|
|
مزامير الماء /رواية / الفصل العاشر
ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 01:06
المحور:
الادب والفن
كانت بَغدادُ بعدَ بضعة أيام فقط، تَبدو وكأنَّها خرجتْ من حُلمٍ ثقيلٍ. هَدأ أزيزُ الرَّصاص، وتلاشتْ أصواتُ الهُتافِ التي كانت تُمزِّقُ السَّماء، وباتتِ المدينةُ تَغسِلُ وجهَها بالصُّمت. مِن شُبّاكِ غُرفتِه في مدينةِ الطِّبِّ وقفَ جَوادٌ يُراقِبُ الشارعَ الخالي. بالأمسِ فقط كان يَرى الحشودَ تَمرُّ من هنا، تَهتفُ، وتَركُضُ، وتَبكي. واليوم... لا شيء سوى الغبارِ يدورُ في حلقةٍ صامتةٍ. مِن بعيدٍ مرَّتْ شاحنةٌ للحرسِ القوميِّ، يعلوها رشّاشٌ صغيرٌ، والجنودُ يُحدِّقونَ بوجوهٍ مُتجهِّمةٍ. شَعَرَ جَوادٌ بوَخزةٍ في صدرِه، ليس خوفًا فقط، بل إحساسًا غامضًا بأنَّ شيئًا في المدينةِ انكسَرَ، ولن يُصلَحَ قريبًا. قالتْ سوسن على الهاتفِ: -سَكَتوا؟ -سَكَتوا... لكنَّ هذا السُّكوتَ يُبعِثُ على الخوفِ أكثرَ من الرَّصاص. -الله يَستر... حين تَسكُتُ النَّاسُ، تَتكلَّمُ الجدران في الخارجِ، كانت بغدادُ تَتَنَفَّسُ بصعوبةٍ. الدُّخانُ لم يَزَلْ يَعلو من بعضِ الأبنية، واللافتاتُ المُمزَّقةُ تَتَدَلَّى من الأسلاكِ كأطرافٍ واهنةٍ لحُلمٍ قُتِلَ في منتصفِ الطريق. سيطرَ الحرسُ القوميُّ وبعضُ ألويةِ الجيشِ على المدينة، لكنَّها لم تَعُدْ تلك المدينةَ ذاتَها. كانت تُشبِهُ امرأةً خرجتْ من معركةٍ خاسرةٍ، تَمسحُ دُموعَها وتُخفي جِراحَها بثوبٍ من صَمتٍ ثقيلٍ. وسَتظلُّ الذّاكرةُ العراقيّةُ مُثقَلةً بمشاهدِ عُنفٍ لن تَرحلَ عنها. في اليومِ السابع، عادَتِ الحياةُ إلى مَجراها. المراجعونَ يَصطفّونَ عندَ بوّابةِ مدينةِ الطّبِّ، لا يَتحدّثونَ عمّا يُعانونه، ولا عن شُحّةِ الدّواء، أو مَشاكلِ الانتقالِ صباحًا من أطرافِ بغدادَ إلى المدينةِ الطّبيّة. كانوا يَتَناقَلونَ الإشاعاتِ وأحاديثَ اختَلقوها في باصاتِ مصلحةِ نَقلِ الرُّكّاب: كيفَ أمرَ عبدُ السّلامِ بقتلِ الزّعيم، وما الذي يَجري في أقبيةِ قصرِ النّهاية أو النادي الأوْلِمبيّ، عن بطولاتٍ تحتَ التّعذيبِ، وانهياراتٍ مُخجِلةٍ. قالت سوسن، وهي تَشُدُّ قميصَها الذي انفتحَ صدرُه قليلًا: -هل نقولُ لأحلامِنا وداعًا؟ -لا... الأحلامُ لا تَموتُ، ولكن قد تُؤَجَّل. برنامجُنا كما هو، وقد تَكلَّم معي الدكتور بيشوب بأنَّه تمَّ قَبولُنا على الماجستير. مَهمّتُنا الآن أن نُحسِّنَ لغتَنا الإنكليزية؛ فأنا لا أرغبُ بقضاءِ ولو بضعةِ أشهرٍ في تَعلُّمِها في لندن. ابتسمتْ سوسن وهي تَشعُرُ بالزَّهو. كان جَوادٌ يَضعُ كلَّ طُموحاتِه في السَّفرِ وأن يَحصُلَ على التخصّصِ وأن تكونَ سوسنُ معه. يَبتعدُ عن التّفكيرِ بما يَجري في واقعٍ لم يَعُد عقلانيًّا، ولا يخضعُ لأيّ قانونٍ معروفٍ. تذكّرَ مقولةَ أنجُو سَعد لقد هَلَكَ سعيد، ظلَّت مُمْسِكًة بحُلمِه. وكان، وهو يدخلُ بيتَ سوسن، كمن يَبحثُ عن ملامحِ حُلمٍ ضاعَ بين الرُّكام. منذُ زمنٍ، وهو يَحلُمُ بمدينةٍ تُضاءُ بالمعرفةِ لا بالنِّيران، بشوارعٍ تَمتلئُ بالضّحكِ لا بالجنود. لكنَّ الواقعَ من حولِه كان يَزدادُ غَرابةً يومًا بعدَ آخر، حتى صار يَشكّ إنْ كان ما يَراه يقظةً أم كابوسًا طويلاً لم يَنتهِ بعد. كلُّ صباحٍ، حين يَخرُجُ من غُرفتِه، يرى بغدادَ تَضعُ وجهًا جديدًا؛ أحيانًا حنونةً كأمٍّ حزينةٍ، وأحيانًا قاسيةً كحارسٍ لا يَعرفُ الرَّحمة. اللافتاتُ المُمزَّقة، الجدرانُ المُلطَّخة، العيونُ التي لا تَنظُرُ في العيون... كلُّ شيءٍ فيها كان يَروي حكايةً عن زمنٍ فَقَدَ اتِّزانَه. لكنَّ جَوادًا لم يكنْ مثلَ الآخرين. في داخله وميضُ حُلمٍ عن وطنٍ يُكتَبُ فيه الشِّعرُ بلا خوفٍ، وتُزرَعُ فيه الأشجارُ بدلَ البنادق. وحين تَسأله سوسن: -متى يَتحقّقُ حُلمُنا؟ كان يَبتسمُ ويقولُ -حينَ نَتوقّفُ عن الخوفِ من الضَّوء. في المساءِ، كان يُراقِبُ ضفّةَ دِجلة، ويُتابِعُ انعكاسَ الأضواءِ المُرتَعِشةِ فوقَ الماء. يَشعُرُ أنَّ النَّهرَ وَحدَه يَفهَمُه، وأنَّه ما زالَ يَحتفِظُ بأسرارِ المدينةِ القديمة، حينَ كانَ الناسُ يُغنّونَ بدلَ أن يصرخوا. رُبّما كان الحُلمُ بعيدًا، ورُبّما كانت العَجائبُ التي تملأُ الواقعَ أكبرَ من قُدرته على الفَهم، لكنَّه ظلَّ مُتمسِّكًا بجَمرَةٍ صغيرةٍ في قلبِه جَمرَةٍ اسمُها الأمَل يبدو أنَّ جَوادًا لم تَتَّضِحْ له بعدُ رؤيةُ ما يُمكنُ أن يُعانيَه أو يُواجِهَه. كان في غرفةِ الأطبّاءِ يَستريحُ بعدَ جَولةٍ في رِدهاتِ المرضى، وكانت سوسن في يومِ استراحتِها. استأذنتِ الممرِّضةُ وقالت: -عفوًا، دكتور جَواد، الجماعةُ يَطلبونَ مقابلتَك. كان «الجماعةُ» قد توسّطوا الغرفةَ؛ ثلاثةٌ من الحرسِ القوميِّ، على خَصرِ كلٍّ منهم مِسدسٌ كبيرٌ. أحدُها يُشبهُ الذي كان عندَ الشيخِ عبد السّلام في قَريةِ البو هيّال، قال يومَها إنّه صناعةٌ تُركيّة. قال أحدُهم: دكتور جَواد، مَطلوبٌ حضورُكَ في مركزِ الحرسِ القوميّ. فوجِئَ، وبدَتْ عليه دهشةٌ مَلأتْ وجهَه، فيما لم يُبدِ مَن في الغرفةِ أيَّ ردِّ فعلٍ، ربّما بدافعِ الخوفِ من تُهمةِ التّعاطُف. لم يَسألْ لماذا. نَهضَ، ليُحيطوا به، ومَشوا جميعًا خارجَ المستشفى، حيثُ كانت سيّارةٌ بالانتظار. لم يتبادَلوا أيَّ حديثٍ. فَتَحَ أحدُهم البابَ الخلفيَّ، وطلبَ منه أن يَجلسَ وسطَ المقعد، وجلسَ اثنانِ على جانبيه، والثالثُ بجوارِ السّائق. كانت السيّارةُ مُظلَّلةً. أخرجَ الذي عن يَمينِه قطعةَ قُماشٍ سوداء، وطلبَ منه أن يَحنيَ رأسَه قليلًا، ثمَّ عَصَبَ عينيه بإحكامٍ. شَعَرَ أنَّه يَنفصلُ عن العالَم. لم يَفهَمْ كيفَ تَحوَّلَ الضَّوءُ إلى عَتمةٍ بهذه السُّرعة. قبلَ لحظاتٍ فقط كان يَجلِسُ ويَشعُرُ كأنَّه يَسيرُ نحوَ غَدٍ حَلُمَ به طويلًا، يَحمِلُ في قلبِه ضَحكةً مُؤجَّلةً وأمنيّةً نَضَجَت على مَهَل. كان يَشعُرُ أنَّ الحياةَ أخيرًا تُصغي إليه، وأنَّه سيَستكمِلُ مع سوسن ما بَدأه هيّالُ العرباويّ. ثمَّ، في لحظةٍ غريبةٍ بلا مُبرِّر، وجَدَ نفسَه بين أيدٍ غليظةٍ، يُساقُ إلى مكانٍ لا يَعرِفُه. يَسألُه عقلُه ألفَ سؤالٍ، ولا تأتي أيُّ إجابةٍ. ارتَجَفَ قلبُه، لا خوفًا فحسب، بل دَهشةً من ظُلمٍ لا اسمَ له. تَهاوَتْ أحلامُه حولَه كأوراقِ شجرٍ ذابلٍ، وراحَ يَتساءل: أبهذا الشّكلِ يُعاقَبُ الضّوءُ حينَ يَجرؤُ على الحُلم لكن في أعمقِ أعماقِه، بقي بَصيصٌ صغيرٌ من الإيمانِ، يَهمِسُ له بأنَّ الفجرَ لا بُدَّ أن يَعودَ، ولو تأخّر، وأنَّ الحقيقةَ تَعرِفُ طريقَها، حتى وسطَ جدرانِ الصّمتِ والظّلم. همسَ السّائقُ -الى النِّهايةِ أم إلى الأوْلِمبيّ؟ قال الجالسُ إلى جنبِه: -الأوْلِمبيّ. بعدَ مَسيرةٍ مَشحونةٍ بالتَّوتّرِ والألَم، وَصلوا إلى المكان. نزلَ الذي على يمينِ جَوادٍ، وأمسكَ بذراعِه وسحبَه بقُوّةٍ وبغِلظةٍ تُناقِضانِ ما بَدآه من لهجةٍ رقيقةٍ. شَعَرَ جَوادٌ أنَّ ساعةَ الجِدِّ بَدأتْ، وأنَّ عليه أن يَتَماسَكَ ليَعرِفَ سببَ اعتقالِه. كان يَعرِفُ جيّدًا أنَّه لم يَرتكِبْ ما يُمكنُ أن يُعَدَّ ذريعةً لذلك، لكنَّه كان يَعرِفُ أيضًا أنَّه يُمكِنُ اتّهامُه بما يَرَونَه مُناسِبًا، وأنَّ الإقرارَ بالتُّهمةِ يَتَكفَّلُ به أسلوبُ التَّعذيب. قال الذي يمسك به بلهجةٍ حادة: -اجلس. ثم أضاف بعد لحظةٍ قصيرة: -على الأرض... إلّا إذا رغبت أن تظلّ واقفًا. سمع جلبةً في الممر، خطواتٍ مسرعةً، وأصوات رجالٍ يتحركون بعصبيّة. قال أحدهم: -هل جاؤوا به؟ لم يردّ أحد. مضى وقتٌ طويل دون أن يفكّوا العصابة عن عينيه. شعر بالتعب وبألمٍ في ساقيه، فاتّكأ على الحائط، وببطءٍ استقرّ على الأرض مادًّا ساقيه ليريحهما. جاءه صوتٌ صارم -اسحب قدميك
أطاع، فيما شعر أن الليل قد حلّ، فقد ازدادت العتمة كثافةً، وبدأ يسمع صراخًا يأتي من أعماق المبنى. كان الجوع قد تسلّل إليه؛ لم يتناول في إفطاره سوى القهوة. لم يعرف إلى من يوجّه الكلام، فآثر الصبر. غلبه النعاس أخيرًا، فاستسلم لنومٍ خفيفٍ على الأرض الباردة. رآى في حلمه قرية البو هيّال، والجاموس يسير ببطءٍ إلى الهور، ثم لندن البعيدة، وأخيرًا سوسن تبكي بحرقةٍ وقد تركت كبرياءها جانبًا. استيقظ على أصواتٍ مختلطةٍ: أحذية تضرب أرض الممر بعنف، أحاديث غاضبة تتخللها شتائم، وصوت صراخٍ حادٍّ لإنسانٍ يُعذَّب. فكّر جواد أنّه مثله، معصوب العينين، تتناوب عليه الأيادي الغليظة. ركله أحدهم في خاصرته بمقدمة الحذاء، فشعر بألمٍ حادٍّ وإهانةٍ أشدّ من الألم نفسه. بعد قليلٍ جاءوه بالعشاء: صمونةٌ جافّة، بيضةٌ مسلوقة، وكوبُ شايٍ بارد. اضطره الجوع إلى أن يعلسها ويمضغها ببطءٍ حذر، كأنّ كل لقمةٍ تحتاج إلى إذنٍ. حين ساد الصمت وانتهى من طعامه، شعر بالحاجة إلى المرافق. قال بصوتٍ خافت: -أحتاج المرافق. لم يجبه أحد. سمع وقع خطواتٍ تقترب، فكرّر بصوتٍ أعلى: -أحتاج المرافق. جاءه الردّ: -انتظر قليلاً. في التواليت، فُكَّت العصابة عن عينيه. تطلّع حوله، نظر إلى المرآة، تحسّس وجهه. خال له أنّه لم يعُد الشخص نفسه: شعره الأشعث، عيناه المنتفختان بلونٍ أحمر، ملابسه المتّسخة من نومه على الأرض. ورغم ما به من هوان، شعر بامتنانٍ صغير لأنه يستطيع أن يرى ما حوله. الذي يشغله أنّه لا يعرف في أي يومٍ هو، وكم مضى عليه، وكيف حال سوسن، وما هي التهمة التي تنتظره. الليل يمضي بطيئًا، تتخلّله صرخاتٌ مفجوعةٌ تمزّق صمته، صرخاتُ رجالٍ فقدوا أسماءهم. قال رجلٌ كان يقف قريبًا منه: -جاء دورك للاستجواب. نهض وهو يشعر أن قلبه سيتوقف في أية لحظة. بدت الأيام السابقة وكأنها تآكلت من ذاكرته، ولم يبقَ منها سوى طعمٍ مرٍّ في فمه، ورائحة رطوبةٍ عالقةٍ في ثيابه. كل ما كان يملكه هو صمته، وصدى أنفاسه التي ترتدّ عن الجدران.
لم يدرِ أيفرح لأنهم سيسمعونه أخيرًا، أم يرتعب لأنهم سيتحدثون إليه بلغة الألم؟ الممرّ الطويل نحو غرفة التحقيق بدا أضيق من أن يتّسع لأنفاسه. كلّ خطوةٍ يسمعها كأنها مطرقةٌ تهوي على صدره. وحين فُتح الباب، انبعث ضوءٌ ساطعٌ أعمى عينيه، كأنّهم أرادوا أن ينتزعوا بصره قبل كلماته. جلس على الكرسيّ الحديديّ، يديه مكبّلتان، وعيناه تبحثان عن وجهٍ لا يشبه الجدار. كانوا ثلاثة رجال، لكنّهم بدوا له كظلالٍ داكنةٍ. سأله الرجل الجالس خلف الطاولة بصوتٍ خالٍ من الودّ: هل تعرف لماذا أنت هنا؟ صمت. لم يجد ما يقول. الكلمات تهرب من حلقه كما تهرب الطيور من دخان النار. عرقٌ بارد يسري في جسده، وخوفٌ غامض لا يستطيع أن يسمّيه. في تلك اللحظة، لم يعُد يطلب الحرية، ولا حتى الحقيقة… كلّ ما أراده هو أن يعرف فقط: لماذا؟ -لا تردّد الصوت في ذاكرته. لقد سمعه من قبل. هل هو يحيى؟ لكن ماذا يريد؟ بدأت عيناه تألفان الضوء والمكان. على اليمين، عسكريّ برتبة رائد، شديد السُّمرة كأنّها بقايا صدأٍ على وجهه، يقلب أوراقًا في ملفٍّ أمامه. في الوسط، كان الدكتور يحيى، بوجهٍ أكثر صرامة، وعينين تومضان بحقدٍ لم يحاول إخفاءه. أما الثالث، فشعره مجعّد ووجهه صغير لا يتناسب مع طول قامته، كأنّ القالب الذي صُنع منه لم يكتمل. خلفهم على الجدار لوحةٌ زرقاء كبيرة، تُستعمل في رسم الخرائط، تعلوها عبارة: "تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي". قال يحيى ببرود: -أرجو أن تكون قد استوعبت أنك أمام لجنة تحقيقٍ مهمتها كشف أعضاء الحزب الشيوعي العراقي، مدنيّين وعسكريّين وتنظيماتهم المتخصصة. قال جواد وهو يحاول السيطرة على صوته: -وما علاقتي أنا بكل ذلك؟ أنت تعرفني، وتعرف أنني لم أنتمِ يومًا إلى أيّ تنظيمٍ سياسي. ابتسم يحيى ابتسامةً ساخرةً وقال: -حين زرنا الأهوار، لفت نظري أمران: أولًا، أنك تعرف جيدًا أماكن اختباء المعادين للدولة. وثانيًا، أن جدّك، هيّال العرباويّ، سبق كارل ماركس في بناء مجتمعٍ شيوعيّ
شعر جواد أن التهمة باتت واضحة، وسخيفة في آنٍ واحد، لكنها ليست سهلة الردّ،. صمت قليلاً. قال يحيى بنبرةٍ حاسمة: -وقتنا ضيق، وعليك أن توفّر على نفسك المشقّة، وعلينا ضياع الوقت. -أكرّر وبشكلٍ قاطع: لم أكن شيوعيًا، ولم أشارك في أيّ نشاطٍ حزبيّ. لمعت الفكرة في رأسه فجأة هو يحاسبني على انتمائي إلى سوسن ابتسم رغم ما به من وجع. قال العسكري بحدّة: -أشركنا قال يحيى ببرودٍ متعمّد -ستكون ضيفنا... إلى أن تُحال إلى محكمة الثورة. لم يردّ. كلّ ما خطر في ذهنه آنذاك: كيف هي سوسن الآن؟ غامت رؤيته، وسمع يحيى ينادي على الحرس القومي الواقف عند الباب 3 خُذه إلى الزنزانة رقم -
جلس جواد على الأرض الباردة في زنزانته، محاولًا أن يلتقط أنفاسه وسط صمتٍ ثقيلٍ لا يقطعه إلا وقع أقدام الحراس. لم يفهم حتى الآن كيف تحوّل من طبيبٍ يعالج الناس إلى متّهمٍ بالشيوعية. التهمة مفبركة، لكن الحقيقة لا مكان لها هنا. كان يفكّر بخطيبته كثيرًا. يتخيلها تنتظره، تمسك رسالةً لم تصل، وتقاوم الخوف بدمعةٍ مؤجّلة. كلّما تذكّرها شعر بدفءٍ صغيرٍ، سرعان ما يخبو حين يدرك المسافة بينهما، وجدران الزنزانة التي لا تسمح حتى بمرور الصوت. تساءل: لماذا تحوّل النادي الرياضي إلى مركزٍ للاعتقال؟ متى تمّ تغيير كلّ شيء؟ في رأسه تدور الأسئلة ولا إجابة. أما حلمه بإكمال دراسته العليا في إنكلترا، فقد صار أشبه بظلٍّ بعيدٍ. لم يمت بعد، لكنه لم يعد واضحًا كما كان. كان يخشى أن تسرق منه الأيام ما تبقّى من إيمانه بنفسه. ومع ذلك، ظلّ يقول في نفسه: إن جواد ابن الشيخ عبد السلام لا يُشفى من الأمل، حتى وهو في أقسى لحظات اليأس كان الظلام هو رفيقه في الزنزانة رقم 3 يسمع الصافرة العسكرية ثلاث مرّات في اليوم: في الصباح، كوب شاي وقطعة جبن رخيص و"صمونة" من عمل اليوم السابق. ظهرًا، صمونة بداخلها شيش كباب وكوب شايٍ إجباريّ. أما العشاء، فبيضة واحدة بدل الكباب أو الجبن. بدأ جواد يحسب أيامه على مواعيد الإفطار، لكنه لم يكن متأكدًا أن حسابه صحيح. الزمن هنا بلا ملامح، يمشي ببطءٍ شديدٍ كأنّ عليه أن يعبر دجلة المليء بالماء قبل أن يصل إلى الرصافة. لم يُستدعَ مرةً أخرى للتحقيق، واقتنع أن لا شيء لديهم ضده. كلّ الأمر، كما أيقن، اسمه سوسن
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مزامير الماء/رواية /الفصل التاسع
-
النتائج العملية لتراكم رأس المال في صناعات تكنولوجيا المعلوم
...
-
مزامير الماء / رواية /الفصل القامن
-
مزامير الماء /رواية / الفصل السابع
-
مزامير الماء /رواية / الفصل السادس
-
مزامير الماء /رواية /الفصل الخامس
-
مزامير الماء/رواية /الفصل الرابع
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الرابع
-
مزامير الماء /رواية / الفصل الثالث
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الثاني
-
مزامير الماء رواية /الفصل الاول
-
قمري
-
النبوءة السوداء
-
رواية البحث عن بطل للكاتب السعودي خالد سعيد الداموك
-
لماذا هزمنا
-
قراءة في كتاب
-
. الممهدات الاجتماعية والسياسية والفكرية لولادة الحزب- الحزب
...
-
الرجل الذي نظر الى قدميه
-
شيئ قد لايكون حقيقة
-
رؤية مختلطة
المزيد.....
-
صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا
...
-
ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا
...
-
صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو
...
-
بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية
...
-
رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية
-
فيلم إقامة طيبة: قصة استغلال في منتجعات الألب
-
20 رمضان.. يوم -الفتح الأعظم- وإسقاط الأوثان وبناء القواعد ا
...
-
ايقـونـة الـتـنـويـر والـمـدافـعـة عـن الـحـريـات.. رحيل الر
...
-
رحيل المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي.. مائة عام من توثي
...
-
وزير الصحة المصري يزور الفنان هاني شاكر.. إليكم تطورات حالته
...
المزيد.....
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|