أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟















المزيد.....

هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 00:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

24 آذار/مارس 2026


لم يعد السؤال كما كان في السابق، ولم يعد حكرًا على النقاش العربي وحده. في السنوات الأخيرة، خرج هذا السؤال من حدود المنطقة ليصبح حاضرًا، ولو بصيغ مختلفة، في نقاشات أوروبا والولايات المتحدة: هل لإسرائيل “حق في الوجود”؟

قد يبدو هذا السؤال بديهيًا للبعض، لكنه يحمل في طياته تناقضًا عميقًا بين الواقع السياسي والقانون الدولي، وبين الإعتراف الفعلي بالدولة وغياب الدولة الأخرى. فإسرائيل، بكل مؤسساتها وحدودها الواقعية، قائمة على الأرض وتمارس سيادتها، بينما فلسطين، رغم الإعتراف الدولي المتزايد بها، لا تزال محرومة من المقومات الأساسية للدولة المستقلة: السيطرة على الأرض، الوحدة الجغرافية، والسيادة الفعلية.

هنا، يصبح السؤال ليس مجرد إستفسار قانوني، ولا مجرد جدل سياسي، بل إختبارًا لمفهوم العدالة نفسه: هل يمكن أن يكون “حق الوجود” إنتقائيًا؟ وهل يعقل الحديث عن شرعية مكتملة لطرف واحد، بينما يُترك الطرف الآخر في حالة إنتظار مفتوحة؟

حين نتأمل الخطاب الدولي، نكتشف سريعًا أن عبارة “حق الدولة في الوجود” ليست مصطلحًا قانونيًا دقيقًا كما قد يبدو. لا نجدها في نصوص القانون الدولي، ولا في ميثاق الأمم المتحدة، ولا حتى في قراراته الأساسية. ومع ذلك، تُستخدم بكثافة في الخطاب السياسي، وكأنها حقيقة بديهية لا تقبل النقاش.

هذا التناقض ليس عرضيًا. فالقانون الدولي، في جوهره، لا يمنح الدول “حقًا مجردًا في الوجود”، بل يحمي وجودها عبر مبادئ أخرى: السيادة، وحظر إستخدام القوة، وعدم جواز الإستيلاء على الأراضي بالقوة. أي أن الدولة، من الناحية العملية، محمية من الإزالة، لكن دون أن يُصاغ ذلك في شكل “حق فلسفي” أو “مبدأ مجرد”.
غير أن هذا التمييز بين القانوني والسياسي يذوب تمامًا عندما نصل إلى الحالة الإسرائيلية.

منذ نشأة إسرائيل عام 1948، لم يكن الجدل يدور فقط حول حدودها أو سياساتها، بل حول شرعيتها ذاتها. ويُستحضر هنا عاملان تأسيسيان كثيرًا ما يُستند إليهما في السردية الدولية: وعد بلفور عام 1917، وقرار التقسيم عام 1947.

غير أن هاتين الركيزتين تظلان محل جدل عميق في القراءة القانونية. فـ“وعد بلفور” لم يكن، في جوهره، سوى إعلان سياسي صادر عن قوة إستعمارية لم تكن تملك السيادة على الأرض التي وعدت بها، وبالتالي لا يرقى إلى إنشاء حق قانوني ملزم. أما قرار التقسيم، فقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي جهة تصدر توصيات غير ملزمة قانونيًا، فضلًا عن أن القرار نفسه قام على معادلة واضحة: دولتان، عربية ويهودية، في آن واحد.

ومن هنا تنشأ مفارقة لا يمكن تجاهلها: إذا كان الأساس الدولي الذي إستند إليه قيام إسرائيل يقترن بقيام دولة فلسطينية في الوقت ذاته، فإن غياب هذه الدولة — أو إعاقة تحققها — لا يبدو مجرد تفصيل سياسي، بل عنصرًا يمسّ إكتمال الصورة القانونية التي يُبنى عليها خطاب “الشرعية” من الطرف الإسرائيلي.

ومع مرور الوقت، تطور الجدل من سؤال الإعتراف إلى مطلب أكثر تجريدًا: الإعتراف بـ“حقها في الوجود”. وقد يبدو هذا التحول طبيعيًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة نقل النقاش من أرض الواقع إلى فضاء رمزي مفتوح. فبدل أن يكون السؤال: أين تبدأ الدولة وأين تنتهي؟ أصبح: هل يحق لها أن تكون أصلًا؟

وفي لحظة تاريخية مفصلية، مع بداية مسار التسوية السياسية، دخل هذا المفهوم إلى صلب العملية التفاوضية. لم يعد الأمر يتعلق فقط بإنهاء الإحتلال أو رسم الحدود، بل بإقرار مبدأ سابق على كل ذلك: شرعية الوجود.

عندما قبلت منظمة التحرير الفلسطينية، في أوائل التسعينيات، الإعتراف بإسرائيل ضمن إتفاقيات أوسلو، لم يكن ذلك قرارًا بسيطًا، بل تحولًا إستراتيجيًا عميقًا. غير أن صيغة الإعتراف جاءت لافتة: “الإعتراف بحق إسرائيل في العيش بسلام وأمن” — صياغة تبدو متوازنة، لكنها تتجنب الإجابة عن السؤال الأهم: على أي أرض؟ وضمن أي حدود؟

ذلك الغموض لم يكن تفصيلًا صغيرًا، بل أصبح أحد أعمدة العملية السياسية نفسها. فبينما تم تثبيت وجود دولة قائمة، بقيت الدولة الأخرى — فلسطين — في حالة إنتظار مفتوحة.

هنا تتجلى المفارقة التي تثير قلق القارئ العربي: دولة يُطلب الإعتراف بحقها في الوجود، في وقت لا يزال فيه الطرف الآخر عاجزًا عن تحقيق وجوده الفعلي.

فإسرائيل، بكل المعايير الواقعية، دولة قائمة: لها مؤسسات، وحدود فعلية، وسيادة تمارسها على الأرض. أما فلسطين، فرغم الإعتراف الدولي المتزايد بها، لا تزال تفتقر إلى العناصر الأساسية للدولة المستقلة: سيطرة على الأرض، وحدة جغرافية، وسيادة كاملة.
وهكذا، يتحول مفهوم “حق الوجود” من مبدأ يفترض أن يكون متبادلًا، إلى معادلة غير متكافئة.

ولعل ما يزيد هذا التعقيد أن الخطاب السياسي لم يتوقف عند هذا الحد. فبعد سنوات من أوسلو، برز مطلب جديد: الإعتراف بإسرائيل ليس فقط كدولة، بل كـ“دولة يهودية”.

هنا، لم يعد النقاش يدور حول العلاقات بين دولتين، بل حول طبيعة الدولة نفسها. وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز السياسة إلى التاريخ والهوية والحقوق: ماذا يعني ذلك لملايين اللاجئين الفلسطينيين؟ وماذا يعني للمواطنين غير اليهود داخل إسرائيل؟ وهل يمكن التوفيق بين تعريف قومي للدولة ومبادئ المساواة الحديثة؟

في ضوء كل ذلك، قد يبدو السؤال الأول — هل لإسرائيل حق في الوجود؟ — أقل أهمية مما يوحي به. فالمشكلة ليست في وجود دولة قائمة، ولا في الإعتراف بها كواقع سياسي، بل في غياب التوازن بين هذا الوجود ووجود آخر لم يكتمل.

إن القانون الدولي، في جوهره، لا يمنح الإمتيازات بشكل إنتقائي. فإذا كان هناك مبدأ يُستخلص من تجربته، فهو أن الإستقرار لا يقوم إلا على الإعتراف المتبادل بالحقوق، لا على تكريس واقع طرف واحد.

ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الإعتراف بإسرائيل كدولة، بل في السؤال الذي يليه مباشرة: هل يُقابل هذا الإعتراف بإعتراف مماثل، فعلي لا نظري، بحق الفلسطينيين في دولتهم؟

ربما لهذا السبب، ظل مفهوم “حق الوجود” عاجزًا عن أن يكون مدخلًا للحل. فقد أستُخدم، في كثير من الأحيان، كبديل عن الأسئلة الأصعب: الحدود، السيادة، اللاجئون، والقدس — وهي الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها بشعار، مهما بدا بديهيًا.

وفي النهاية، لا تُبنى الدول بالكلمات، ولا تُحل الصراعات بالمفاهيم المجردة. ما يصنع السلام الحقيقي هو شيء أكثر تعقيدًا، وأكثر وضوحًا في الوقت نفسه: إعتراف متبادل، متوازن، ومترجم إلى واقع ملموس.

إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى السؤال مفتوحًا — لا لأن الإجابة غائبة، بل لأن شروطها لم تنضج بعد.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديمونا وما بعدها: إختبار الردع وحدود القوة في مواجهة إيران
- من صدمة النفط إلى ولادة البترودولار: كيف أُعيد تشكيل الإقتصا ...
- حرب تتجاوز الجغرافيا: قراءة تحليلية في أطروحة “خطة ينون” كما ...
- حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق ا ...
- ألكسندر دوغين - الترسانة السوفياتية في مواجهة الغرب
- ما بعد لاريجاني: هل أُغلقت نافذة التسوية بين واشنطن وطهران؟
- إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
- ألكسندر دوغين - «الولايات المتحدة تعمل على تفكيك شبكة حلفائن ...
- لا حليف لأمريكا سوى إسرائيل
- إيران بين النفط والخوارزميات - كيف يقرأ مفكران روسيان الحرب ...
- ألكسندر دوغين - الحرب بوصفها نهاية للعالم
- لماذا توسّع إيران ضرباتها لتشمل دول الخليج؟ تحليل روسي
- الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فال ...
- ألكسندر دوغين: الجميع منشغلون بإعادة تقسيم العالم… بينما نحن ...
- لغز حرب إيران: هل أخطأ ترامب الحسابات الكبرى؟
- ألكسندر دوغين - الخلافة العباسية الجديدة: كيف يتخيّل دوغين ص ...
- العدوان الثنائي على إيران - جردة حساب أولية
- إلى أن يرمش أحدهم أولاً: هل خرجت حرب الشرق الأوسط عن السيطرة ...
- حرب تتسع… ونقاش يتفجر في واشنطن
- مأزق الردع الإيراني: هل أخطأت إيران إستراتيجيًا؟ ولماذا لا ت ...


المزيد.....




- مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات
- ستارمر يحذر: انتهاء حرب إيران سريعا -وهم-
- إسرائيل تكثف غاراتها على ضاحية بيروت الجنوبية
- مسؤول إيراني بارز: تلقينا رسالة أميركية ونعمل على مراجعتها
- الكويت.. شظايا تخرج 7 خطوط كهرباء عن الخدمة
- تصعيد متواصل في لبنان.. وماكرون يحذر إسرائيل: أي احتلال لا ي ...
- كولومبيا: قتلى وجرحى في تحطم طائرة عسكرية جنوبي البلاد
- عاجل | مصدر طبي عراقي للجزيرة: مقتل قائد عمليات الأنبار في ا ...
- من المسؤول الإيراني البارز الذي ترشحه واشنطن -شريكا للتفاوض- ...
- ما الذي حققته إسرائيل من اغتيال القادة الإيرانيين؟


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - هل لإسرائيل حق في الوجود… بينما لا تولد فلسطين؟