|
|
مزامير الماء / رواية / الفصل الرابع
ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 14:58
المحور:
الادب والفن
الفصل الرابع
السَّنَوَاتُ الخَمْسُ مَرَّتْ سَرِيعًا، وَلَكِنَّهَا أَنْتَجَتْ بَدَايَاتِ الحُلْمِ الَّذِي سَكَنَ خَيَالَهُ. كَانَ يَجْلِسُ مَسَاءً عِنْدَ حَافَّةِ المِيَاهِ، الْتَفَتَ إِلَى الْخَلْفِ وَتَنَفَّسَ بِعُمقٍ مُسْتَشْعِرًا رَاحَةً عَمِيقَةً. الْبَيْتُ الْوَحِيدُ الَّذِي بَنَاهُ أَصْبَحَ قَرْيَةً صَغِيرَةً، ثَمَانِيَةُ بُيُوتٍ مُتَلَاصِقَةٍ تُشَكِّلُ نِصْفَ دَائِرَةٍ. كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُنَفِّذَ مَا كَانَ يَحْلُمُ بِهِ، مَعَ مُرَاعَاةِ بِيئَةِ الأَهْوَارِ وَالْحَاجَةِ لِضَمَانِ إِمْكَانِيَّةِ الدِّفَاعِ عَنْ عَائِلَتِهِ إِذَا مَا تَعَرَّضَتْ لِهُجُومِ اللُّصُوصِ أَوْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، سِيَّمَا وَأَنَّ الدَّوْلَةَ العُثْمَانِيَّةَ لَمْ تُوْلِ المِنْطَقَةَ أَيَّ اهْتِمَامٍ، وَتَرَكَتْهَا لِإِمَارَةِ السَّعْدُونِ، الَّذِينَ كَانَ جُلُّ اهْتِمَامِهِمُ الحُصُولَ عَلَى العَائِدِ المَالِيِّ عَنْ طَرِيقِ مُلْتَزِمٍ يَدْفَعُ مُقَدَّمًا وَيَتَوَلَّى جِبَايَةَ الضَّرَائِبِ، وَتَرَكُوا مَسْأَلَةَ الأَمْنِ لِشُيُوخِ المِنْطَقَةِ. كَانَتِ البُيُوتُ الَّتِي شَيَّدَهَا خِلَالَ السَّنَوَاتِ الخَمْسِ يُحِيطُ بِهَا سُورٌ بِارْتِفَاعِ ثَلَاثَةِ أَمْتَارٍ، يَبْعُدُ عَنْهَا نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِتْرًا. فِي المَسَافَةِ الخَلَاءِ كَانَ صِغَارُ العَائِلَةِ يَلْعَبُونَ... كَانَ أَطْفَالُ أَبْنَائِهِ وَابْنَي خَدِيجَةَ يُشَكِّلُونَ فَرِيقًا لا يَتْعَبُ. يَتَنَقَّلُونَ مِنَ اللَّعِبِ فِي المِسَاحَةِ التُّرَابِيَّةِ إِلَى الهُورِ، حَيْثُ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ بِعَصًا مِنَ القَصَبِ يَرْبِطُونَ بِهَا نَصْلًا حَادًّا، ثُمَّ يَعُودُونَ بِالسَّمَكِ لِلسَّاحَةِ التُّرَابِيَّةِ، حَيْثُ يُوقِدُونَ النَّارَ وَيَشْوُونَهُ. شَعَرَ هَيَّالٌ بِأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يُؤَسِّسَ قَاعِدَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ، مِمَّا بَعَثَ فِي مَشَاعِرِهِ دَفْعَةَ رِضًا. كَانَ يَضَعُ قَدَمَيْهِ فِي المَاءِ، فِيمَا كَانَتْ أَسْمَاكٌ صَغِيرَةٌ نَزِقَةٌ تَطُوفُ حَوْلَهُمَا أَوْ تُلَامِسُهُمَا. بَدَأَ ضَبَابٌ شَفَّافٌ يَهْبِطُ عَلَى المَاءِ كَوِشَاحٍ مِنْ رَمَادٍ. تَقَدَّمَ بضعَ خُطُوَاتٍ فِي المَاءِ، القَصَبُ مِنْ حَوْلِهِ يَهْمِسُ بِصَوْتِ الرِّيحِ، كَأَنَّ الطَّبِيعَةَ كُلَّهَا تَتَحَدَّثُ لُغَةً لا يَفْهَمُهَا أَحَدٌ. مُنْذُ الصَّبَاحِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِأَنَّ شَيْئًا مَا مُخْتَلِفٌ، لَكِنَّهُ لا يَعْرِفُ مَا هُوَ بِالضَّبْطِ. كَانَ حَمْزَةُ يَقِفُ عِنْدَهُ. العَمُّ عَبْدُ الرِّضَا يَقُولُ إِنَّ الأَمِيرَ نَاصِرًا تَوَلَّى إِمَارَةَ السَّعْدُونِ. لَمْ يُعَلِّقْ، وَاسْتَدَارَ عَائِدًا إِلَى البَيْتِ. فَكَّرَ كَمْ كَانَ الشَّيْخُ مُجْبِلٌ حَصِيفًا وَلَدَيْهِ قُدْرَةٌ عَلَى تَتَبُّعِ الأَحْدَاثِ. بَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى "عَكْدِ الهَوَى" بَدَأَ يُوَسِّعُ نِطَاقَ عَلاقَاتِهِ فِي دَائِرَةِ وُجَهَاءِ السَّعْدُونِ، وَمِمَّا خَلَصَ إِلَيْهِ أَنَّ الأَمِيرَ القَادِمَ سَيَكُونُ نَاصِرَ بَاشَا، وَمِمَّا اسْتَنْتَجَهُ أَيْضًا أَنَّ نَاصِرَ بَاشَا يَحْلُمُ بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سُوقِ الشُّيُوخِ إِلَى عَكْدِ الهَوَى لِيَبْنِيَ عَاصِمَةَ الإِمَارَةِ. بَدَأَ يَشْتَرِي البَسَاتِينَ عَلَى جَانِبَيِ الفُرَاتِ بِعَقْلِيَّةِ تَاجِرِ عَقَارَاتٍ مُحْتَرِفٍ. كَانَ يَمْشِي بَيْنَ الأَزِقَّةِ القَدِيمَةِ كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ ظِلٍّ يَعْرِفُهُ مُنْذُ زَمَنٍ. لا أَحَدَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَلا أَحَدَ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ. كَانَ حُضُورُهُ يُشْبِهُ الغِيَابَ، وَكَلِمَاتُهُ قَلِيلَةٌ، لَكِنَّهَا حِينَ تُقَالُ، تَتْرُكُ أَثَرًا لا يُمْحَى. "أَنَا مُشْتَرٍ حَقِيقِيٌّ، وَالدَّفْعُ بِاللِّيرَةِ الذَّهَبِيَّةِ وَفَوْرًا..." فِي المَقَاهِي الَّتِي تَهْجُرُهَا الضَّوْضَاءُ، يَجْلِسُ قُرْبَ النَّافِذَةِ، يَطْلُبُ قَهْوَتَهُ السَّوْدَاءَ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى كُلِّ مَا يُقَالُ: "حُسَيْنٌ لا يُمْكِنُهُ تَسْدِيدُ الضَّرَائِبِ وَيُفَكِّرُ بِالْبَيْعِ..." كُلُّ بَيْتٍ مَهْجُورٍ، وَكُلُّ أَرْضٍ مَنْسِيَّةٍ، يَرَى فِيهَا مَا لا يَرَاهُ الآخَرُونَ. لا يَشْتَرِي الجُدْرَانَ، بَلْ يَشْتَرِي الزَّمَنَ القَادِمَ الَّذِي سَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا. يُوَقِّعُ العُقُودَ بِيَدِهِ الهَادِئَةِ، وَيُغَادِرُ بِلَا ضَجِيجٍ. النَّاسُ لا يُدْرِكُونَ أَنَّهُ يَجْمَعُ الخُيُوطَ الخَفِيَّةَ لِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ. هَكَذَا هُوَ، لا يَتَعَجَّلُ، لا يُرَاهِنُ عَلَى الصُّدْفَةِ، بَلْ يَسْمَعُ الهَمْسَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى صَخَبٍ. يَشْتَرِي بِصَمْتٍ مَا سَيَغْدُو لَاحِقًا حُلْمًا يَتَسَابَقُ النَّاسُ إِلَيْهِ... وَلَكِنَّهُ وَحْدَهُ كَانَ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ مُنْذُ البِدَايَةِ. غَادَرَ صَبَاحًا إِلَى "سُوقِ الشُّيُوخِ" الَّتِي كَانَتْ بَوَّابَةَ الأَهْوَارِ، وَطَلَبَ مِنْ ابنه سلطان أَنْ يُعِدَّ القَارِبَ. قَالَ سلطان: "هَلْ أُرَافِقُكَ؟ فَقَدْ يُتْعِبُكَ المردي أَوِ التَّجْدِيفُ فِي الفُرَاتِ." رَدَّ بِـ"لا" كَبِيرَةٍ اسْتَغْرَبَهَا سلطان. "نَعَمْ، كُنْتُ أَحْلُمُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ حُلْمُ يَقَظَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حِسَابَاتٍ. الأَمِيرُ نَاصِرُ بَاشَا بَعَثَ يَطْلُبُ أَنْ أُقَابِلَهُ. أَعْرِفُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنِّي الآنَ أَكْبَرُ مُلَّاكٍ فِي عَكْدِ الهَوَى، وَهُوَ سَيَبْدَأُ بِعَمَلِيَّةِ بِنَاءِ دَارِ الإِمَارَةِ." كَانَ الأَمِيرُ نَاصِرٌ وَاضِحًا جِدًّا، لَمْ يَدْخُلْ فِي أَيَّةِ مُقَدِّمَاتٍ. بَعْدَ القَهْوَةِ فِي دَارِ الإِمَارَةِ قَالَ: "إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِي مَقْهَى أَبُو زِنَادٍ وَبُسْتَانَ زَايِر نَعِيمَةَ الَّذِي يَقَعُ خَلْفَهُ، وَبُيُوتًا قَدِيمَةً فِي زُقَاقِ عَكْدِ الهَوَى، وَرُبَّمَا لَاحِقًا بَسَاتِينَ قَرْيَةِ آلِ صَفَرٍ. لا أُخْفِيكَ أَنَّهَا لِبِنَاءِ دَارِ الإِمَارَةِ وَدُورِ الحُكْمِ اللازِمَةِ. أَنَا أَعْرِفُ الأَسْعَارَ الَّتِي اشْتَرَيْتَ بِهَا، فَكُلُّ شَيْءٍ مُسَجَّلٌ فِي دَائِرَةِ العَقَارِ، كَمَا أَعْرِفُ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ بِقَصْدِ الرِّبْحِ. -قُلْ سِعْرَكَ فُوجِئْ بِذَلِكَ، وَلَكِنِّه بِرُوحِيَّةِ المُقَامِرِ قال: "عَنْ أَيِّ أَسْعَارٍ تَتَحَدَّثُ أَمِيرَنَا الكَبِيرُ؟ أَنَا ابْنُ هَذِهِ الإِمَارَةِ، وَمَا أَمْلِكُهُ هُوَ مِلْكُهَا أَصْلًا. هَلْ يُمْكِنُ أَنْ أَعْتَبِرَهَا مُسَاهَمَةً فِي بِنَاءِ إِمَارَتِكُمُ العَظِيمَةِ؟"
كَانَتِ الشَّائِعَاتُ وَالأَقَاوِيلُ وَمَا يَتَدَاوَلُهُ الشُّيُوخُ الَّذِينَ أَلْتَقِيهِمْ كُلُّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ الأَمِيرَ نَاصِرًا كَرِيمٌ وَيَفْتَخِرُ بِذَلِكَ. ابْتَسَمَ وَمَدَّ يَدَهُ يُصَافِحُه: "سَتَسْتَلِمُ مَا اشْتَرَيْتَ بِهِ مَعَ ثَلَاثِينَ فِي المِائَةِ أَرْبَاحًا حَلَالًا لَكَ." "أَنْتَ تُحْرِجُنِي أَمِيرَنَا العَزِيزُ، وَلَكِنْ بِكُلِّ سُرُورٍ." وَوهو يغَادِرُ، نَادَى عَلَيه، وَعَلَى وَجْهِهِ تَعْبِيرُ مَنْ يُفَكِّرُ بِأَمْرٍ مَا: "لَقَدْ عَيَّنْتُكَ مُسْتَشَارًا عَقَارِيًّا وَمُشْرِفًا عَلَى بِنَاءِ المَدِينَةِ الجَدِيدَةِ." قال بَعْدَ أَنْ انْحَنَى أَمَامَهُ: شَرَفٌ كَبِيرٌ أَنْ أَعْمَلَ مَعَكُمْ، سُمُوَّ الأَمِيرِ -وَالآنَ، وَبَعْدَ صُدُورِ الأَمْرِ الأَمِيرِيِّ، صَدِيقُكَ مِنْ أَهَمِّ رِجَالِ العَهْدِ الجَدِيدِ. قال: ـ فَاتَنِي أَنْ أُعْلِمَكَ أَنِّي بَعْدَ صُدُورِ الأَمْرِ الأَمِيرِيِّ اقْتَرَحْتُ عَلَى الأَمِيرِ نَاصِرٍ أَنْ يُسَمِّيَ المَدِينَةَ الجَدِيدَةَ (النَّاصِرِيَّةَ) كَانَ الشَّيْخُ مُجْبِلٌ يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةٍ مُتَسَارِعَةٍ تَسْكُنُ بَيْنَ حُرُوفِهَا بَهْجَةُ نَجَاحٍ يَتَحَقَّقُ عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ. ـ مَبْرُوكٌ، وَأَرْجُو اللَّهَ العَلِيَّ القَدِيرَ أَنْ يَظَلَّ مَعَكَ. ـ شُكْرًا، عَزِيزِي هَيَّال، لِي رَجَاءٌ عِنْدَك! ـ عِنْدِي؟ قَالَهَا بِاسْتِغْرَابٍ. ـ نَعَمْ... أَحْتَاجُ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ أَوْلَادِكَ، هُمَا إِبْرَاهِيمُ وَحَنْظَلٌ، لِيَكُونَا مَعِي. أَعْرِفُ أَنَّكَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ حَمْزَةَ. ـ وَلَكِنْ مَاذَا سَيَعْمَلَانِ؟ ـ فِي مُتَابَعَةِ المُدِينِيِّينَ وَفِي جَمْعِ الإِيجَارَاتِ... تَعْلَمُ أَنَّ صَالِحًا لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ العَشِيرَةِ، وَلَا أَرْغَبُ فِي التَّنَازُلِ عَنِ المَشِيخَةِ لِغَيْرِهِ... أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي سَأُعَامِلُهُمَا كَابْنَيَّ صَالِحٍ. ـ لَيْسَ عِنْدِي شَكٌّ. ـ كُنْتُ أَرْغَبُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ مَعِي، وَلَكِنِّي أَعْرِفُ طُمُوحَكَ. أَنْتَ تَبْنِي فِي الأَهْوَارِ، وَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقَ. تَرَكَ الزَّوْرَقَ يَنْسَابُ بِبُطْءٍ، وَبَدَأَ يُقَلِّبُ طَلَبَ الشَّيْخِ مُجْبِلٍ فِي ذِهْنِهِ. إِنَّهُ يَرَى المُسْتَقْبَلَ، وَعَمَلَ وَلَدَيْهِ مَعَ الشَّيْخِ مُجْبِلٍ غِطَاءً يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَعَهُ. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَاسْتَرْجَعَ الحَدِيثَ: يَا بُنَيَّ، لَا تَبْنِ بَيْتَكَ عَلَى رَمْلِ الآخَرِينَ، فَسَيَنْهَارُ حِينَ تَهُبُّ الرِّيحُ.- ابْتَسَمَ بِمَرَارَةٍ. العَصْرُ تَغَيَّرَ، وَالمَبَادِئُ صَارَتْ عُمْلَةً نَادِرَةً، وَالرِّيَاحُ اليَوْمَ لَيْسَتْ عَادِلَةً. فِي عَالَمٍ كَهَذَا، هَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ نَزِيهًا لِتُؤَمِّنَ مُسْتَقْبَلَ عَائِلَتِكَ؟ كَانَ يُوَقِّعُ صَفْقَةً مَعَ ضَمِيرِهِ. المَسَاءُ حَزِينٌ. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَشْعُرْ جَوَادٌ بِالرَّغْبَةِ فِي النَّوْمِ. جَلَسَ عِنْدَ بَابِ غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ، يُرَاقِبُ القَمَرَ وَهُوَ يَنْسَابُ فَوْقَ بُيُوتِ قَرْيَةِ «البُو هَيَّال»، مِثْلَ يَدٍ بَيْضَاءَ تَمْسَحُ وَجْهَ العَالَمِ. رَاحَ يُفَكِّرُ فِي أَنْ يُغَنِّيَ لِلْمَسَاحَاتِ الَّتِي غَدَتْ بُورًا، تَقْطَعُهَا شُقُوقٌ عَمِيقَةٌ عَرْضًا وَطُولًا، فَقَدْ غَادَرَهَا المَاءُ. فِي الغِنَاءِ قَدْ يُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ حُزْنِهِ. لَقَدْ غَادَرَ جَدُّهُ «هَيَّال»، وَقَدْ بَدَأَتْ مَعَالِمُ قَرْيَةٍ لَمْ يَأْلَفْهَا الهَوْرُ تَظْهَرُ نَمُوذَجًا لِلصَّبْرِ وَالجَهْدِ وَالإِبْدَاعِ. تَضَاعَفَتِ البُيُوتُ، وَعِنْدَ السُّورِ مِنْ جِهَةِ الهَوْرِ بَنَى حَظِيرَةً كَبِيرَةً لِلْمَوَاشِي، أَلْحَقَ بِهَا مَخْزَنًا لِلْعَلَفِ وَمَسَاحَةً فِي نِهَايَةِ الحظيرة لِفَضَلَاتِ الحَيَوَانَاتِ، تُجَفَّفُ بَعْدَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَقْرَاصٍ دَائِرِيَّةٍ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي الوَقُودِ وَطَرْدِ جُيُوشِ البَعُوضِ الَّتِي تَمْلَأُ فَضَاءَ القَرْيَةِ كُلَّ مَسَاءٍ، لَا يَدْفَعُهَا إِلَى الهَرَبِ إِلَّا الدُّخَانُ أَوِ المَطَرُ. إِلَى سِنِينَ قَلِيلَةٍ خَلَتْ، كَانَتْ قَرْيَةُ «البُو هَيَّال» مَرْكَزَ تَسَوُّقٍ لِلكَثِيرِ مِنَ القُرَى المُجَاوِرَةِ؛ فَقَدْ تَوَسَّطَهَا سُوقٌ مُنَظَّمٌ يَضُمُّ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ دُكَّانًا بِإِيجَارٍ رَمْزِيٍّ، جَعَلَ القَرْيَةَ تَضُجُّ بِالحَرَكَةِ وَالنَّشَاطِ مُنْذُ الصَّبَاحِ البَاكِرِ وَحَتَّى المَسَاءِ. كَمَا كَانَتْ مَرْكَزًا لِتَجَمُّعِ صَيَّادِي الأَسْمَاكِ وَالطُّيُورِ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ لِيَنْقُلُوا بَضَاعَتَهُمْ إِلَى النَّاصِرِيَّةِ وَسُوقِ الشُّيُوخِ. وَلَكِنَّ جبر ابن عمه يقول ان القَرْيَةَ الآَنَ لَيْسَتْ إِلَّا مَنَازِلَ يَسْكُنُهَا الحُزْنُ وَالضَّيَاعُ، وَلَوْلَا صِيَاحُ الأَطْفَالِ وَصِرَاعُهُمْ لَبَدَتْ كَأَنَّهَا فِي سُبَاتٍ. وَبَعْدَ انْتِفَاضَةِ الجَنُوبِ عَامَ 1991، لَجَأَتِ الحُكُومَةُ العِرَاقِيَّةُ إِلَى تَجْفِيفِ الأَهْوَارِ كَإِجْرَاءٍ عُقُوبِيٍّ وَأَمْنِيٍّ، فَقَدْ تَمَّ إِنْشَاءُ «نَهْرِ صَدَّام» الَّذِي يَمْتَدُّ مِنْ شِمَالِ النَّاصِرِيَّةِ وَحَتَّى البَصْرَةِ فِي الجَنُوبِ لِنَقْلِ المِيَاهِ مِنَ الأَهْوَارِ إِلَى الخَلِيجِ العَرَبِيِّ. كَيْفَ سَيَجِدُ «هَيَّال» القَرْيَةَ الَّتِي بَنَاهَا حُلْمًا لِلْخُلُودِ؟ المَاءُ القَرِيبُ، وَالقَصَبُ الَّذِي يَرْقُصُ مَعَ تَدَفُّقِهَا صَبَاحًا، وَالطُّيُورُ الَّتِي تَهْبِطُ فَوْقَ المَاءِ فَجْرًا... يقول له جبرعلى الاتف ولتك تغرق بالمطر انه نهض فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ لِيَزُورَ قَبْرَ جَدِّهِ الَّذِي أَصَرَّ أَنْ يُدْفَنَ فِي أَرْضِهِ، كَانَ يَسِيرُ فَوْقَ أَرْضٍ مُتَشَقِّقَةٍ، يَشْعُرُ أَنَّ قَلْبَهُ قَدْ جَفَّ مِثْلَهَا، وَأَنَّ حُزْنَهُمَا مِثْلُ ظِلٍّ لَا يَغِيبُ. وَهُوَ يَقِفُ عِنْدَ القَبْرِ، أَحَسَّ بِرَغْبَةٍ عَمِيقَةٍ فِي أَنْ يُعِيدَ الحَيَاةَ لِـ"هَيَّال" كان جواد يعود الى قرية البوهيال بفكره ـ أبي، أنت لا تعرف الكثير عن جدِّنا «هَيَّال»... هل تعرف أحدًا من كبار السنّ لديه معلومات عنه؟ قال الشيخ عبد السلام بصوتٍ ضعيفٍ فيه رنّةُ انكسار: ـ نعم... ربما كاظم المدرس في إعدادية الهاشمية للبنين في الحِلّة. كانت القرية تتآكل ببطء. توقّف السوق أوّلًا، وانتقل أبو شاكر وباصه الخشبي إلى الشطرة، وما تبقّى من الماشية نفق بسبب الجوع، وتراجع الهور عدّة كيلومترات. حتى البعوض، الذي كان يتسلّى بغزو القرية كل مساء، لم يعد يمارس هوايته. البيوت الفارغة تجاوزت نصف الموجود، وسكّانها رحلوا إلى البصرة والناصرية وبغداد. كانوا يتوزّعون على العمل في الشركات أو الجيش أو شركات النفط، وعددٌ منهم اختار الأرصفة لبيع المنتجات الصينية.
حين استقلَّ جواد سيّارته ليذهب إلى الحِلّة، كان يفكّر كيف سيتعرّف على جَدّه هَيَّال كان ينظر إليه بإجلالٍ عميقٍ، لا باعتباره مجرّد مؤسس العائلة، بل نموذجًا للرجل الذي سبق زمانه. رغم أنه لم يتلقَّ تعليمًا، إلا أنه كان يحمل في داخله حلمًا كبيرًا بتشييد مجتمعٍ جديدٍ يقوم على التعاون والعدل والعمل الجادّ. كان يؤمن بأنّ التغيير لا يحتاج إلى شهاداتٍ بقدر ما يحتاج إلى بصيرةٍ صافيةٍ وإرادةٍ لا تعرف التراجع. ظلَّ ذلك الحلم حيًّا في ذاكرته. من بعيدٍ، لمح فتاةً تمشي بمحاذاة حافة الهور المنسحب بانكسار، تحمل جَرّةً من فخارٍ وتُغنّي بصوتٍ خافت. لم يكن في الغناء جمالٌ يُذكَر، لكنه كان صادقًا بطريقةٍ نادرة، كأنه يأتي من مكانٍ نقيٍّ داخلها. تابعها بعينيه حتى اختفت بين القصب، ثم ظلّ يُنصت إلى الصدى العالق في الأفق. في الحِلّة، لم يجد صعوبةً في الوصول إلى متوسطة الهاشمية للبنين. كان المدرس كاظم العَرَبَاوِي في الدرس، فانتظره جواد في غرفة مدير المدرسة. كان المدير رجلاً أصلع الرأس، يلمع رأسه تحت ضوء المصباح الكهربائي المعلّق، ولم يتبادل معه الحديث، إذ كان منشغلًا بتدقيق جدول دوام المدرّسين. دخل كاظم، وقال بابتسامةٍ متعبة: ـ ماذا تريد أن تعرف عن الجد «هَيَّال»؟ قال جواد: ـ كلّ ما تعرفه. ـ حسنًا... سأبدأ بمواصفاته. كانا في مقهى مقابل المدرسة. قال كاظم: ـ كان طويلَ القامة، قويَّ البُنيان، يتمتّع بقوّةِ تحمُّلٍ نادرة. بشرته بيضاء، ولحيته حمراءُ مدبّبةُ النهاية. وحين كان يستمع إلى مُحدّثه، كان يتطلّع بعينيه كأنه يحاول أن يكتشف حقيقة ما وراء الكلام. سأروي لك حكايةً طريفة... كان مع ابنيه «حمزة» و«حنظل». بالمناسبة، أنا من أحفاد حنظل، أمّا الشيخ عبد السلام فهو من أحفاد حمزة.
كانوا عائدين من سوق الشيوخ بعد أن باعوا ما حملوه من سمكٍ وحنطةٍ وعددٍ من الخراف، وتسوّقوا من هناك السكرَ والقهوةَ وقطعَ القماش للعائلة التي بدأت تتكاثر في القرية عند الأهوار، وكذلك الطحين. انزلق الزورق إلى منطقةٍ ضحلة، وكان لا بدَّ من النزول ودفعه. نزل حمزة وحنظل، وحاول «هَيَّال» أن يساعدهما بدفع الزورق بالعصا الطويلة (المِردي). حينها سمع صوتَ إطلاقِ نارٍ، أعقبه صوتُ رجلٍ يختبئ في حُزمةٍ كثيفةٍ من القصب. قال حمزة بصوتٍ مرتجفٍ: ـ أبي... من يُطلق النار؟ أجابه «هَيَّال» بصوتٍ مطمئنٍ كنسيم الأهوار عند الفجر: ـ قاطعُ طريقٍ جبان. اقترح «هَيَّال» أن يذهبا بالزورق ويَبقى هو للمشاغلة، لكنّهما رفضا وطلبا منه أن يذهب هو بالزورق، ويُفرغا هما للمهاجم. سحب الزورق بضعةَ أمتارٍ، ثم توقّف، فقد لامس قاعَ الطين. انحنى «هَيَّال» ورفع الزورق إلى كتفه وهو منحَنٍ وسحبه إلى الماء، وخلفه كان ابناه والمهاجم يتبادلون إطلاق النار. مرّت لحظاتٌ ثقيلة، والصدى يتردّد بين القصب. لكن لم يعد هناك صوتٌ سوى طنين الحشرات ورفيف الطيور. التفت إلى وَلَدَيْه، فرآهما يرفعان بُندقيتَيْهما في الهواء. تقدّما ليسحبا الزورق إلى الماء. انفرج البردي عن مسارٍ ضيّقٍ من الماء، كأنه بابٌ من سلام. قال «هَيَّال» وهو يجلس القرفصاءَ في الزورق: ـ في الأهوار، يا وَلَدَيَّ، لا يسمع الهدوءَ إلا مَن يسكن قلبَه الشجاعةُ. أمّا من يملأ قلبَه الخوفُ، فيسمع الرصاصَ حتى من صمتِ الطين. ابتسم الوَلَدان، وقد بدأ الخوف يتراجع. كان الزورق يشقّ طريقَه ببطءٍ، لكن بثباتٍ، بين خُضرةٍ لا تنتهي. ظَلَّتِ الحكايةُ تتداول، يُضاف إليها كلَّ يومٍ سطرٌ عن بطولة الابنين، وعن قوّة «هَيَّال» التي جعلته يرفع الزورق وحده
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مزامير الماء /رواية / الفصل الثالث
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الثاني
-
مزامير الماء رواية /الفصل الاول
-
قمري
-
النبوءة السوداء
-
رواية البحث عن بطل للكاتب السعودي خالد سعيد الداموك
-
لماذا هزمنا
-
قراءة في كتاب
-
. الممهدات الاجتماعية والسياسية والفكرية لولادة الحزب- الحزب
...
-
الرجل الذي نظر الى قدميه
-
شيئ قد لايكون حقيقة
-
رؤية مختلطة
-
حالة
-
نص
-
ذكرى ليست قريبة
-
ضوء / رواية
-
الهروب الى الغرق
-
ضوء /رواية .......1992.......الهجرة الى اوربا
-
ضوء / رواية ....التغريب 1984
-
حين ينتفض النهر
المزيد.....
-
بعد فوزه بعدة جوائز.. موعد عرض فيلم -كولونيا- في مصر والعالم
...
-
العودة إلى الشعب: مأزق التعددية الحزبية وفشل التمثيل السياسي
...
-
اعتقال مادورو.. كيف صيغت الرواية؟
-
10 نصوص هايكو بقلم الشاعر: محمد عقدة.دمنهور.مصر.
-
معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
-
سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء
...
-
أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح
...
-
-إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة
-
جائزة الشيخ حمد للترجمة تفتح باب الترشح لدورتها الـ12
-
فرنسا: أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو ستدفن بمقبرة على
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|