|
|
مزامير الماء /رواية / الفصل السابع
ذياب فهد الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 20:47
المحور:
الادب والفن
الفصل السابع
لْجَوُّ الْجامِعِيُّ واجَهَ تَغَيُّرًا مَلْحوظًا، وَكَذلِكَ مِزاجُ الشّارِعِ الْعِراقِيِّ بَعْدَ الثَّوْرَةِ وَمُنْذُ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ. ساحَةُ كُلِّيَّتِنا وَالْكَافِيتِرْيا شَهِدَتا اِنْقِسامًا واضِحًا، عَبْرَ تَوَزُّعِ الطَّلَبَةِ إِلى مَجْمُوعاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَها التَّبايُنُ السِّياسِيُّ. الْبَعْثِيُّونَ وَمَجْمُوعاتٌ مِنْ حَرَكَةِ الْقَوْمِيِّينَ الْعَرَبِ وَحِزْبِ التَّحْرِيرِ الإِسْلامِيِّ في الْجانِبِ الْقَريبِ مِنَ الْمَصاطِبِ الْخَشَبِيَّةِ الَّتي يَحْرِصُونَ عَلَى الْجُلوسِ عَلَيْها مُبَكِّرًا، قُرْبَ السِّياجِ الَّذي يَفْصِلُ شَارِعَ الزِّقاقِ الضَّيِّقِ عَنْ حَديقَةِ الْكُلِّيَّةِ، كانَ الشُّيُوعِيُّونَ، يَتَبادَلونَ نَظَراتِ عِداءٍ واضِحٍ وَمُتَحَفِّزٍ في خضم هذا الصراع فكرت بان اشغلهم بنشاط اخر ، قلت يسوسن مذا لو نقوم برحلة طبية الى الاهوار ...نقزم بتلقيح الأطفال تلقت الفطرة بحماس وبعد يومين كان الجميع يتحدث عنها . في الكافيتيريا تَمَّ اِنْتِخابُ لَجْنَةٍ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنَ الطُّلّابِ لِتَنْظيمِ الرِّحْلَةِ، أَحَدُهُم لِأَخْذِ الْمُوافَقَةِ الرَّسْمِيَّةِ مِنْ عِمادَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَالثّاني لِاسْتِلامِ الأَمْصالِ وَالْحُقَنِ، وَالثّالِثُ لِتَنْظيمِ مَوْضوعِ الْباصِ. كُنْتُ أَعْرِفُ صَديقًا في كُلِّيَّةِ الآدابِ يَعْمَلُ والِدُهُ مُديرًا لِشَرِكَةِ نَقْلِ الرُّكّابِ بَيْنَ بَغْدادَ وَالْبَصْرَةِ، ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، وَمَساءً كُنّا عِنْدَ أَبِيهِ... اتَّفَقْتُ مَعَهُ عَلَى بَرْنامَجِ السَّفْرَةِ وَعَدَدِ الطُّلّابِ، وَدَفَعْتُ لَهُ نِصْفَ الْمَبْلَغِ. عُدْتُ بِالتَّفاصيلِ وَرَقْمِ الْباصِ وَساعَةِ وُصولِهِ إِلى بابِ الْكُلِّيَّةِ وَساعَةِ التَّحَرُّكِ، وَأَعْطَيْتُهُ هاتِفَ بَيْتِ عَمِّي عَبْدِ الْكَرِيمِ فِي النّاصِرِيَّةِ : تمَّ الموضوعُ على عَجَلٍ، وقبلَ يومين غادرتُ بغداد لأسبقهم لإعداد الترتيبات اللازمة لاستقبالهم. رتّبتُ الأمرَ مع مديريةِ صحّةِ اللواءِ، كما قمتُ بإعدادِ مضيفِ الشيخِ عبدِ السلام لاستضافةِ الطلّاب، ومضيفِ الشيخِ عيادة لاستضافةِ الطالبات، كما وفّرتُ خمسةَ عشرَ مِشحوفًا لزيارةِ مسالكِ الهور. قالت سوسن: "-كانت الطريق سفرةً غايةً في الروعة. لقد اكتشفنا المواهبَ الفنيةَ لأطباءِ المستقبل؛ فقد غنّى جاسم، وهو من العمّار، أغنيةً ممتعةً، كانَ اللحنُ شفّافًا وبه لمحةُ كَربٍ حزين. قالَ إنّه المحمدي، فقلتُ لها: يقصدُ المحمداوي. قالت: نعم، فعلًا، المحمداوي." بدأنا بالمطاردةِ الشعرية، وقد كانَ عبدُ المطلب يجدُ دائمًا الردَّ بسهولةٍ مثيرةٍ للإعجاب، إلى أن اكتشفْنا أنّه يؤلّفُ من عنديّاته. وقالَ إنّه شاعرٌ وينوي طبعَ أوّلِ ديوانٍ له قريبًا. وكانت فِريال منجمًا لنُكَتٍ متنوّعة، كما أنّ لديها القابليةَ على تقليدِ حركاتِ أو أصواتِ المغنّين وكذلك الأساتذة. لم نشعرْ بطولِ الطريقِ ولا بالملل. لا أنسى أن أُخبركَ أنّ الجميعَ يشعرونَ بالامتنانِ لك، ويتوقّعونَ تجربةً مميّزة. تمَّ تجميعُ الأطفالِ في المدرسةِ الابتدائيةِ التي حصلَ الشيخُ عبدُ السلام على الموافقةِ ببنائها خارجَ سورِ القرية، قريبةً من الجامع، وكأنّه يقول: الدينُ والعِلمُ للجميع. كانت المدرسةُ تضمُّ ثلاثةَ صفوفٍ، فقد كان البناءُ يجري بإضافةِ صفٍّ كلَّ سنةٍ، بالإضافةِ إلى غرفةٍ للمدير، وغرفةٍ للمعلمين، وساحةٍ ترابيةٍ للعبِ أوقاتِ الفُرص، مع مرافقَ صحيّة. واشترطَ الشيخُ عبدُ السلام على المديرِ أن يُشرفَ هو على النظافةِ العامة. في المدرسةِ الي يداو فيها ثمانونَ تلميذًا يحضرونَ بانتظامٍ، حريصونَ على أن تكونَ جلابياتهم نظيفةً، وفي أرجُلِهم نِعلٌ بلاستيكية. كانَ التلاميذُ وأطفالٌ آخرونَ ينتظمونَ في طابورٍ طويلٍ، وهم يشعرونَ كأنّهم في مهرجانٍ يشاهدونَ فتياتٍ غيرَهنَّ في المنطقة، يرتدينَ تنانيرَ فوقَ الركبة، وعلى متونِهنَّ ألوانٌ مختلفةٌ من الشعر، بعضُه مطلَقٌ تعبثُ به الريح، وأخرياتٌ يعقدْنهُ ليتأرجحَ كذيلِ حصانٍ. ملا مهودر أمامَ الجامعِ ومؤذّنِه، وشبابٌ غيرُهم هنا أيضًا، الجميعُ بالبنطلونِ والقميصِ، وأحذيةٍ تلمعُ. كانوا يقفونَ بترقّبٍ قَلِقٍ، فهم لم يتعرّضوا لوخزِ إبرٍ تغوصُ في أذرعِهم، وحينَ خرجَ أوّلُ مَن تمَّ تطعيمُه تعلّقتْ أنظارُهم به يتفرّسونَ في وجهِه ليتعرّفوا على مقدارِ الألمِ الذي يعانيه. ابتسمَ التلميذُ وهو يقول: -الطُّهورُ أكثرُ إيلامًا... لم أشعرْ بشيء. انفرجتْ أساريرُهم وبدأ همسٌ خافت. اقترحتْ فِريال أن ينقسموا إلى فريقين: الطلّابُ يقومونَ بعمليةِ التلقيح، والطالباتُ يقمنَ بزيارةِ نساءِ القرية لغرضِ أخذِ فكرةٍ عن حياتِهنَّ ومشاكلهنَّ، والقيامِ بإجراءِ فحصٍ عامّ، وسيكونُ هذا موضوعًا جيّدًا لتقريرٍ طبيٍّ يُقدَّمُ للدكتور بيشوب. تمَّ تطعيمُ الأطفالِ، وتوجّهوا إلى الغداءِ في مضيفِ الشيخِ عبدِ السلام، وكانَ يقفُ إلى جانبِه الشيخُ عيادة بعباءتِه البيضاءِ الشفّافةِ المطرّزةِ حواشيها بإبريسمٍ ذهبيٍّ. كانت المشكلةُ أنّ المضيفَ يخلو من منضدةٍ وكراسٍ، وعلى الجميعِ أن يتناولوا الطعامَ جلوسًا على الأرض. اقترحتُ فكَّ الأحزمةِ... ليساعدَ ذلكَ قليلًا. على أرضِ المضيفِ ثماني صوانٍ كبيرةٍ، أربعٌ منها مليئةٌ بالرزّ، وأربعٌ على كلٍّ منها ثلاثُ سمكاتٍ مشويّةٍ بالتنور، وكانت أرغفةُ الخبزِ ما تزالُ ساخنةً، وتوزّعتْ قدورٌ مليئةٌ باللبن. بعدَ الوجبةِ الكبيرةِ ورفعِ الصواني والصحون، تمَّ تقديمُ القهوةِ العربيةِ، وبعضُهم طلبَ الشاي. تملّكني شعورٌ بالرضا بعدَ أن وجدتُ جميعَ رفاقِ السفرةِ يلهجونَ بالثناءِ على حُسنِ الاستقبال. قالت سوسن: "كان نهارًا حافلًا بالإنجازات، كما كانت ضيافتُكم مكتملةً تمامًا.- في المساءِ كانَ التجمّعُ في مضيفِ الشيخِ عبدِ السلام، الذي قرّرَ أن يتركَنا لنتصرّفَ كما نريد. تجمّعْنا صفّينِ متقابلينِ متّكئينَ على وسائدَ صوفيةٍ عاليةٍ، وقامَ جوهرٌ بإشعالِ النار، واضعًا دَلّةً كبيرةً تُحفُّ بها ثلاثُ دِلالٍ صغيرة، وراحَ يطحنُ القهوةَ بهاونٍ كبيرٍ، ويجعلُ من التقاءِ يدِ الهَونِ وهي تهبطُ بقوّةٍ على القهوةِ صوتًا متناغمًا كأنّه لحنٌ يصوغُه بعنايةٍ. كانَ الجميعُ يُنصتونَ بدهشةٍ ممزوجةٍ بالإعجاب، بعضُ الرجالِ المسلّحينَ كانوا يجلسونَ غيرَ بعيدٍ عن بابِ المضيف. قلتُ لأحدِهم أن يُحضِرَ فرطوس ليعزفَ بنَايِه. كانَ من الواضحِ أنّ فرطوس يبدوَ منتشيًا، وخمّنتُ أنّه ربّما كانَ في بدايةِ سهرته. بدأَ يعزفُ بمقدّمةٍ من لحنِ الحجاز، فأنصتَ الجميعُ بإعجابٍ، وحينَ توقّفَ صفقوا له بحرارةٍ. قالت فِريال: -لو كنتَ تعرفُ لحنَ على أدّ الشوق !!!! بدا الجميعُ غيرَ مصدّقينَ أنّها تطلبُ لحنًا ليس معرفا في هذه المناطق ، لكنّهم أشفقوا على فرطوس الذي ابتسمَ بحياءٍ وعدّلَ عِقالَه الذي تحرّك وهو يهزُّ رأسَه. قالَ: نعم، دكتوره اعتدلَ في جلستِه، وبدأَ عزفًا غايةً في الرِّقّة، وكأنّه يُضفي على اللحنِ الأصليّ مسحةً من الحنينِ تجعلُه أكثرَ طربًا. قال أحدُ الطلّابِ بانبهارٍ: -هذا فنانٌ نادر في صباحِ اليومِ التالي كانت سفرةُ الهور. كنتُ قد حجزتُ عشرةَ مشاحيفَ مع مَن يدفعُها في المساحاتِ الخاليةِ من القصبِ أو البردي. مسالكُ تضيقُ أحيانًا فلا تتّسعُ إلّا لمِشحوفٍ واحد. كنتُ في المقدّمةِ أشرحُ بوساطةِ مكبّرِ صوتٍ المعالِمَ الأثريةَ أو التي تحملُ أحداثًا عن القتالِ الذي وقعَ بين المعارضةِ السياسيةِ للحكومةِ والقوّاتِ الأمنية. كنّا حينَ نقتربُ من بعضِ الأكماتِ المكتظّةِ، تفرُّ مجموعاتٌ من الطيورِ التي كانت مختبئةً أو تبحثُ عن الأسماكِ الصغيرةِ التي تسبحُ أحيانًا قربَ السطح. كانَ الجميعُ مفتونينَ بمنظرِ الهورِ والمسالكِ التي تمثّلُ متاهةً حقيقية، كما كانَ تنوّعُ الطيورِ وألوانُها مثيرًا لدهشتِهم. اصطادَ بعضُ رجالِنا مجموعةً من طيورِ الخُضيريّ والبطّ، ومجموعةً من أسماكِ البُنّي والكطان، تمَّ وضعُها بأكياسٍ كنتُ قد اشتريتُها من الناصريةِ لهذا الغرض. في غمرةِ انشغالي بتفاصيلِ السفرةِ، تخوّفًا من أن يستغلَّ بعضُ الطلّابِ أيةَ فجوةٍ للسخريةِ مني، لم أُوليِ سوسن معاملةً خاصّةً. لكنَّ ما خفّفَ مرارةَ الطعمِ في فمي هو أنّها كانت مرِحةً، ونظراتُ الرضا في عينيها كأنّ نجاحَ السفرةِ وعودةَ الجميعِ وهم يحملونَ ذكرياتٍ مفعمةً بالبهجةِ أمرٌ يهمُّها أيضًا. فاجأتْنا سوسن وهي تقول: "-أعتقدُ أنّ من الأصولِ أن نزورَ قير هيّال الجدّ، الرجلَ الذي أنشأَ هذه القريةَ وهذا المجتمع. بعد قراءة الفاتحة، همست سوسن قائلةً: أنتَ تحمل مواصفات جدّك... الإصرار، والجدّية، ووضوح الرؤية.- بعد الظهر أخذنا الباص إلى بغداد. وبينما كنا ندخل الناصرية، وعند مدخل الشارع المؤدي إلى الساحة المقابلة للمتصرفية، أوقفنا شرطيّان. صعد أحدهما، وبعد السلام قال: سيادة المتصرف طلب أن تقابلوه.- كانت على واجهة الباص وخلفه لافتتان كُتب عليهما: (وفد كلية الطب إلى قرية البو هيّال) لكن الشرطي لم يُصغِ إلى احتجاجاتنا ولا إلى تذرّعنا بضيق الوقت وطول الطريق. أمام باب المتصرفية تجمّع بعض المارّة يتطلّعون بفضول إلى المجموعة التي تتوجّه إلى دار الحكومة، ولا سيّما أن فيها عددًا من الفتيات يرتدين تنانير قصيرة وقمصانًا مفتوحة، تملأ وجوههن نظراتُ استغرابٍ ودهشةٍ من أعين الناس. قادنا الشرطي عبر ممرٍّ على جانبيه غرفٌ مفتوحة الأبواب، ، وقف الموظفون يتطلّعون نحونا بشيء من الفضول. في نهاية الممرّ، كان بابٌ خشبيٌّ منقوش يقف أمامه رجلٌ يرتدي لباس أهل الناصرية، قال بأدب: "سأُعلم سيادة المتصرّف.- خرج المتصرّف بعد لحظاتٍ، يرحّب بنا بحرارة ويؤكّد رغبته في لقائنا. قال مبتسمًا: أهلًا بكوكبة العلم والخدمة الإنسانية- فاجأنا بلطفه، وإنْ كنتُ قد ظننتُ في بادئ الأمر أن في كلامه سخريةً مبطّنة، لكن ابتسامته الودودة بدّدت ذلك الظن. صافحنا ثم أشار لنا بالجلوس وقال أُخفيكم عتبي عليكم، وخصوصًا على الشيخ جواد.- ثم ابتسم بمودّة وتابع -هل تُفضّل أن أدعوك بالدكتور؟ لم يُمهلني للإجابة، وأردف ضاحكًا: -دكتور في بغداد، وشيخ في الناصرية قلتُ "كما يشاء سعادتكم، ولكننا نستغرب عتبكم! أمر بتقديم الشاي لنا، ثم قال وهو يقلب فنجانه بين يديه -عتبي لأنكم لم تزورونا ونحن في الطريق قبل البو هيّال قلت سعادتكم يعلم أن زيارتنا مهمّة طبيّة، ومدة إقامتنا محدودة- ابتسم المتصرف وقال بنبرة تصالحية -لأكون راضيًا وأرفع العتب ونبقى حبايب، أرجو أن تقوموا بإعطاء اللقاح لعددٍ من طلاب مدارس المتصرفية... بالطبع ستكونون ضيوفنا. قال الطالب عبد الخالق، المسؤول عن لجنة تنظيم السفرة: -أولًا، يشرفنا هذا الاهتمام بنا، ويسعدنا أن نجد مسؤولًا يفكر بالآخرين، ولكن يؤسفنا عدم إمكانية تنفيذ ما تطلبونه، لأن اللقاح قد نفد. ارتسمت سحابة خفيفة على وجه المتصرّف، ثم قال برصانة أتفهّم ذلك... ما رأيكم أن نتناول الغداء سويةً، ثم تغادرون؟ قلت "كما تعلمون سيادتكم، الطريق طويل، ولا نريد أن نكون في الباص طوال الليل- قال مبتسمًا: -قصدكم أن نكتفي بالشاي إذًا وحين نهضنا لتوديعه، أصرّ على مرافقتنا حتى صعودنا إلى الباص. ما إن خرجنا من حدود المتصرفية إلى الشارع الخارجي حتى بدأ الجميع بالغناء، ربما لإضفاء شيءٍ من البهجة على الطريق الطويل الممتدّ وسط المساحات الرملية الموحشة. قبل أن نصل الحِلّة، قال السائق وهو يلتفت نحونا: "هل ترغبون بالاستراحة لنصف ساعة؟ كما أودّ أن أذكّركم بمطعم أبي نعيمة الذي يُقدّم تشريب لحمٍ ليس له مثيل في العراق، لأنه يستخدم الطماطم التي يزرعها خلف المطعم!" وافق الجميع على الفور. كان الليل يهبط على بساتين الحِلّة بسكونٍ ساحرٍ يملأ الأفقَ رهبةً وجمالًا. وبينما نمضي بمحاذاة سياجٍ يلفُّ أحد البساتين، ومضت بين الأغصان حركةٌ مفاجئة، ففرت طيورٌ صغيرة لا نستطيع تمييزها، كأنها ظلالٌ بيضاءُ تذوب في عتمة المساء، ثم يعود السكون بعدها كأن شيئًا لم يكن... سوى عبير النخيل يهمس في قلب الليل، حارسًا سرَّ الحِلّة النائمة. كان مطعم أبو نعيمة يقع على الشارع قبل الدخول إلى المدينة، بناءً منخفضًا ببابٍ واسع. عند المدخل جلس أبو نعيمة نفسه، رجلٌ ممتلئ ذو وجهٍ أسمر مكتنز ولحيةٍ مشذّبة، على رأسه يشماغٌ بلا عقال، وبيده مسبحةٌ صفراء. جلس وراء منضدةٍ حديدية مغطاة بشرشفٍ أزرق سميك، عليها علبةٌ كبيرة فيها ورق تنشيف، وبجانبها صحنٌ مملوء بعيدان تنظيف الأسنان. كان أبو نعيمة يستلم النقود بنفسه بعد أن يُخبره العامل بالمبلغ. حين ترجّلنا من الباص متعبين من الجلوس الطويل ومن الغناء والنكات، نهض أبو نعيمة مرحّبًا، وبدا كرشه يرفع جلابيّته قليلًا وهو يقول بصوته الجنوبي العميق: -من أيّة كليّة الشباب ؟ أجابه أحدنا ضاحكًا: "كلية الطب قال أبو نعيمة بعفويةٍ بدت كأنها تطيرٌ خفيف: "الله الساتر!- ثم أضاف مازحًا: "-يوم ابني صقر يدخل كلية الطب ضحك الجميع، فأجاب هو بفخر: - ابني الكبير سعدون في الهندسة، وراح يبني أكبر مطعم في الحِلّة قال السائق: أبو نعيمة، أنا جئتُ بالأخوان ليتذوّقوا تشريب مطعمكم.- نادى أبو نعيمة بصوتٍ عال -قاسم أجابه صوتٌ من الداخل "نعم، أستادي.- قال -أنت مسؤول عن تشريب الجماعة... أكثر من اللحم ضحكنا جميعًا، وردّ قاسم بحماس: -حاضر، أستادي بعد التشريب، كان الشاي برائحة الهيل... دافئًا مثل وداعٍ مؤقت. حين عدنا إلى الباص كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ليلًا. بعث فينا تشريب أبو نعيمة استرخاءً وتكاسلًا، وخيّم صمتٌ طويل على الجميع. فجأةً، اخترق السكون صوتُ مذيع "مونتي كارلو" وهو يتحدث بنبرةٍ عالية عن مصادماتٍ في بغداد بين الشرطة ونقابة السائقين وبعض المجموعات من طلبة العاصمة، احتجاجًا على رفع حكومة عبد الكريم قاسم أسعار البنزين. فجأةً تغيّر جوُّ الباص. وما إن استوعبنا الخبر، حتى تبدّل المشهد. كلّ ما كان مشتركًا من الضحكات، وكلّ العيون التي كانت تبرق بالمرح، انطفأت شيئًا فشيئًا. ارتفعت الأصوات، وبدأ النقاش يحتدّ، ثم تحوّل دفء الودّ إلى جفاءٍ بارد. كلٌّ يدافع عن رأيه كأنما يدافع عن وطنٍ مهدَّد، وكأن الآخر خصمٌ لا شريك حوار. وفي زوايا الباص جلس الصمتُ حائرًا، يراقب كيف تمزّق الخيط الذي جمعهم قبل قليل. لم يتغيّر المكان، ولا الأشخاص، بل تغيّرت المسافة بين القناعات. وعندما توقّف الباص أمام باب كلية الطب، نزل الركّاب فرادى، كلٌّ منهم يحمل في قلبه شيئًا من الغبار، وذكرى قصيرة عن رحلةٍ كان يمكن أن تبقى جميلة... لولا أن حضرت السياسة
#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مزامير الماء /رواية / الفصل السادس
-
مزامير الماء /رواية /الفصل الخامس
-
مزامير الماء/رواية /الفصل الرابع
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الرابع
-
مزامير الماء /رواية / الفصل الثالث
-
مزامير الماء / رواية / الفصل الثاني
-
مزامير الماء رواية /الفصل الاول
-
قمري
-
النبوءة السوداء
-
رواية البحث عن بطل للكاتب السعودي خالد سعيد الداموك
-
لماذا هزمنا
-
قراءة في كتاب
-
. الممهدات الاجتماعية والسياسية والفكرية لولادة الحزب- الحزب
...
-
الرجل الذي نظر الى قدميه
-
شيئ قد لايكون حقيقة
-
رؤية مختلطة
-
حالة
-
نص
-
ذكرى ليست قريبة
-
ضوء / رواية
المزيد.....
-
معارض لندن لسنة 2026 تتحدى إيقاع الحداثة وتتصالح مع الفن الم
...
-
مهرجان دولي للصورة في طنجة تحت شعار -نداء البعيد-
-
فيلم -بعد 28 عاما-: رعب دائم وجائحة تحتل الذاكرة الجماعية
-
من شوارب الدروز إلى ظفائر الكرديات.. وقائع متكرّرة تكشف -ثقا
...
-
فيلم -أشخاص نلتقيهم في الإجازات-.. هل تسقط أحكام الحب بالتقا
...
-
بعد 20 عاما على رحيله.. نجيب محفوظ يحلّق في سماء معرض القاهر
...
-
الاحتلال يقتحم مركز يبوس و يمنع عرض فيلم فلسطين 36
-
كيف تحولت المدينة من حضن إلى سجن في الروايات العربية؟
-
فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا
...
-
ترشيح فيلم صوت هند رجب لجائزة الأوسكار
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|