أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أمل فؤاد عبيد - قرأت لك .. سقوط المظلّة للكاتب / رياض الفرطوسي














المزيد.....

قرأت لك .. سقوط المظلّة للكاتب / رياض الفرطوسي


أمل فؤاد عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 19:16
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


"الاستقرارُ الحقيقيُّ لا تصنعُهُ القواعدُ العسكريةُ ولا الأبراجُ الزجاجيةُ، بل يصنعُهُ شعورُ المواطنِ بأنَّ هذا الوطنَ وطنُهُ فعلاً، لا مجردُ مساحةٍ يعيشُ فيها تحتَ حمايةِ السلطةِ. فعندما تضعفُ المظلةُ الخارجيةُ يصبحُ الاستقرارُ الداخليُّ هو خطَّ الدفاعِ الأولِ، وليسَ هناكَ استقرارٌ دائمٌ بلا عقدٍ سياسيٍّ واضحٍ ومواطنةٍ حقيقيةٍ تجمعُ الجميعَ بمؤسساتٍ قويةٍ..."

لم تولد دول الخليج الحديثة من مسار تاريخي طبيعي كما حدث في كثير من الدول، بل وُلدت من معادلة خاصة تشكلت في منتصف القرن العشرين. النفط في الأرض، الحماية الغربية في السماء، وسلطة تقليدية على الأرض. هذه المعادلة صنعت استقراراً طويلاً، لكنها في الوقت نفسه أخّرت الأسئلة الكبرى التي تواجهها الدول عادة في بداياتها، سؤال السلطة، سؤال المشاركة، وسؤال معنى الوطن نفسه.

العلاقة بين المجتمع والحاكم في الخليج لم تُبنَ على عقد سياسي واضح، بل على تفاهم غير مكتوب. الدولة توفر الرفاه الاقتصادي، الوظائف، التعليم، والسكن. في المقابل يبتعد المجتمع عن السياسة ويترك إدارة الحكم للعائلة الحاكمة. هذه الصيغة نجحت عقوداً لأنها كانت مدعومة بثروة نفطية هائلة وبمظلة أمنية غربية قوية، خصوصاً بعد الحرب الباردة.

لكن الزمن تغيّر، والعالم تغيّر معه. جيل جديد وُلد في الخليج لا يشبه الأجيال التي سبقته. هذا الجيل لم يتشكل وعيه في قرية أو مدينة مغلقة، بل في فضاء رقمي مفتوح يرى العالم كله على شاشة هاتفه. يرى الانتخابات والبرلمانات والنقابات والجدل السياسي في كل مكان. يرى أيضاً أن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على توزيع الثروة، بل على المشاركة في القرار. هنا بدأت الهوة تتسع ببطء بين مجتمع يتغير بسرعة وسلطة تتحرك بحذر شديد.

في الماضي كان الاستقرار يقوم على قاعدة بسيطة، الوفرة الاقتصادية مقابل الهدوء السياسي. لكن هذه القاعدة لم تعد صلبة كما كانت. النفط لم يعد ضمانة أبدية، والاقتصادات الخليجية نفسها بدأت تبحث عن مصادر أخرى للدخل. ومع تقلص الفوائض المالية يصبح من الصعب الحفاظ على النموذج القديم الذي يقوم على شراء الاستقرار عبر الإنفاق. لكن التحول الأخطر لم يكن اقتصادياً فقط، بل سياسياً واستراتيجياً.

منذ عقود عاشت دول الخليج تحت مظلة أمنية غربية، تقودها الولايات المتحدة. كانت القواعد العسكرية، الأساطيل البحرية، وصفقات السلاح الضخمة تشكل شبكة حماية شبه مطلقة. في المقابل حصلت واشنطن على ما تريده، تدفق النفط واستقرار أسواق الطاقة. غير أن هذه المظلة بدأت تتغير تدريجياً. الولايات المتحدة لم تعد ترى الشرق الأوسط مركز العالم كما كان في القرن الماضي. أولوياتها انتقلت نحو آسيا وصعود الصين، وعودة التنافس مع روسيا. وفي هذه الحسابات الجديدة لم يعد الخليج يحتل المكانة نفسها في الأمن القومي الأميركي كما كان في الماضي. بكلمات أخرى، الحماية لم تختف تماماً لكنها لم تعد مطلقة كما كانت. أصبحت علاقة مصالح قابلة للتفاوض لا التزاماً دائماً.

هذه الحقيقة أحدثت صدمة هادئة داخل النخب الخليجية. لعقود طويلة كان الاعتقاد السائد أن المظلة الغربية ثابتة مثل الجغرافيا. لكن الحروب الأخيرة والتردد الأميركي في التدخل المباشر أظهرا أن تلك المظلة يمكن أن تنكمش في أي لحظة. وهنا تظهر المفارقة الكبرى. الدول التي اعتمدت طويلاً على الحماية الخارجية تجد نفسها الآن مضطرة إلى مواجهة سؤال الداخل. عندما تضعف المظلة الخارجية يصبح الاستقرار الداخلي هو خط الدفاع الأول. وليس هناك استقرار دائم بلا عقد سياسي واضح بين الدولة والمجتمع.

في هذا السياق يتحول مفهوم الوطن نفسه. الوطن في التجربة الخليجية لم يكن دائماً مفهوماً سياسياً بالمعنى الحديث، بل كان امتداداً للعائلة الحاكمة والقبيلة والولاءات التقليدية. المواطن يحصل على الرعاية مقابل الولاء. لكن هذا النموذج بدأ يواجه حدودَه مع صعود فكرة المواطنة الحديثة. المواطنة تعني شيئاً مختلفاً. تعني أن الدولة ليست ملكاً لعائلة أو قبيلة، بل إطار قانوني يجمع الجميع. تعني حقوقاً واضحة، ومسؤوليات واضحة أيضاً. وتعني قبل ذلك كله مشاركة في القرار العام.

هذا التحول ليس سهلاً. لأن الأنظمة التي بُنيت على شرعية تقليدية تجد صعوبة في إعادة تعريف نفسها داخل نموذج الدولة الحديثة. فتح المجال السياسي قد يثير صراعات داخل النخب الحاكمة نفسها، ويعيد توزيع القوة بطريقة لم تعتد عليها هذه الأنظمة. لكن البديل ليس أسهل. المجتمعات التي تشعر بأن الدولة بعيدة عنها سياسياً تبدأ بالبحث عن هويات بديلة، طائفية أو قبلية أو أيديولوجية. وعندها يصبح الاستقرار هشاً حتى لو بدا الخارج هادئاً.

التاريخ يقول شيئاً بسيطاً في هذا الشأن. الدول التي تبني مؤسسات قوية قادرة على امتصاص الأزمات. أما الدول التي تعتمد على الأشخاص أو الثروة وحدها فتبقى عرضة للاضطراب كلما تغيرت الظروف. الخليج اليوم يقف أمام لحظة مفصلية. المظلة الخارجية لم تعد كما كانت، والجيل الجديد لم يعد كما كان، والاقتصاد نفسه يتغير.

الخيارات المطروحة ليست كثيرة. إما إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس عقد سياسي حديث يقوم على المواطنة والمؤسسات، أو الاستمرار في نموذج قديم يزداد هشاشة مع مرور الوقت. الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القواعد العسكرية ولا الأبراج الزجاجية. يصنعه شعور المواطن بأن هذا الوطن وطنه فعلاً، لا مجرد مساحة يعيش فيها تحت حماية السلطة. وعندما يتشكل هذا الشعور يصبح الدفاع عن الدولة قضية مجتمع كامل، لا مهمة جيش أو حليف خارجي. عندها فقط لا تحتاج الدول إلى مظلة أحد.


نقلا عن شبكة النبأ المعلوماتية



#أمل_فؤاد_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرأت لك .. بين المدفع والخبر: معركة الحقيقة في زمن الحرب .. ...
- علم النفس المعرفي وتقييم القراءة
- الكينونة الوجودية .. وصياغة المعنى(2)
- الوعي الميتامعرفي والانحيازات المعرفية
- حول تسخير الطموح والاستقلالية والمرونة في نظام التعليم
- كيف يبدو العداء ضد مصر اليوم؟ (4)
- كيف يبدو العداء ضد مصر اليوم؟ (3)
- أهمية نظرية المعرفة في إعداد المعلمين
- استهلال .. الوعي
- حوار مع شات جي بي تي حول التفريق بين الذكاء والإذكاء في المج ...
- حوار مع شات جي بي تي حول التفريق بين الذكاء والإذكاء في المج ...
- حوار عابر سبيل مع شات GPT
- رؤى جديدة حول المناهج الدراسية
- النظرية التربوية لايمانويل كانط (2)
- النظرية التربوية لايمانويل كانط (3)
- أنا و chat gpt حوار مفتوح على السؤال المعرفي
- وعاء الوجود .. حين تلتقي - الكنانة بالكينونة -
- الأرض وتيار الوعي .. بين ضفة المعنى .. وفضول العدم دراسة .. ...
- الأرض وتيار الوعي .. بين ضفة المعنى .. وفضول العدم .. دراسة ...
- كادر .. ام كوادر ؟ كتابة عبر نوعية


المزيد.....




- هل تعرّض منشقون كوريون شماليون لإشعاع موقع التجارب النووية؟ ...
- مراهنات الحرب.. حصري: شخص يربح قرابة مليون دولار برهاناته ال ...
- باكستان تطرح نفسها منصةً لمفاوضات محتملة: لماذا تبدو ساحة من ...
- الجيش الأميركي يبدأ اختبار -بلاك هوك- ذكية: مروحية بلا طيار ...
- مضيق هرمز.. ترامب يشير إلى احتمالية سيطرته على الممر المائي ...
- محمد شهاب.. فاجعة أم لبنانية بمقتل ابنتها وزوجها
- حزب الله يرفض -بشكل قاطع- قرار طرد سفير إيران من لبنان
- لماذا تخلى زوكربيرغ عن حلم -الميتافيرس- لصالح الذكاء الاصطنا ...
- لغز -الرجل الأكثر احتراما-.. تصريح لترمب حول المفاوضات مع إي ...
- تفسيرات متباينة بالمنصات للتصعيد رغم تمديد مهلة ترمب لإيران ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أمل فؤاد عبيد - قرأت لك .. سقوط المظلّة للكاتب / رياض الفرطوسي