا. منذ ذلك اليوم تغيَّرت نظرتي للعالم، صرتُ أرى في الوجوه قصصًا، وفي الكلمات بريقًا، وفي الأفعال الصغيرة معنى كبيرًا. أدركتُ أنَّ التغيير ربما لا يحتاج إلى صوتٍ عالٍ. كانت زوجةُ عمِّي تتكلَّم بصوتٍ هادئٍ، ولكنَّه حازم: ـ فكِّر بجواد. كانت تُحدِّث عمِّي. تفتَّحت حواسي كلُّها فضولًا لأعرف ماذا تريد. قال عمِّي: ـ ولكنَّها أكبرُ منه بثلاث سنوات. ابتسمتُ وأغمضتُ عينيّ. لم أكن أفكِّر بها أصلًا. مرَّت السنوات ببطءٍ وأنا أنتقل من الدراسة المتوسِّطة إلى الثانوية، مُحقِّقًا كلَّ عامٍ مستوى متقدِّمًا. كنتُ أقضي الصيفَ في قرية البو هيَّال، أجلس على ضفاف الهور الذي بدأ بالتراجع منكمشًا على نفسه. وأحيانًا كنتُ أتعرف إلى بعض الغرباء، كانوا مثقَّفين، لكني كنتُ مرتابًا وخائفًا بعض الشيء. كانوا يتوزَّعون على امتداد الهور في النَّاصريَّة، وبعضهم كان يتنقَّل حتى مدينة القرنة شمالَ البصرة، يحملون كراريسَ في الدراسات النظرية عن الاشتراكية والديمقراطية وقضايا فلسفية أخرى. يوم قُبِلتُ في كلية الطِّب، لم أرَ الفرح على وجه زوجةِ عمِّي، فقد كان الأمرُ بالنسبة لها خسارتي، لأنِّي سأنتقل إلى بغداد. أمَّا عمِّي فقد رافقني إلى بغداد.
كنتُ في السنة الرابعة، وقرَّرتُ أن أقضي العطلة بين النَّاصريَّة وقرية البو هيَّال. بدأ أبي يُعاني من النِّقرس، الذي لم يترك له حريةَ التجوُّل في الهور أو السفر خارج القرية. توسَّعت القرية، وأصبح السوقُ الصغير شارعًا مكتظًّا بالمحالِّ المتنوِّعة، يقصده أبناء المنطقة من الفهود وحتى نصر السواري. خرجتُ من بيت عمِّي. كانت رقية تسكن في الطابق العلوي مع زوجها وابنتيها. سوقُ النَّاصريَّة فوضى منظَّمة، الطلَبَةُ ينادون على بضاعتهم، من ملابس الأطفال إلى السمك والباذنجان والعمبة الهندية. شعرتُ بتعبٍ، فتوجَّهتُ إلى أوَّل مقهى في الشارع المزدحم بسياراتٍ من كلِّ مصانع العالم. كانت المقهى مزدحمةً، يسودها صمتٌ نسبيٌّ ؛ الجميعُ يتابعون مباراةً بكرة القدم يُبثُّها تلفازٌ موضوعٌ على منضدةٍ عالية. يبدأ الصراخُ والشتائمُ حين يُخطئ أحدُ اللاعبين. كانت هناك منضدةٌ وحيدةٌ على الرصيف، يجلس عليها شابٌّ رفع قدميه عليها. نظرتُ إلى الكرسيِّ بجانبه وقلتُ: ـ هل يمكن أن أجلس، رجاءً؟ لم يردَّ، لكنه أنزل قدميه. كان يتطلَّع نحوي بلا مبالاة. كنتُ أرتدي الزيَّ المحلي: جلابيةً بيضاء، فوقها عباءةٌ شفَّافةٌ سوداء، ويشماغًا عراقيًّا فوقه عقال. لم يحضر النادل بعد، وبدأت مقدِّماتُ موجةِ غبارٍ تدخلُ الشارع، ثم تكاثف الرملُ الذي تحمله ريحٌ شديدة. هرع الجميعُ الى الداخل يشتم ويسارع بالمغادرة، خفَّت زحمةُ السيارات وتوقَّف المارَّة. رفعتُ يشماغي لأُغطِّي فمي وأنفي، لكني لم أبرح مكاني. توقَّف رجلٌ بشعرٍ أشعثَ وعينين تدوران على نحوٍ لافت، لم يكن مهتمًّا بالغبار الرملي، وقال: ـ مرحبًا محمد. لم أُجِب. فأعاد التحية: ـ هل تتكلَّم معي؟ ـ وهل غيرك على التخت؟ ـ ولكني لستُ محمدًا. ـ لا تتغابَ، أنا أعرفك جيِّدًا. قبل أسبوعٍ اشتريتُ منك سلَّةَ سمكٍ وثلاثًا من الخُضيري. ـ فعلًا، أنا لستُ محمدًا. اسمي جواد، وأنا طالبٌ في كلية الطبِّ ببغداد، وأسكن في قرية البو هيَّال. ـ تتغابى؟ لن ينفعك ذلك. ثم غادر. قال النادلُ الذي كان يضع منديلًا على فمه: ـ هل تشرب شيئًا؟ قلت: ـ نعم، حامض. قال: ـ يوجد شاي فقط، نومي البصرة مقطوع. قلت: ـ لا بأس، شاي. بعد قليلٍ توقَّف أمامي ثلاثةٌ بملابسَ مدنيةٍ. قال أحدهم: ـ هل تتفضَّل معنا؟ ـ إلى أين؟ ـ أنت مطلوبٌ للوحدة الخاصة. ـ لماذا؟ ـ هناك ستعرف. كان النادل ينظر نحوي بإشفاقٍ، ممَّا أثار في نفسي الشكوك. قلت: ـ هل تسمحون بالاطلاع على هويَّاتكم؟ تبادلوا النظرات، وردَّ أحدهم، وكان قصيرَ القامة، داكنَ البشرة: ـ نعم. وأخرج هويَّةً رسميَّة: خلف جَعاز مهدي، نائب عريف.دخلنا مبنًى عاديًّا بعد الباب كان شرطيَّان يجلسان على مقعدين حديديَّين متقابلين. قال أحدهم: ـ جئتم به؟ شعرتُ أنَّ الموضوع جدِّيٌّ، وأنِّي متَّهمٌ فعلًا. كان ذلك تثبيتًا لشكوكي الممزوجة بموجةِ خوفٍ غريزيٍّ. نقر "خلف" على بابٍ خشبيٍّ مدهونٍ بلونٍ بُنِّيٍّ قاتمٍ، ربما منذ سنوات. سمعنا صوتًا يقول: ـ ادخل... سحبني خلفَه برفق. كانت رائحةُ المكان مزيجًا من الورق القديم والقهوة المرَّة والسجائر... رائحةَ تعبٍ وبقايا أسرار. كان وراء مكتبٍ حديديٍّ تتكدَّس فوقه أضابيرُ مختلفةٌ رجلٌ بدينٌ، وجهُه شبهُ دائريٍّ، تدور عيناه بشيءٍ من الرِّيبة والمكر. أدَّى خلف التحيَّة العسكريَّة وقال: ـ سيدي، جئنا بمحمد. قلتُ: ـ ولكني لستُ محمدًا، أنا جواد ابن الشيخ عبد السلام العرباوي من قرية البو هيَّال، وأنا طالبٌ في كلية الطب ببغداد... رفع الرجلُ، الذي خلف المكتب، يده إشارةً للصمت، وقال بصوتٍ جافٍّ: ـ هل أذنتُ لك بالكلام؟ ـ آسف، أستاذ. ـ لستُ أستاذًا، ونحن لسنا في ثانوية الناصرية... أنت هنا في منظمة التحقيق الخاصة. جلس على كرسيٍّ خشبيٍّ، ويده تعبث بمسبحته في حركةٍ قلقة، بينما كان صوته الداخلي لا يكفّ عن السؤال: ـ سيدي، أعتقد أنَّ هناك سوءَ فَهْمٍ، فأنا كما قلتُ لستُ::...... شعرت ان الأرض تمسك بكاحليه . المكتب بسيطٌ، الإضاءة قويةٌ أكثر مما يجب، والكرسي المقابل خالٍ إلا من ظلال الشك. المحقِّق البدين لا يرفع نظره ، يُقلِّب أوراقًا، ثم يسأل بصوتٍ متزنٍ وبارد: ـ ما هي الزمرُ الإرهابيةُ المعاديةُ للثورة في منطقة الهور؟ في تلك اللحظة، شعرتُ أنَّ كلَّ حرفٍ من اسمي يُسحَب منِّي شيئًا فشيئًا. حاولتُ أن أبدو هادئًا، أن أضبط صوتي، لكنّ نبرتي خانتني بين الخوف والإنكار والرجاء. كانت في صدري رغبةٌ غامضةٌ بالصراخ. قال الرجلُ ببرود: ـ اسمع، ليس لديَّ وقتٌ أضيِّعه معك، سأحوِّلك إلى الملازم عبد الواحد. رفعتُ عينيَّ إليه، وفيهما سؤالٌ أكبر من القضية نفسها: هل سأخرج اليوم بريئًا كما دخلت؟ أم سيبقى هذا الجدار الرماديُّ شاهدًا على لحظةٍ انكسر فيها يقيني بالعالم؟ كان الملازم عبد الواحد في هيئته يُشبه أحدَ القتلة في مسلسلٍ أمريكيٍّ شاهدتُه على التلفاز في نادي كلية الطب ليلةَ شتاء، كنتُ فيها في مناوبةٍ بالمستشفى. أمسكني عبد الواحد من ياقة جلابيَّتي، متعمِّدًا إيقاع العباءة على الأرض، ومشى بضع خطواتٍ ليدفعني بعنفٍ إلى غرفةٍ شبه مظلمة. قال بصوتٍ خشن: ـ سأختصر عليك الطريق... من هذه الغرفة لن تخرجَ إلا ميتًا أو مُعترفًا. أنت مَن يختار. ولكن تأكَّد أنَّك إن لم تتعاون معنا، فسنجرِّب أوَّلًا أشكالًا لم تسمع بها من التعذيب:. سأتركك نصف ساعة، وسيقدِّم لك المعين الشاي لتسهيل انطلاق لسانك. لم أستطع التماسُك، جلستُ القرفصاء على الأرض العارية، مكوَّمًا على نفسي. تركتُ مستنداتِ التعريفِ الرسمية في بيتِ عمِّي، وليس من حلٌّ لهذا الإشكال إلا الله؛ فالجماعةُ يرغبون، وباتجاهٍ جادٍّ، في حسمِ قضيَّةِ محمد العماري، المنسِّق لشؤونِ المقاومة في الأهوار. كنتُ قد سمعتُ به مرَّةً من أبي، إذ كان يُحدِّثني أنَّه زارهم مرتين للحصول على بعض المعونة من الملابس والسكر والشاي؛ أمورُ الطعام يحلُّها الهورُ الزاخرُ بها. سمعتُ جلبةً وطرقعةَ أحذيةٍ عسكريةٍ على الممرِّ الإسمنتي، ثم صوتَ أحدِهم يُعلن بلجاجةٍ: "االعميد إسماعيل عند الباب." ومن الفتحة الصغيرة في الباب رأيتُ البطين يتقدَّم وهو يُعدِّل وضعَ البيريّة على رأسه. لم أتبيَّن العميدَ جيدًا، لكنِّي سمعته يقول: ـ إذًا، فقد تمَّ حلُّ مسألة محمد العماري؟ ـ نعم، سيدي. ـ أين هو؟ توجَّه أحدُهم ليفتح باب غرفة التعذيب. نهضتُ مستعينًا بما بقي لي من قوَّة، ودخل اثنان. كان من الصعب تبين ملامحهما، فقد كنتُ أواجه مصيرًا غايةً في التعاسة، فضلًا عن الظلمة التي تعمُّ الغرفة. كان العميد يجلس على كرسيِّ البطين، وقد وضع البيريّة على المنضدة. كان ممتلئًا، بوجهٍ صارمِ التقاطيع، وشواربَ سوداء كثّة، وشعرٍ يذكّرني بالممثّل المصري أنور وجدي. حين واجهته بدا طيفٌ من الاستغراب على وجهه، وقال: ـ هل أنتَ محمد العماري؟ ـ لا، سيدي. أنا جواد ابنُ الشيخ عبد السلام من قرية البو هيّال. ـ هل معك إثبات؟ ـ لا، سيدي… المستندات في بيت عمِّي عبد الكريم. ـ عبد الكريم العرباوي؟ ـ نعم، سيدي. قال للبدين: ـ اطلب السائق. ثم أضاف: ـ خذ جوادًا إلى العنوان الذي يزوّدك به، ليجلب مستنداته. كان البطين يُرِين على وجهه خيبةَ أملٍ ممزوجةً باستغرابٍ قَلِق. حين عدتُ بالمستندات، تصفَّحها العميد وقال: ـ اجلس… هل تحتاج إلى ماء؟ ـ شكرًا، سيدي، أحتاج إلى كأسٍ من الشاي. ابتسم قليلًا وقال: ـ لقد عرفتك وأنت تدخل. أنا وأبوك رفقة، وقد كنتُ أراك في الصيف حين أزوركم. ثم أضاف بنبرةٍ فيها شيءٌ من الأسف: ـ أعتذر عمّا حصل، فـ العماري سببٌ لكلِّ من يعمل في دوائر الأمن صداعًا. منذ سنتين ونحن نتتبَّعه دون جدوى. كان هذا هو الحدثُ الثاني في بناءِ شخصيَّتي الحذرة والمنطوية.
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مزامير الماء/رواية /الفصل الرابع
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الرابع
-
مزامير الماء /رواية / الفصل الثالث
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الثاني
-
مزامير الماء رواية /الفصل الاول
-
قمري
-
النبوءة السوداء
-
رواية البحث عن بطل للكاتب السعودي خالد سعيد الداموك
-
لماذا هزمنا
-
قراءة في كتاب
-
. الممهدات الاجتماعية والسياسية والفكرية لولادة الحزب- الحزب
...
-
الرجل الذي نظر الى قدميه
-
شيئ قد لايكون حقيقة
-
رؤية مختلطة
-
حالة
-
نص
-
ذكرى ليست قريبة
-
ضوء / رواية
-
الهروب الى الغرق
-
ضوء /رواية .......1992.......الهجرة الى اوربا
المزيد.....
-
على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا
...
-
الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت
...
-
المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
-
كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م
...
-
تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن
...
-
-خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين
...
-
7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
-
أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
-
عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية
...
-
كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|