أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية في الفكر الشرقي وأزمة المعنى المعاصرة















المزيد.....

علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية في الفكر الشرقي وأزمة المعنى المعاصرة


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:13
المحور: قضايا ثقافية
    


الجمال كقوة مقدسة ومخيفة
تضرب جذور العلاقة بين الإنسان والجمال في أعماق التجربة البشرية الأولى؛ إذ لم يكن الجمال يوماً مجرد قيمة حيادية أو زينة عابرة، بل كان جزءاً أصيلاً من كيان الوجود. في المجتمعات البدائية، خضعت العلاقة مع كل ما هو خارق للطبيعة ،بما في ذلك الجمال الفائق، لنظام صارم من "المحرمات" (التابو). هذا النظام لم يكن مجرد قوانين زجرية، بل كان يمثل آلية نفسية واجتماعية نابعة من رهبة الإنسان أمام ما لا يستطيع استيعابه أو إخضاعه لسلطته. لقد ولد الجمال في وعي الإنسان الأول مقترناً بالهيبة، حيث المجهول يفرض احترامه من خلال الخوف.

رؤية علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)
تشير الدراسات في علم الإنسان، ولا سيما أعمال "ماري دوغلاس" في كتابها "الطهارة والخطر"، إلى أن المنظومات الاعتقادية الأولى استلهمت وجودها من الرهبة، وربطت بشكل وثيق بين المقدسات ومفاهيم الدنس والنظافة. في هذا السياق، يصبح الجمال الذي يتجاوز المألوف نوعاً من "الفوضى المقدسة" التي قد تهدد استقرار النظام الاجتماعي. لذا، كان لا بد من إحاطته بنظم من الفصل والتنقية لضمان عدم حدوث "عدوى" من هذه القوة الجمالية أو الروحية. إن وظيفة المحرم هنا هي "حصر الخطر"، مما يجعل التجربة الإنسانية العشوائية قابلة للسيطرة من خلال المؤسسات الاجتماعية والقبلية.

المقاربة النفسية والتحدي المعرفي
يربط "سيجموند فرويد" في أطروحاته حول "الرمز والمحرم" بين العقل البدائي والنزعات النفسية الحديثة، معتبراً أن المحرمات هي قوانين وضعت لأن البشر لديهم رغبات دفينة في انتهاكها. الجمال هنا، الممثل في "الرمز المقدس"، يصبح محطاً للإسقاطات النفسية؛ فهو المرغوب بشدة والمخيف بشدة في آن واحد. هذه الازدواجية تجعل من الجمال قوة "فتانة" قادرة على زعزعة استقرار الفرد، وهو ما يفسر القيود الصارمة التي فرضتها المجتمعات القديمة على كل ما هو استثنائي.
من جانب آخر، يقدم "فرانز بواس" في كتابه "عقل الإنسان البدائي" رؤية مغايرة ترفض اعتبار العقل القديم أدنى مرتبة من العقل الحديث. يؤكد بواس أن "الخوف من الجمال" لم يكن جهلاً، بل كان نظاماً معرفياً معقداً يسعى لترتيب العالم وتأمين بقاء الجماعة في بيئات قاسية. وعلى الرغم من ندرة الاهتمام "النظري المحض" بالطبيعة عند الإنسان الأول، كما يشير "برونيسلاف مالينوفسكي"، إلا أن الأسطورة والجمال المرتبط بها كانا يؤديان وظيفة ثقافية حيوية؛ فالجمال كان "جمالاً وظيفياً" مرتبطاً بالطقس والمنفعة الروحية.

لماذا تحارب المنظومات الفكرية المتطرفة حرية الفن؟
هنا نصل إلى سؤال جوهري: لماذا تضيق الحركات المتطرفة ذرعاً بالفن والجمال؟ إن الإجابة تكمن في أن الفن، بطبيعته، هو فعل "تحرر وتفرد"، بينما تقوم المنظومات المتطرفة على "النمذجة والسيطرة".
يدعي الفكر المتطرف امتلاك الحقيقة المطلقة والوحيدة، بينما يقدم الفن تأويلات متعددة للواقع. الفنان يرى في القبح إمكانية للتغيير، وفي الجمال أفقاً للحرية، وهذا التعدد يفكك وحدة الخطاب المتطرف "الشمولي".
الخوف من الجمال هو في جوهره خوف من "المخيلة". الإنسان الذي يتذوق الجمال يمتلك القدرة على الحلم بعوالم بديلة، وهو ما يجعله عصياً على التدجين الأيديولوجي.

تفكيك ثنائية "المقدس والدنس": تعيد الحركات المتطرفة إحياء "المحرم البدائي" بصورته الخام، حيث يُنظر إلى الفن (تصويراً، أو نحتاً، أو موسيقى) بوصفه "فتنة" تخرج الإنسان عن السيطرة المركزية للمنظومة. إنهم يخشون "الأثر الحسي" للفن لأنه يخاطب الوجدان مباشرة، متجاوزاً القوالب التلقينية الجاهزة.
عندما يفرض المتطرفون "قبحاً قسرياً" على المجتمع (عبر تدمير الآثار، أو فرض زي موحد باهت، أو تحريم الموسيقى)، فإنهم يهدفون إلى تحطيم الروح المعنوية للفرد، وجعله يشعر بضآلته أمام سطوة المنظومة. لذا، يصبح التمسك بالجمال في هذه المجتمعات فعلاً من أفعال المقاومة الوجودية.

الفروق الفلسفية بين الجماليات الشرقية والغربية
تتجلى هذه الفروق في كيفية التعامل مع الواقع والمثالية؛ فبينما يركز الغرب غالباً على العقلانية والمنطق المادي، يميل الشرق نحو التناغم والجوهر الروحي. هذا التوجه نحو "الغيب" والمعنى الباطني جعل من الجمال في الفكر الشرقي حصناً ضد العدمية. كان الجمال يُفهم بوصفه "إحساناً"، أي تجسيداً للحكمة الإلهية في عالم الشهادة.

الأثر النفسي والحيوي للقبح الحضري
تتجاوز المشكلة مجرد "الانزعاج البصري" لتصل إلى تغييرات في كيمياء الدماغ والسلوك الاجتماعي. يربط المفكر "فؤاد زكريا" بين "أزمة العقل" والتدهور الجمالي، معتبراً أن المجتمعات التي تفتقر إلى الحرية تميل إلى إخفاء واقعها القبيح خلف "مظاهر شكلية" زائفة. هذا "النفاق الجمالي" يساهم في فقدان العالم لمعناه، حيث يصبح الجمال مجرد "قشرة" خارجية لا تعبر عن جوهر حقيقي، مما يؤدي إلى حالة من الاغتراب النفسي الجماعي.

الوجودية والجمال: خلق المعنى في مواجهة العبث
في المقابل، تطرح الفلسفة الوجودية تساؤلات حادة. يرى "فريدريك نيتشه" أن الجمال ليس صفة موضوعية، بل هو "خلق إنساني"، فالإنسان هو من يسبغ الجمال على العالم ثم ينسى فعله هذا. ومع ذلك، يرى وجوديون آخرون مثل "سارتر" و"ميرلو بونتي" أن الفن هو وسيلة لـ "كشف" العالم. الفنان يفرض وحدة العقل على تنوع الأشياء، مما يمنح الإنسان شعوراً بأنه "جوهري" في علاقته بالكون. الجمال هنا هو الحصن الأخير ضد "العبث"؛ فالعالم قد لا يكون له معنى ذاتي، لكن فعل الجمال يخلق هذا المعنى.

جمالية القبح والتمرد الفني
أدى الشعور بالخيبة في العصر الحديث إلى ظهور "جمالية القبح". لم يعد الهدف تمثيل "الجميل" التقليدي، بل استخدام التشويه لنقد الواقع السياسي والاجتماعي. حركات مثل "الدادائية" كانت صرخة ضد العقلانية الزائفة التي أدت للحروب. وفي السياق العربي المعاصر، استخدمت الرواية "جمالية التخييل" لتصوير الألم. إن تصوير القبح يصبح فعلاً جمالياً إذا كان يهدف إلى استعادة إنسانية الإنسان في وجه القهر، لكن الاستغراق فيه دون أفق أخلاقي قد يؤدي إلى "عدمية شاملة".

الجمال كضرورة حضارية
إن استعادة المعنى، خاصة في منطقتنا العربية، تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم "الإحسان" كقوة حيوية وإبداعية، وتجاوز "الخوف القديم" الذي تحول إلى قيود اجتماعية هامدة. الجمال ليس ترفاً، بل هو عنصر جوهري تكتمل به مقومات الإنسانية. إن الانتقال من "رهبة الجمال" (كمحرم) إلى "محبة الجمال" (كفضيلة وحرية) هو المسار الحضاري الوحيد الذي يحمينا من السقوط في العدمية الشاملة، ويمنح العالم معناه المتجدد.
-------------------------------
مراجع مقترحة
ماري دوغلاس: "الطهارة والخطر" (تحليل المفاهيم البدائية للدنس والنظام).
سيجموند فرويد: "توتيم وتابو" (الجوانب النفسية للمحرمات).
فؤاد زكريا: "آفاق الفلسفة" أو "خطاب إلى العقل العربي".
فريدريك نيتشه: "إرادة القوة" (حول خلق القيم والجمال).
ميرلو بونتي: "العين والعقل" (فلسفة الإدراك والفن).



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجودية التأسيسية للجهل: من الغياب السلبي إلى الحضور النشط
- النقد الماركسي للميتافيزيقيا والذرائعية في إدارة الوجود: صرا ...
- السخرية البطولية والتورط الجميل
- العظمة القذرة والعار السامي
- تهافت الأكاليل.. هجرةٌ ثانية إلى -التيه- نص ميتا سريالي
- المانيفستو الميتاسريالي: من عفوية اللاشعور إلى هندسة الوجود ...
- جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية
- تجليات العدم المضيء - نص ميتا سريالي
- رقصةُ -المخدّر الموزون- على مِقصلةِ -العدم- نص ميتا سريالي
- جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي
- التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
- كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي
- الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضار ...
- يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا ...
- قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
- الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات ...
- العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
- الهروب من سياج المعنى: انهيار ميتا سريالي
- الحضارة والاستحواذ: مقاربة فلسفية تطورية في مآلات التحضر الم ...
- اليرقة الكونية خلف حدقة العين حفل عشاء في جمجمة -مينوتور- نص ...


المزيد.....




- من غرفتك إلى العالم.. الواقع الافتراضي يُتيح السفر العلاجي ل ...
- لا مكان للاختباء على متن السفينة: البحّارة العالقون قرب إيرا ...
- سفارة واشنطن بالعراق تحت القصف واعتراض صواريخ في السعودية وق ...
- كوريا الشمالية تطلق نحو عشرة صواريخ بالستية تزامنا مع المناو ...
- هل تتحول حرب إيران إلى أزمة انتخابية تهدد ترمب؟
- قصف خارك.. هل تدخل خطط ترمب لضرب شريان النفط الإيراني حيز ال ...
- بعد ارتفاع أسعار الوقود.. شاهد ما قاله أمريكيون لـCNN عن الح ...
- أحدهم مصري.. الإمارات تقبض على 10 أشخاص لنشرهم مقاطع فيديو ز ...
- اليوم الـ15 للحرب.. واشنطن تضرب جزيرة خرج -قلب إيران النفطي- ...
- ترامب: قصفنا جزيرة خرج الاستراتيجية.. وإيران تتوعد


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية في الفكر الشرقي وأزمة المعنى المعاصرة