ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 19:26
المحور:
تقنية المعلمومات و الكومبيوتر
ملخص
يتناول هذا المقال النتائج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتراكم رأس المال في صناعات تكنولوجيا المعلومات، بوصفه أحد أبرز ملامح التحول البنيوي في الاقتصاد العالمي المعاصر. وينطلق من مقاربات الاقتصاد السياسي والنظرية النقدية للإعلام، ليحلل دور الشركات الاحتكارية العابرة للحدود في إعادة تشكيل أنماط الإنتاج والاستهلاك، وبناء الهيمنة الثقافية، والتأثير في سيادة الدول والهويات المحلية. كما يناقش المقال علاقة تكنولوجيا المعلومات بالعولمة، ودور الإعلام والاتصال الرقمي في إدارة التوافق الاجتماعي ومواجهة حركات الممانعة، مع التوقف عند تجليات هذه التحولات في البلدان النامية
أولًا: الإطار النظري لتراكم رأس المال والإعلام
شهد قطاع تكنولوجيا المعلومات تراكمًا هائلًا لرأس المال لم تعرفه المراحل التاريخية السابقة، وهو ما يعكس درجة غير مسبوقة من السيطرة الاقتصادية والثقافية لهذا القطاع على مختلف مناحي الحياة المعاصرة. ويمكن فهم هذه الظاهرة في ضوء ما طرحه أنطونيو غرامشي حول العلاقة بين الإعلام والهيمنة، حيث تُعد السيطرة على أدوات إنتاج الوعي عنصرًا حاسمًا في تكريس تفوق الطبقات المهيمنة.
وفي السياق ذاته، يشير إريك فروم إلى التحول نحو ما أسماه “الشخصية التسويقية”، حيث يُعاد تعريف الإنسان باعتباره قيمة تبادلية في السوق، لا قيمة إنسانية أو انتفاعية بحد ذاتها. ويجد هذا التصور تجسيده العملي في اقتصاد المعلومات الذي يتعامل مع المعرفة، والبيانات، وحتى السلوك الإنساني بوصفها سلعًا قابلة للتداول.
ثانيًا: العولمة والتحول في البنية التنظيمية للشركات
فرض تطور تكنولوجيا المعلومات تحولًا جذريًا في الشكل التنظيمي للشركات الكبرى، باتجاه ما يمكن تسميته بالنمطية الكونية، التي أفضت إلى نشوء الشركات المعولمة العابرة للحدود. ويستدعي نجاح هذا النمط بناء شبكات عالمية تضمن التدفق الحر للأفكار، ورؤوس الأموال، والسلع، والمعلومات، وهو ما يتطلب الانتقال من الرؤية المحلية للاقتصاد إلى رؤية استراتيجية شاملة على المستوى العالمي.
وقد صاغ ثيودور ليفيت هذا التحول مبكرًا عند استخدامه لمفهوم “العولمة” في ثمانينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى سعي الشركات إلى توحيد أنماط الاستهلاك والحياة عبر العالم. وفي هذا السياق، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة اتصال، بل أداة مركزية لإنتاج التوافق الاجتماعي وتكريس نمط حياة معولم.
ثالثًا: الإعلام، التعددية، وإشكالية التحرر
يرى الفيلسوف الإيطالي جياني فانتيمو أن مجتمع وسائل الإعلام هو مجتمع معقد، وربما فوضوي، غير أن فرص التحرر الإنساني تكمن في هذه الفوضى ذاتها، الناتجة عن تعددية الخطابات والهويات. فالتكنولوجيا الاتصالية، على الرغم من دورها في الهيمنة، تفتح في الوقت نفسه مجالًا لتفكيك السرديات الكبرى وإبراز العقلانيات المحلية والخصوصيات الثقافية.
غير أن هذا التفاؤل يظل مشروطًا بميزان القوى القائم، إذ تظل الشركات الاحتكارية الكبرى صاحبة اليد الطولى في توجيه الفضاء الإعلامي والرقمي، بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
رابعًا: العولمة والحتمية التاريخية
يختلف منطق العولمة عن الحتمية التاريخية كما تطرحها النظرية الماركسية الكلاسيكية. فبينما تنطلق الحتمية الماركسية من مسار تاريخي محدد النتائج، تقوم العولمة على آليات مرنة وقابلة للتعديل المستمر وفق مقتضيات اللحظة الراهنة. وتُظهر التجربة أن القوى المسيطرة قادرة على احتواء حركات المعارضة، سواء عبر تحسين شروط العيش، أو إدماج منظمات المجتمع المدني ضمن منظوماتها، في حين يجري في بعض الدول الفقيرة توظيف النزاعات الداخلية لإضعاف أي مقاومة محتملة.
خامسًا: السيادة الوطنية والهوية الثقافية
سعى منظرو العولمة إلى تقليص أهمية السيادة الوطنية، واعتبارها عائقًا أمام حرية السوق. وقد تُرجم ذلك عمليًا عبر دعم نزعات انفصالية أو إبقاء صراعات الهوية دون حلول جذرية في دول متعددة القوميات أو الأديان. كما جرى التشكيك في الخصوصيات الثقافية، والتأكيد على أن الاختلافات القومية والثقافية تنتمي إلى الماضي.
وأدى هذا التوجه إلى تحويل الثقافة ذاتها إلى سلعة قابلة للتصنيع والتسويق، باستخدام أدوات التكنولوجيا والإعلام. ورغم ذلك، واجهت هذه السياسات مقاومة تمثلت في حركات مناهضة العولمة، والمظاهرات الواسعة التي شهدتها مدن غربية كبرى منذ أواخر التسعينيات.
سادسًا: اقتصاد تكنولوجيا المعلومات والاختلالات التنموية
يشير جيمس ملتمان إلى أن فرض اقتصاد السوق الحر في مجتمعات تفتقر إلى بنى اقتصادية متدرجة النمو يؤدي إلى اختلالات بنيوية عميقة. وقد أسهمت هذه التحولات في خلق نمو غير متوازن في اقتصادات الدول النامية، ترافق مع أزمات اجتماعية وسياسية، وأثار في الوقت ذاته إشكاليات الهوية والانتماء، وصعود نزعات عنصرية في بعض المجتمعات الغربية.
وفي المقابل، تدرك الشركات الاحتكارية أن تحسين أداء بعض القطاعات في الدول النامية يساهم في توسيع الأسواق ورفع القدرة الشرائية، وهو ما يفسر لجوئها إلى نقل أجزاء من عمليات الإنتاج، أو دعم قطاعات مالية وزراعية محددة، بما يخدم منطق الربح العالمي.
سابعًا: التجارة الإلكترونية والإعلان
تشمل التجارة الإلكترونية طيفًا واسعًا من الأنشطة، مثل عمليات البيع والتسليم، وإبرام العقود، والخدمات المصرفية الإلكترونية، والإعلان. وقد تجاوز الإعلان دوره التقليدي في التعريف بالسلع، ليصبح أداة فاعلة في صناعة أنماط استهلاك جديدة، وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، كما يشير أرمان ماتلار.
ورغم النمو المتسارع لهذا القطاع عالميًا، لا يزال الإعلان الرقمي في البلدان العربية في مراحل نموه الأولى، مقارنة بالأسواق الغربية.
ثامنًا: الإنترنت وثورة المعلومات
يمثل الإنترنت التطبيق العملي الأبرز لثورة المعلومات على نطاق عالمي، معتمدًا على الحاسوب بوصفه الأداة المركزية للإنتاج الإعلامي والاقتصادي المعاصر. وقد أتاح هذا التطور فرصًا هائلة لتحقيق الأرباح للشركات الكبرى، وخلق في الوقت نفسه أنماطًا جديدة من العمل تتطلب مهارات تقنية وتسويقية عالية.
وفي هذا السياق، تؤكد التجربة أن التقنيات الإعلامية لا تؤثر في اتجاه واحد، بل تُحدث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية و الثقافية، ما يجعل فهم القوى المسيطرة على هذه الوسائل شرطًا أساسيًا لفهم العالم المعاصر
خاتمة
يخلص المقال إلى أن تراكم رأس المال في صناعات تكنولوجيا المعلومات لا يقتصر على بعده الاقتصادي، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل الثقافة، والهوية، والعلاقات الاجتماعية، والسياسية على المستوى العالمي. وبينما تفتح هذه التحولات آفاقًا جديدة للتنمية والمعرفة، فإنها تطرح في الوقت ذاته تحديات عميقة تتعلق بالسيادة، والعدالة الاجتماعية، والتنوع الثقافي، ما يستدعي مقاربات نقدية قادرة على تفكيك منطق الهيمنة ومساءلة نتائجه العملية.
------------------------
قائمة المراجع
غرامشي، أنطونيو1-
دفاتر السجن. ترجمة: فواز طرابلسي. بيروت: دار الفارابي، 1999.
-فروم، إريك-2
الإنسان بين الجوهر والمظهر (الإنسان المستهلك). ترجمة: حسن قبيسي. بيروت: دار النهار، 1987.
Levitt, Theodore3-.
“Globalization of Markets.” Harvard Business Review, Vol. 61, No. 3, 1983.
Vattimo, Gianni.-4
The Transparent Society. Trans. David Webb. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1992.
-ماركس، كارل5
مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي. ترجمة: فالح عبد الجبار. بيروت: دار الفارابي، 1986.
Sen, Jai et al-6
World Social Forum: Challenging Empires. New Delhi: Viveka Foundation, 2004.
Mittelman, James H-7
The Globalization Syndrome: Transformation and Resistance. Princeton: Princeton University Press, 2000.
Mattelart, Armand-8
Advertising International: The Privatisation of Public Space. London: Routledge, 1991.
McChesney, Robert W-9
Rich Media, Poor Democracy. New York: The New Press, 1999
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟