أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق القوة














المزيد.....

حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق القوة


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 00:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


د. زياد الزبيدي

20 آدار/مارس 2026

تابعتُ خلال الفترة الماضية عددًا كبيرًا من المقالات والتحليلات لخبراء أردنيين وعرب وروس وأوروبيين وأمريكيين حول مضيق هرمز، من زوايا قانونية وسياسية واقتصادية وعسكرية متعددة، لكن رغم هذا الزخم التحليلي، بقي سؤال جوهري بلا حسم: هل يحق لإيران قانونيًا إغلاق المضيق ردًا على عدوان عسكري واسع النطاق؟

هذا السؤال لا يرتبط فقط بجغرافيا ممر بحري ضيق، بل يمس جوهر النظام الدولي نفسه، حيث تتقاطع سيادة الدول مع مصالح الإقتصاد العالمي، وتختبر فيه قواعد القانون الدولي أمام ضغوط القوة والسياسة.


الإطار القانوني: بين 1958 و1982

سعى المجتمع الدولي منذ اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي 1958( Geneva Convention on the Territorial Sea and the Contiguous Zone) إلى وضع قواعد تنظّم العلاقة بين الدولة الساحلية وحرية الملاحة، حيث أقرّت هذه الاتفاقية مبدأ "المرور البريء" الذي يسمح للسفن الأجنبية بالعبور عبر المياه الإقليمية بشرط عدم تهديد أمن الدولة.

لاحقًا، جاءت إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 UNCLOS لتشكّل إطارًا أكثر شمولًا، حيث أرست نظام "المرور العابر" في المضائق الدولية، الذي يضمن حرية الملاحة بشكل مستمر وسريع، ولا يجوز تعطيله حتى في أوقات التوتر.

غير أن إتفاقية 1982 لم تُلغِ إتفاقية 1958 بالكامل، بل قامت بتحديثها وتوسيعها، مع الإبقاء على مبادئها الجوهرية، وعلى رأسها "المرور البريء"، الذي لا يزال يشكّل جزءًا من القانون الدولي العرفي، وهو ما تعترف به طهران مرجعا لها.

المرور البريء والمرور العابر: توازن دقيق

يقوم النظام القانوني للملاحة البحرية على تمييز أساسي بين نوعين من المرور. فالمرور البريء يمنح الدولة الساحلية حق تنظيم العبور داخل مياهها الإقليمية، بل وتعليقه مؤقتًا إذا كان هناك تهديد لأمنها. أما المرور العابر، فينطبق على المضائق الدولية، ويفرض على الدول الساحلية عدم عرقلة حركة السفن، بإعتبار هذه المضائق شرايين حيوية للمجتمع الدولي بأسره.

هذا التمييز يعكس محاولة قانونية دقيقة لتحقيق توازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة العالمية، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام إشكاليات كبرى عندما تدخل هذه القواعد في سياق نزاع مسلح.

مضيق هرمز: الجغرافيا والسيادة

يقع مضيق هرمز بين دولتين مشاطئتين فقط: إيران من الشمال، وسلطنة عمان من الجنوب عبر محافظة مسندم، في حين تعتمد عليه دول الخليج الأخرى إقتصاديًا دون أن تكون مشاطئة مباشرة له.

وتبرز هنا خصوصية الحالة الإيرانية؛ فطهران وقّعت على اتفاقية 1982 لكنها لم تصادق عليها، ما يعني أنها ليست ملزمة تعاقديًا بكامل أحكامها، وإن كانت بعض قواعدها تُطبق عليها بإعتبارها عرفًا دوليًا. في المقابل، تعترف إيران صراحة بمبدأ "المرور البريء" وفق اتفاقية 1958، ما يمنحها أساسًا قانونيًا لإدارة مرور السفن ضمن إطار سيادتها، خاصة في حالات التهديد أو العدوان.

القانون الدولي العرفي: من يصنع القاعدة؟

يثير القانون الدولي العرفي تساؤلًا جوهريًا حول مصدره، إذ لا يصدر عن سلطة تشريعية مركزية، بل يتكوّن تدريجيًا عبر ممارسة الدول وإعتقادها بأن هذه الممارسة تمثل إلتزامًا قانونيًا. ويتم التعرف على هذه القواعد من خلال إجتهادات هيئات مثل محكمة العدل الدولية، ومواقف الدول في الأمم المتحدة، إضافة إلى الفقه القانوني.

غير أن هذه القواعد ليست على درجة واحدة من الإلزام؛ فبعضها يرتقي إلى مستوى "القواعد الآمرة"، مثل حظر الإبادة الجماعية، في حين تبقى قواعد أخرى، ك"حرية الملاحة"، ضمن نطاق قابل للتفسير والتقييد، خاصة في حالات النزاع والدفاع عن النفس.


العدوان وحق الدفاع: هل تتقدم السيادة على الملاحة؟

في حال تعرض دولة لعدوان واسع النطاق، يشمل تدمير منشآتها الحيوية وإستهداف أراضيها، فإن القانون الدولي يعترف بحقها في الدفاع عن النفس. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل تُجبر الدولة على إبقاء مضائقها مفتوحة أمام الطرف المهاجم؟
من الناحية القانونية، لا يمكن إعتبار حرية الملاحة حقًا مطلقًا في مثل هذه الحالات. إذ يجيز القانون للدولة المعتدى عليها إتخاذ إجراءات ضرورية ومتناسبة لحماية سيادتها، بما في ذلك فرض قيود على المرور إذا كان يُستخدم لدعم العمليات العدائية ضدها.
وبذلك، يصبح التوازن بين حرية الملاحة وحق الدفاع عن النفس مسألة تقدير قانوني وسياسي معقد، وليس قاعدة جامدة قابلة للتطبيق في جميع الظروف.

حروب المضائق: الإقتصاد العالمي على المحك

لا تقتصر أهمية المضائق على بعدها القانوني، بل تمتد إلى الإقتصاد العالمي، حيث تمثل نقاط إختناق إستراتيجية لتدفق الطاقة والتجارة. فمضائق مثل مضيق ملقا وباب المندب وقناة السويس تشكّل شرايين حيوية، وأي تهديد لها ينعكس فورًا على الأسواق العالمية.

ولهذا، فإن الحديث عن “إغلاق” أي مضيق لا يُقرأ فقط في سياق قانوني، بل بإعتباره أداة ضغط جيوسياسية يمكن أن تعيد تشكيل موازين القوى الدولية.

الخاتمة: مفارقة القانون والقوة

في النهاية، تكشف النقاشات حول مضيق هرمز وحرية الملاحة، مقابل الجدل الدائر حول توصيف ما يجري في قطاع غزة، عن مفارقة عميقة في بنية النظام الدولي المعاصر. فبينما تُعد بعض القواعد – كحظر الإبادة الجماعية – من أكثر القواعد صرامة ووضوحًا من حيث المبدأ، فإن تطبيقها العملي يظل خاضعًا لتأويلات متباينة، في حين تحظى قواعد أخرى بدرجة أعلى من الإجماع والتنفيذ.

هذه المفارقة لا تعني غياب القانون الدولي، بل تكشف حدوده العملية، حيث تتداخل القواعد مع المصالح، ويخضع تطبيقها لتوازنات القوة.
وفي هذا السياق، لا يكمن التحدي الحقيقي في وجود القواعد، بل في تطبيقها على الجميع بالمعيار ذاته. فبين نصوص القانون ووقائع السياسة، تتحدد مصداقية النظام الدولي، ويُختبر مستقبله.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - الترسانة السوفياتية في مواجهة الغرب
- ما بعد لاريجاني: هل أُغلقت نافذة التسوية بين واشنطن وطهران؟
- إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران
- ألكسندر دوغين - «الولايات المتحدة تعمل على تفكيك شبكة حلفائن ...
- لا حليف لأمريكا سوى إسرائيل
- إيران بين النفط والخوارزميات - كيف يقرأ مفكران روسيان الحرب ...
- ألكسندر دوغين - الحرب بوصفها نهاية للعالم
- لماذا توسّع إيران ضرباتها لتشمل دول الخليج؟ تحليل روسي
- الدين والسياسة في الحرب ضد إيران: قراءة تحليلية لأطروحات فال ...
- ألكسندر دوغين: الجميع منشغلون بإعادة تقسيم العالم… بينما نحن ...
- لغز حرب إيران: هل أخطأ ترامب الحسابات الكبرى؟
- ألكسندر دوغين - الخلافة العباسية الجديدة: كيف يتخيّل دوغين ص ...
- العدوان الثنائي على إيران - جردة حساب أولية
- إلى أن يرمش أحدهم أولاً: هل خرجت حرب الشرق الأوسط عن السيطرة ...
- حرب تتسع… ونقاش يتفجر في واشنطن
- مأزق الردع الإيراني: هل أخطأت إيران إستراتيجيًا؟ ولماذا لا ت ...
- ما وراء التفوق العسكري: كيف يمكن لواشنطن أن تخسر حربًا لا تُ ...
- ظلال فيتنام وأفغانستان: هل تكرر أمريكا أخطاءها في مواجهة إير ...
- ألكسندر دوغين - حرب بعل
- الأكراد وإيران في مرمى الإستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية


المزيد.....




- ترامب ينشر صورة لدولة مع وصفها بأنها -الولاية الأمريكية الـ5 ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدعو إلى الحوار مع روان ...
- إيران ترد على تقارير بشأن تسرب نفطي قبالة جزيرة خارك
- هل كان الالتزام بالاتفاق النووي الإيراني ليمنع حرب اليوم؟
- تقييمات سرية تعارض رواية ترمب.. إيران تستعيد 90% من منشآتها ...
- بصورة روبيو.. سخرية أميركية -رسمية- من مادورو
- 380 قتيلا في لبنان بهجمات إسرائيلية خلال -الهدنة-
- زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت ...
- وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - حروب المضائق في النظام الدولي الجديد: بين نص القانون ومنطق القوة