أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - أركان الروح














المزيد.....

أركان الروح


علي مقلد

الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


قصة لـ علي مقلد

جَلَس "بيشوي" على أريكته الخشبية، يقلب كفيه اللذين غادرهما ملمس المال وبقيت فيهما خشونة الشقاء، لم يكن نادماً؛ فقد أنفق عمره لتطير عصافيره بعيداً نحو آفاق الغربة، كان يهمس لنفسه بامتنان: "أديت الرسالة يا رب"، لكن الصمت كان ينهش جدران البيت، وضيق ذات اليد بدأ يطل برأسه مع كل صباح.
ذات مساء، التفت إلى جاره ورفيق عمره، "الحاج مصطفى"، وهما يحتسيان شاي "العصاري":
— "يا حاج مصطفى، بيت جدي القديم الذي صار خرابة مهجورة.. سأنفض عنه غبار السنين، وأحوله إلى مقهى أسدُّ به رمق الأيام".
هزّ مصطفى رأسه مشجعاً: "نعم الفكرة يا بيشوي! طهّر المكان من وحشته، واجعله باب رزق".
تحول البيت إلى خلية نحل. كان بيشوي يرمم الجدران بقلب شاب، والقرية تضج حوله؛ هذا يساعد طمعاً في وظيفة، وذاك يمني النفس بـ "مشاريب" مخفضة، لكن، وأثناء إزالة طبقات الجير عن جدارٍ غائر، عثر بيشوي على نقشٍ صليب قديم محفور في الحجر الأصلي، غطته السنون ولم تمحه، لمس الحجر، فشعر برعشة تسري في جسده، وكأن الجدران تخاطبه بلغة أخرى.
مرر بيشوي إبهامه الخشن فوق نتوءات النقش، ثم التفت إلى مساحة الصالة الواسعة؛ كان يرى في خياله دخان النراجيل يتصاعد، ويسمع قعقعة الطاولات التي ستملأ البيت ضجيجاً ورزقاً.. أعاد نظره إلى الحجر الغائر.. سحب يده ببطء وكأنه يخشى أن يخدش شيئاً مقدساً، ثم أطبق كفه الخالية على صدره.
في تلك اللحظة، خفتَ بريق المقهى في عينيه، وبدت الجدران العارية، رغم صمتها، ممتلئة تماماً .. تلك الليلة، لم ينم بيشوي؛ كانت صورة النقش تطارده.. استيقظ بملامح هادئة، ونطق بقرارٍ زلزل أركان التوقعات:
— "لن يكون مقهى يا مصطفى.. بل سيكون بيتاً للصلاة، هبةً لمن بارك في ذريتي".
ما إن سرى الخبر، حتى ثقل الهواء في الأزقة .. كان "الشيخ مبروك" يرقب المشهد من عتبة دكانه الملاصق؛ لم يرَ في "بيت الصلاة" محراباً، بل رأى حواجز أمنية ستخنق مدخل متجره وتبعد زبائنه.
في تلك اللحظة، تعانق خوفه على " تجارته " مع نبرة "الغيرة على الدين"؛ فخرج بصوته الجهوري محرضاً الوجوه التي كانت تبتسم بالأمس، فاستدارت فجأة وأصبحت حادة كالمناجل.
انهمر الرصاص الحجري، وتحطمت النوافذ التي ركبها بيشوي بيده.. في خضم المعركة، وقف الحاج مصطفى سداً منيعاً أمام دار جاره، صرخ فيهم: "يا هووه.. هذا بيت الله، والجار أولى بالذمة!".
لم تفرق الحجارة بينهما؛ شُجَّ رأس بيشوي وهو يحمي أيقونة صغيرة، وكُسرت ذراع مصطفى وهو يتلقى ضربة كانت موجهة لظهر جاره.
داخل قسم الشرطة ، ارتدى الشيخ مبروك وجه التقوى والخنوع ، وتبرع بلسان معسول بعشرة أكياس من الإسمنت لإصلاح ما حطمه "الغوغاء" ، الذين أساءوا له وللدين كما قال لمأمور القسم .
عاد الصديقان إلى الزقاق؛ جلس بيشوي بضمادته، وبجانبه مصطفى بذراعه المعلقة، وقف البيت خلفهما صامتاً؛ لا هو مقهى يضج بالبشر، ولا هو كنيسة ترتفع فيها الألحان.
بقي المبنى هيكلاً من طوب، بانتظار "ختم" حكومي قد لا يأتي ، وعلى الرصيف المقابل، كانت أكياس الإسمنت ملقاة في العراء؛ هطلت عليها زخة مطر خفيفة، فبدأت تتحجر وتتصلب في مكانها، بينما كان بيشوي ومصطفى يتكئان على بعضهما، وقد شيدا في صمتهما ذاك أمتن بيتٍ للرب.



#علي_مقلد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزادُ المحجوب
- سُقُوطُ المِسْطَرَة
- غُصَّةُ التَّكْبِير
- خَرِيفُ النَّبِيذِ المُرّ
- انْبِعَاثُ الطِّين
- الزئبقي
- تَرنيمةُ القَيْدِ والمَسافَة
- آخر الورثة
- سِفْرُ الأُرْدُوازِ
- طُقوسُ الارتِواءِ الأوَّل
- ​صَلِيبُ الوَجْد
- مَانِيفِستُو عُرْيِ الرُّوحِ
- خَارِطَةُ الجُرُوحِ القَدِيمَة
- عَوْدَةٌ إِلَى بَيْتِ أَبِي
- -دماء على كرسي الخلافة - كتاب جديد يرصد تاريخ الصراع الدموي ...
- دماء على كرسي الخلافة 30
- دماء على كرسي الخلافة 29
- دماء على كرسي الخلافة 28
- دماء على كرسي الخلافة 27
- دماء على كرسي الخلافة -26-


المزيد.....




- من المواجهة إلى الحب.. فيلم -شمشون ودليلة- يصل إلى صالات الس ...
- بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج ...
- بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة ...
- لبنان.. إخلاء سبيل الفنان فضل شاكر بكفالة مالية واستئناف -مل ...
- لبنان.. المحكمة العسكرية توافق على إخلاء سبيل الفنان فضل شاك ...
- روسيا توسّع مزايا -بطاقة بوشكين- لتشمل عروض السيرك وترفع قيم ...
- مشاهدة أكثر من 200 حلقة مقابل -صفر- نتائج.. نواب بريطانيون ي ...
- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي مقلد - أركان الروح