|
|
تدمير الثقافة الجامعة من السلعنة إلى صناعة الخدمة السريعة
بلال عوض سلامة
محاضر وباحث اجتماعي
(.b. A. S)
الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 02:29
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
تدمير الثقافة الجامعة من السلعنة إلى صناعة الخدمة السريعة ملحوظة: تم نشر هذه الدراسة في مجلة الجنوب: المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية، ع. 1
تعالج هذه الدراسة تدمير الثقافة الجامعة، وتراجعها بشكل ملحوظ منذ أكثر من ثلاثة عقود في السياق الفلسطيني المستعمَّر، وذلك نتيجة للسياسات المالية والقانونية والتوجهات النيوليبرالية للسلطة الفلسطينية، وفرضها على المجتمع الفلسطيني في مناشطه اليومية. تستعرض الدراسة انعكاس تلك السياسات والتوجهات على مكونات الثقافة الفلسطينية التي تشير إلى نظرة الشعب الفلسطيني إلى:نفسه ووجوده وقيمه وشكل الحياة، وقدراته وما ينبغي أن يعمل وأن يأمل في السياق الاستعماري. وبعد استبعاد ومحاصرة الأجساد الجمعية من القوى الوطنية والسياسية والمجتمعية، التي تشكل مانعاً لتجسيد تلك المنظومة، فقد وصلت الحرب المعلنة على المكان الذي يفترض أن تتطور فيه الثقافة داخل أسوارها، وهي الجامعة. فقد عُمِل على إخراج الثقافة بمعانيها التقدمية والوطنية عبر تبني تخصصات وبرامج ومساقات تقنية ومهنية وحرفية تفصل بين العلم والثقافة، وتقوم على استبعاد المفاهيم والقيم، نحو: الحريات الأكاديمية، وغياب الديموقراطية، والمعرفة الوطنية التحررية، التي تهب الإنسان الفلسطيني المعنى، لتتحول تلك الاختصاصات والبرامج الأكاديمية إلى خدمات سريعة وقليلة، إن لم تكن مسلوبة الفكر والثقافة. وبذا، تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على خطورة التراجع الثقافي والفكري في الجامعات الفلسطينية، الأمر الذي يهدد بتدمير الثقافة والجامعة في آن معاً.
تقديم
تقوم فكرة الجامعة، من الناحية النظرية، على أساس الحضانة والحصانة للمفكرين والعلماء الذين يشككون في المعرفة المطلقة، فاتجهت المجتمعات تاريخياً نحو مأسسة التعليم والهيكل المعرفي بشكل مستقل لكنه ذو صلة بالمجتمع، تحت مسمى الجامعة كمجمع المعلمين والأكاديميين. ومن جانب آخر، نُظر إلى وظيفة الجامعة ليس من بعد الإنتاج العلمي والمعرفي فحسب، وإنما من بعد اخضاع ذلك المنتج لسياق نقدي واجتماعي وفلسفي.
ولذا، تلعب الجامعة دوراً في التأثير على المجتمع الذي تعمل فيه، وتعد وظيفتها، من ناحية بنيوية، أحد عوامل التنمية المعرفية والعلمية. وحتى تحقق غايتها، لا بد من وصول الجامعة إلى أكبر قدر ممكن من القدرة على التأثير في دوائر متعددة في المجتمع. فتنوع الطلبة وانصهارهم في المجتمع، يشكل دعامة لذلك بغية تلبية احتياجات المجتمع المتنامية على نحو استباقي. وهذا، بطبيعة الحال، يستلزم ايمان مجتمع الأكاديميين والإداريين بتلك القيم والمعايير والالتزام بتكريسها كثقافة ناظمة حتى تستطيع الجامعة أن تحدث فرقاً حقيقياً في حياة المجتمع ومستقبله.
فالجامعة في السياق الاستعماري بحاجة إلى ثقافة تقدمية يعول عليها كأداة للتحرر والانعتاق والتخلص من الجهل والقهر والسلب والاستقلال بالمعنى الشامل، يجب أن تكون ذات مرجعية وطنية، بعدما تم تفتيت الثقافة الوطنية الفلسطينية وقواها الوطنية والجمعية حدَّ تدميرها. فعبر الثقافة الوطنية يمارس التأمل الذاتي والتحصن المجتمعي الوطنيين، والاستقلال السياسي والاجتماعي والثقافي درعاً ضد الاستعمار والقوى المرتبطة به. كما يفترض بالثقافة الفلسطينية أن تتسم بالمقاومة، بالمعنى الذي يذهب إليه فرانز فانون، لأن هدف الاستعمار هو "هدم الوجود الثقافي للشعوب." فنحن نتعامل مع الثقافة الوطنية والذاكرة الجمعية والمصير المشترك باعتبارها أدوات ثقافية في مواجهة الاستعمار، ذلك أن المستعمَر يريد من خلال الثقافة "الحفاظ على هويته" وبناء مستقبله. أما نحن، فنتعامل معها باعتبارها "نقيضـ[اً] للعادات الجامدة التي ليست إلا حطام ثقافة،" لأن الثقافة الوطنية تقوم على أسس التاريخ واللغة والشعب والمصالح المرتبطة بها.
وعلى ذلك، يتوجب على الجامعة، من خلال برامجها ومساقاتها، أن تعكس كل ما هو حي، وكل ما له علاقة بالثقافة المقاومة والوعي الجمعي والمصير المشترك، وباحتياجات وتطلعات المجتمع وطموحاته. كما وتعمل الجامعة على بلورة الهوية الجمعية والانتماء والتشاركية بين أعضاء المجتمع في تعزيز كل ما هو مشترك ومتجانس، لا التماثل الذي يقود إلى الجمود والتكلس والموت والتدمير الذاتي. فالثقافة، بمفهومها العام، تعزز الضمير الجمعي المشتق من الجماعة لا من الفرد، ذلك أن التمثلات القيمية والأخلاقية تجسد المستويات الثقافية التي ينتمي إليها الفرد. وبهذا المعنى، فالثقافة في السياق الاستعماري، والتي نستمدها من الجامعة، لا يفترض أن تعكس احتياجات السوق بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما تعكس آمال مجتمع يسعى للانعتاق والتحرر وتلبية احتياجاته بصورة مستقلة.
وانطلاقاً من هذه القناعات، الآخذة في التحول إلي بديهيات، تتناول هذه الدراسة وظيفة الجامعة تحت عنوان تدمير الثقافة الجامعة بمعنيين. المعنى الأول، يتعلق بالبعد الثقافي لكل ما هو مشترك وطني جمعي يحدد المنظومة القيمية والأخلاقية الوطنية التي تصلِّب الفلسطيني في مقاومته وسعيه إلى الوحدة والتحرر من الاستعمار الإحلالي الصهيوني، ويفترض أن تشكل حالة من الإجماع الفلسطيني الذي يتم المساس به، وأن توفر لأجل تحققه المنابر الثقافية والأدوات المعرفية والعلمية. والمعنى الآخر، يتعلق بتدمير الثقافة الوطنية التي كانت الجامعة تلعب دوراً في بلورتها وتحديدها ورفد مجتمعها بنخب وقيادات قادرة على القيام بالمهمات الوطنية والمجتمعية معاً، وذلك تخصصاتها وبرامجها وثقافتها التقدمية، قبل أن يتم اختزالها في مهننة تخصصاتها وإعادة هيكليتها ومناصبها التعليمية والإدارية استناداً إلى احتياجات السوق والتوجهات النيوليبرالية، وقبل أن تصير الثقافة محددة بمعنى الوظيفة والمهن السريعة التي يعلن عنها كواحدة من الوجبات السريعة في مجتمعات الاستهلاك الرأسمالية.
أشكلة العلاقة بين الثقافة والجامعة
يتم تناول قضية التعليم من بعدين متناقضين بحسب وظيفة التعليم ودورها الثقافي في بناء وتشكيل، وإعادة تشكيل، المجتمع وفق البنية الاقتصادية والاجتماعية المهيمنة فيه. يجعل الرأي الأول التعليم ذا مكانة محايدة وموضوعية، تعمل من خلاله المؤسسة التعليمية وفق منهج عقلاني و"علمي" يقوم على تأهيل الطلبة وفرزهم وتوزيعهم حسب إمكانياتهم وقدراتهم في المجتمع. في حين يعنى الرأي الآخر بكيفية تسخير التعليم في خدمة أجندات أيديولوجية باعتباره أداة منحازة يتم توظيفها من قبل الطبقات والشرائح والنخب المسيطرة من أجل تكريس هيمنتها وفرض سلطتها ورؤيتها على المجتمع، وهذا ما يطلق عليه ببير بورديو إنتاج "نموذج ثقافي وتعسفي."
هنا، ينظر للتعليم بوصفه حيزاً عاماً، كأحد أهم الفضاءات التي يجري فيها الصراع المجتمعي ويتم فيها تكريس الأيدلوجيا والثقافة المهيمنة بغية تمرير المنظومة المعرفية والقيمية والأخلاقية، والمشحونة برؤى سياسية بامتياز، من بعدين: الأول، يشحن الطلبة بمجموعة من المعايير السلوكية والأخلاقية لضمان استمرار المنظومة لأطول فترة زمينة ممكنة. والآخر، يعتمد التعليم كوسيلة فعالة لإنتاج أو إعادة إنتاج الثقافة السائدة في المجتمع أو خلق ثقافة جديدة تراها النخب الحاكمة ضرورية لتكريس نظامها الاقتصادي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي.
يرى لويس ألتوسير، في تناوله لقضية التعليم، أن المدرسة هي أحد أخطر أجهزة الدولة الأيديولوجية، حيث أن الطفل يتعلم من خلالها "قواعد السلوك الحميد ضمن الوظيفة المقدرة له، وقاعدة الأخلاق، والتمدن، والضمير المهني... والتعليم، بهذا السياق، يكون بتعلم الكيفية، وبأشكال تضمن الخضوع للأيديولوجية الحاكمة وفق تقسيم العمل وواقع الطبقية. وأما "محترفوا الأيديولوجيا"، كما يطلق عليهم ماركس، فيتم تشكيلهم وفق مهامهم في هكذا بنية." ولذلك، فالجامعة تعد المصنع الذي يعمل وفق هذه الرؤية ارتباطاً باحتياجات السوق ونمط الاقتصاد.
وفي حين لم يذهب كل من انطونيو غرامشي وبيير بورديو إلى قوانين التاريخ الماركسية، وإنما ركزا على بعد الثقافة باعتبارها واقع هيمنة بمفهوم غرامشي، الذي عنى بالهيمنة باعتبارها "شكلاً من أشكال السيطرة المبنية على الجمع بين القوة والقبول اللذين يتوازنان بأسلوب متفاوت، دون أن تتغلب القوة بشكل مفرط على القبول، بل تسعى لأن تبدو مستندة على قبول الأغلبية"، ويركز بورديو على الجانب النفسي للحقل الثقافي باعتباره "الشكل المستبطن للواقع الطبقي والاشتراطات." فالهيمنة الثقافية هي التي تحدد رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين ليس باعتبارها حقائق نفسية فقط، وإنما كتجسيد لحقائق سياسية واقتصادية تعبر عن نفسها بوضوح، وتمتد من المدرسة إلى الجامعة، إذ تُشكل الأخيرة فيه بنى معرفية وعلمية ومهنية ومسلكية تنسجم مع البنى المراد تشكيلها، والثقافة التي يراد صياغتها وتكريسها لضمان الخضوع التام للنظام القائم.
وعلى ذلك، تتم صناعة الثقافة بمنطق السوق والاقتصاد النيوليبرالي الذي يختزلها بدورها المناط بها، أي باعتبارها وظيفية في بنية المنظومة الرأسمالية، وبمهن سريعة لدولاب الخدمات السريعة التي لا تتطلب معرفة واسعة وتفكيراً عميقاً للكون الذي نعيش فيه. هنا، يتم العمل على اختزال التعلم، والتعليم العالي على وجه الخصوص، في إعداد خريجيين يلائمون السوق والمهن المعدة مسبقاً، فيما يتم تهميش الاستقلال الثقافي والتعليم بسبب الطابع الثقافي للجامعة على حساب الإعداد المهني، فتضمحل خصوصية الثقافة ويتخفي فيها روح التفكير والنقد. وفتح الخيارات الجديدة في ضوء التحديات، ولذا، ينظر إلى التعليم من بعد الخصخصة، ويتراجع باعتباره خدمة عامة للجميع، ويتراجع الأفراد في تحمل المسؤوليات الوطنية والمجتمعية بكل ما هو جمعوي، ويتراجع الوعي وشيوع الثقافة الرعوية، فيصبح من السهل تسليع كل شيء، بما فيه المعرفة والثقافة والإنسان.
إن أبرز ما تحتاج إليه الجامعة، والمجتمع أيضاً، هو كيفية التعامل مع المنظومة القيمية والوطنية والأخلاقية الناجمة عن تسليع المعرفة التي يتم فرضها من قبل اقتصاد المنظومة النيوليبرالية ومنطق الربح السريع. فالربح يكاد يهيمن على مناشط حياة الإنسان الوجودية، وصولاً إلى ما ينبغي فعله وما يجب أن يتعلمه، وما يفترض أن يفكر فيه، وكيفية تعامله وهو منطق وغاية الثقافة الجمعية. فهذا التسليع وسرعة تقديم الخدمة وتحصيل حاصل التعليم السريع، يخضع المعرفة لشروط الربح السريع ومنطقه، شأنه شأن شروط الإعلان والترويج وإغواء المستهلكين. هنا، لا تقاس الحقيقة والمعرفة والثقافة وفق مردودها المجتمعي والوطني والقيم الجمعية، بل وفق "مبدأ الجدوائية ومنطق الربح والخسارة."
ونتيجة لذلك، تتحول وظيفة الجامعة من توجيه المجتمع والأفراد نحو الغايات الجمعية والسلوك الثقافي والتحرر والقيم الجمعية الفلسطينية والتفاعل مع القضايا الوطنية والمصيرية، إلى القيم النيوليبرالية التي تعني ضمناً استنزاف القيم الإنسانية، وتبديد الاتجاهات الوطنية، ومحاصرة الحيز الإنساني والمعرفي والوطني، ومنع التحرر والنهوض الفكري. في هذا السياق، تتبنى الجامعة التوجهات المعرفية المرتبطة بخبرات تقنية وبمصالح فردانية مفرطة ومفرغة من الأبعاد الوطنية في التفكير والنقد والتكافل والتضامن والالتحام المجتمعي، وسيادة القيم المادية الاستهلاكية على القيم الأكاديمية والوطنية. إن استغلال التوجهات الرأسمالية للأزمات المالية في الجامعات سيؤدي تدريجياً إلى تراجع مكانتها المعرفية والثقافية وتقليل الثقة في مخرجاتها التعليمية. و في المحصلة، سيقود هذا إلى الاحتضار البطيء للجامعة باعتبارها مركز للثقافة الوطنية الجامعة. هنا، يتم استخدام الجامعة الفلسطينية وتوظيفها بدلاً من أن تكون صرح ثقافي ووطني لتصير أداة من أجل إعادة صياغة المجتمع من جديد ليصبح ذا طابع استهلاكي وفرداني لخدمة السوق والشركات المحلية والعالمية الكبرى.
في هذا السياق، دفع تسلل القيم النيوليبرالية إلى الجامعات الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو، وعلى ضوء الأزمات المالية والإدارية وغياب رؤى استراتيجية ووطنية مركزية، إلى خوض معركة تنافسية شديدة في السوق بعيدة كل البعد عن التوجهات الثقافية، كما دفعها إلى التغاضي عن خدمة المجتمع وتلبية احتياجاته الضرورية والملحة، وإفراغ التعليم من مضمونه وهدفه الوطني وبناء منهاج ومساقات مشبعة بالأفكار الليبرالية، الأمر الذي ترك أثراً سلبياً على المنظومة القيمية للجامعة.
لقد أثرت المفاهيم النيوليبرالية على إعادة هيكلة الجامعات واستقطاب كوادر وطواقم إدارية لا شأن لها لا بالتربية ولا بالتعليم ولا حتى بالبعد الفكري الثقافي الوطني، حتى أضحت الجامعات أقرب إلى منطق الشركات منها إلى منطق التعليم، وعلت لغة الربح والخسارة، وأضحى منطق السوق يتحكم في خطابها وممارساتها ووقراراتها متخلية بذلك عن دورها الأكاديمي والمعرفي والتعليمي، وأطيح ببرامج في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وحتى بعض تخصصات العلوم الطبيعية، تحت ذريعة أنها لم تعد مربحة.
ولم تعد الجامعات الفلسطينية تبحث عن الكفاءات المعرفية والعلمية بقدر ما تبحث عن موظفين قادرين على تطبيق الحوكمة، وصياغة المشاريع الممولة، والترويج لأفكار قادرة على الإغواء لبرامج جديدة. وإلا فكيف يفسَّر احتضان الجامعات للقاءات والدورات وورشات العمل التي تنفذها منظمات غير حكومية، ممولة غربياً في الغالب، تكرس في حالة من الفوضى مفاهيم الفردانية المفرطة، والحريات الفردية، وكيفية التعامل مع المشكلات الفردية.. إلى آخره.
تميل الجامعات الفلسطينية إلى هذه الفوضى لأنها قادرة على خلق انطباع للمشاهد عبر الإعلان عنها بنشاطية وانفعالية وحركية تحاكي سرعة السوق في تقديم الخدمة دون جهد ووقت للتفكير في المعلومة ووزنها عبر منصات التواصل الاجتماعي. فهي شكل دون مضمون، وثقافة سريعة دون معرفة ووعي لن تحتاج الكثير من الوقت لترتيب إجرائها وعقدها، على عكس العملية المعرفية والثقافية في الصفوف الأكاديمية التقليدية التي أصبحت "موضة قديمة". هذه المقاربة تكشف عن حقيقة "الشركة" التي لن تتغيير في تحسين خدمة الزبون وإطلاق منتجات جديدة، واللجوء إلى تقنيات متطورة في الترويج للمنتج أو زيادة الفعالية في منافسة الآخرين. فالشركة يجب أن تتخذ القرارات بسرعة، وهكذا أصبحت الجامعات تتخذ القرارات بسرعة لأنها تريد تسويق منتجها في مقابل شركات (أي جامعات) أخرى. وهذا منطق يتنافى مع منطق عمل الجامعة وقيمتها.
إن تسويق الخدمة أصعب بكثير من تسويق السلعة. فالسلعة قابلة للإدراك الحسي من قبل المجتمع والمؤسسات من حيث تقديرها أو الحكم عليها حسب الحاجة لها. أما الخدمة، فغير ملموسة وغير مدركة بالنظرة السريعة، وإنما تتعلق بالعلامة التجارية وبناء الثقة والفترة الزمنية التي تدوم بها. واستناداً إلى هذا المنطق، تجاري الجامعات هذا التوجه في استثمار سمعتها الأكاديمية التي شكلتها تاريخياً في تقديم الخدمة، فيصبح تسويق الخدمة، أي التعليم، معتمداً على مقدمها وليس على الخدمة نفسها ونوعيتها. والخدمة السريعة في التعليم، لا تشير فقط إلى البعد المادي الربحي، بل الحصول على شهادة دون جهد، والتكسب السريع، والحصول على مهنة مضمونة، وإضعاف تكافؤ الفرص. وفي هذه السلعنة الخدمية يخضع التعليم إلى القيود الزمنية، بحيث ستحتاج إلى تجديد الخدمة فور استهلاكها.
إن اخضاع التعليم لمنطق الخدمة السريعة سينعكس على مدخلاتها ومخرجاتها، وينسحب كذلك على المعرفة والبحث العلمي السريع الهادف للربح السريع، وعرض الدرجات العلمية كبضاعة للبيع، والترقيات العلمية أو الإدارية استناداً إلى كم العمل البحثي على حساب نوعه. وبدلاً من أن يعكس التعليم الأسئلة القلقة عن الواقع والمستقبل والمصير، تصبح دوافع الخدمات السريعة جزءاً من ثقافة المجتمع المسكونة بالتباهي والاستهلاك المظهري على حساب القضايا الجمعية والوطنية. إن استجابة الجامعات لدمج القيم والثقافة النيوليبرالية في أنظمتها وقوانينها وسياساتها المالية وحتى خططتها الأكاديمية وبرامجها والتخصصات المطروحة، وإعادة الهيكلة التي أجرتها الجامعات الفلسطينية، ستقودها إلى مزيد من الانزياح نحو التخصصات التقنية السريعة التي تنفي الثقافة والحريات الأكاديمية خارج أسوارها، ما يهدد الدور الجامع للجامعة من الناحية الثقافية والوطنية.
الجامعة في السياق الفلسطيني
لم يشكل التعليم في فلسطين حالة فريدة في السياق العربي إلا بخصوصية نشأته وتطوره وبقائه في سياق حالة استعمارية. وقد برزت أهمية التعليم في ثلاثة قضايا، هي: الإولى، مركزية التعليم في المكانة الاجتماعية وتحسين وضعية الأسرة من الناحية الاقتصادية بعدما تم فقدان الأرض كوسيلة الإنتاج الوحيدة خلال حرب الإبادة الاجتماعية والسياسية التي يتعرض لها منذ نكبته العام 1948. والثانية، إيمان الشعب الفلسطيني بالمعرفة كشرط للتحرر، وكقيمة محفزة للمجتمع في التوجه نحو التعليم والإبداع والابتكار. والثالثة، تشكيل الجامعة فضاءاً تحررياً بالمعنى السياسي والاجتماعي الوطنيين، يستمد قوته من المجتمع ويعيده على شكل معرفة إلى المجتمع في تلبية احتياجاته الضرورية لمقاومة الاستعمار الصهيوني الإحلالي، الأمر الذي مكن الشعب بكافة شرائحة من تأمين مستلزمات الصمود والجلد والمنعة المجتمعية. ولهذا، لم يكن من المستغرب استهداف الاحتلال المؤسسات التعليمية بإجراءات تعسفية وقمعية، من إغلاقات ومداهمات واعتقالات للكوادر التعليمية والطلبة، هدفت إلى إفراغ التعليم من أي محتوى نقدي وإبداعي وتحرري وطني.
لقد استجاب التعليم في السياق الفلسطيني لجوانب تحررية على عدة أصعدة: على الصعيد الوطني والتخلص من الاستعمار، وعلى الصعيد الاجتماعي والمجتمعي من خلال نقد التكلس الثقافي وتحريره من القيود الاجتماعية وتجديده، وعلى الصعيد السياسي من حيث توفيره بيئة تعددية وحوارية قائمة على الاختلاف والتنوع وقبول الاختلاف، وعلى الصعيد الاقتصادي من حيث تدعيم الاقتصاد المقاوم وتنمية الصمود وشروط المنعة المجتمعية والصلابة الوطنية في خضم معركة التحرير. كما شكلت الجامعات منارة ومقياساً للفصائل والحركات السياسية التي استمدت شرعية رؤيتها الفصائلية في مشروعها التحرري من الجامعات وحجم تمثيلها فيها، وشكل خريجو الجامعات اللبنة الأساسية للفعالية في التجديد والنضال والتحرر في صفوف القيادات الطلابية كقيادات للعمل المجتمعي بمؤسساته المختلفة.
وفي هذا الإطار، كانت الجامعات، بمختلف تخصصاتها، مصدر إشعاع ثقافي ملهم لمحيطها من القرى والمدن والمخيمات، ونموذجاً تحررياً في شكل الحياة التي يرغب فيها. أي أن الجامعة شكلت منظومة قيمية تعددية متنوعة، أو على الأقل تقر بالاختلاف السياسي والاجتماعي، على اعتبار أن الجامعة تحتضتن الاختلاف والتنوع وتتيح مساحات قد لا تتيحها المجتمعات المحلية بنفس البيئة الآمنة والمثالية. وفي هذه البيئة، زودت الجامعة المجتمع بالمعرفة المكتسبة من التعليم وشروط الابتكار لمعارف وطرائق جديدة للحفاظ على الحياة والقيام بمستلزماتها، ونقل المعرفة للمجتمع كشرط للتحرر، ونقاش أساليبه وأدواته.
لم تكن الجامعة الفلسطينية بمعزل عن المجتمع وعوامل وفواعل العمل الوطني والاجتماعي، بل كانت تتقدمه في كافة المجالات، وترفده بكادر واعٍ يتحمل المسؤولية الاجتماعية والوطنية على الصعيد الفردي والجمعي في علاقة متناغمة وإيجابية حيث اعتمد التعليم، وإن لم يكن مخططاً بالمفهوم الحديث للكلمة، على ربط المخرجات التعليمية الفكرية والعلمية والاجتماعية-السياسية مع احتياجات المجتمع الفلسطيني في شرطه الاستعماري. وقد شكلت الجامعة أداة ثقافية تحفظ الذاكرة وتساند المقاومة وتدعم مكونات الهوية والتراث والتاريخ والعلوم الثقيلة، حيث آمنت عقيدتها الأخلاقية والقيمية بكرامة الفلسطيني وحددت ملامح الحياة وشكلها وطبيعة المجتمع والتحرر الذي تسعى لبناءه وتحقيقه في إطار المشروع الوطني في سبيل تحرير الأرض والإنسان.
لقد آمنت قوى المجتمع السياسية والمجتمعية، ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل تأسيس السلطة الفلسطينة، بالدور التقدمي والتحرري الذي يقوم به التعليم وإن كان بمساحات متباينة، وخصوصاً التعليم الجامعي الذي شكل مشغلاً ومختبراً تعليمياً أكاديمياً يرتبط بنيوياً بتوجهات المجتمع الفلسطيني واحتياجاته، ورافداً المجتمع بقيادات وكوادر قيادية توفي بمستلزمات الفعل المجتمعي الوطني. وعلى ذلك، فقد شكل التعليم، على المستوى العملياتي، نقطة تبئير منتجات وإنجازات لمخرجات الفعل الوطني الذي لم تتوانَ عنه قيادة العمل الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية من حيث الدعم والمساندة والتشجيع على شكل دعم مادية ولوجستي وفكري. وعلى المستوى الاستراتيجي، أسهمت سياسات منظمة التحرير الفلسطينية في دعم التعليم وتوفيره بشكل شبه مجاني خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات، وبقي الأمر كذلك حتى إبرام اتفاقية أوسلو عام 1993، حيث بدأت ملامح التغيير والتراجع والتآكل في معنى التعليم العالي ووظيفته وقيمته من الناحية المجتمعية والوطنية والثقافية.
سلعنة التعليم وتدمير الثقافة
لم تكن اتفاقية أوسلو وتداعياتها اتفاقية سياسية فحسب، بل شكلت منظومة اجتماعية وثقافية واقتصادية رافقتها تحولات جذرية في المجتمع الفلسطيني على صعيد المرجعية الأخلاقية والوطنية والمنظومة القيمية والاجتماعية. فقد أثرت على شكل الحياة وأسلوب العيش، والأهداف الوطنية العليا، ومركزية الإنسان الفلسطيني فيها، ومن يحددها من قوى وموازين سياسية واجتماعية واقتصادية تشكلت. وبذا، فقد لامست بعد الكرامة والإنسانية وأسلوب الحياة بما يتصل بتوقعات التعليم ووظيفته في مجتمع انتقالي، وإن كان بشكله النكوصي بالمعنى الفرويدي.
تزامن تغلل السمة التخريبية في الثقافة والسياسة والبنى الاقتصادية والاجتماعية مع تآكل وتراجع القوى المجتمعية والسياسية والمؤسسات والتنظيمات المرتبطة بها، وذلك كنتيجة حتمية لاتساع منظومة أوسلو وتورمها. وقد كان هذا التراجع إيذاناً بتراجع دور تلك القوى في الفعالية المجتمعية وما تشكله من مرجعيات ثقافية وقيمية متمحورة حول خطاب التحرر والبناء والأمل. ولم يكن ذلك بمعزل عن استهداف تلك القوى وحصار تأثيرها في المجتمع حتى يتم فرض منظومة ثقافية وقيمية جديدة تلائم المنظومة السياسية المتشكلة، التي عُمل على تكرسيها بمنظومة متكاملة من الإغراءات والإكراهات في الوقت نفسه.
في مقولته حول "نفي الثقافة في ممارسة السياسة" يصف فيصل دراج هذه الثقافة وتلك السياسة، التي كان يعني بها فن الاختيار، بأنها يفترض أن تشكل موجهاً وناظماً أخلاقياً للعمل وللخطاب السياسي ومراقباً عليه، لا العكس. وبهذا، نستطيع تأطير الثقافة بمفهوم ميشيل هنري في تعريفه للثقافة باعتبارها "التنمية الذاتية للحياة" وكيف أن الإنسان الحديث التقني المرسمل بممارسته الهمجية ينفي بذاته ثقافة الحياة، لأنه بلا ثقافة وبدون حياة حقيقية. والثقافة بالسياق، حسب الجابري، هي "المعبر الأصيل عن الخصوصية والتاريخية لأمة من الأمم، عن نظرة هذه الأمة إلى الحياة والموت والإنسان ومهماته وقدراته وحدوده وما ينبغي أن يعمل وما ينبغي أن يأمل"، وهي شكل الحياة التي يهبها الإنسان المعنى.
وبهذا المعنى، فقد غابت الثقافة عن السياق الفلسطيني ليس بشكلها السياسي فقط، وإنما طال غيابها شكل الحياة وقيمها وأولوياتها. وبحكم الجماعات المهيمنة وتوجهات الرسملة وتبنى سياسات البنك الدولي، تم استبدال المنظومة القيمية الفلسطينية بشكل يتناقض جوهرياً مع السياق الفلسطيني من الحرية الفكرية إلى حرية الاستهلاك، ومن الجمعية إلى تعزيز النزعات الفردية المفرطة، ومن التعددية إلى الحصرية في البعد الواحد، ومن التفكير الواعي والناقد إلى التسطيح والسرعة المعلوماتية، ومن الكتاب إلى تناول المعلومة وتداولها والحشد والتعبئة السريعة وتوجيه الرأي العام بوسائل إعلامية توظف التكنولوجيا الجديدة في خدمة ذلك الغرض، ومن الهدف الذي يتحقق بالجهد والمثابرة إلى الربح السريع، من الإنتماء والمسؤولية المجتمعية إلى المصلحة الذاتية والأنانية.
لقد كانت توجهات السلطة الرخوة واضحة منذ البداية في خصخصة كل شيء من التعليم والصحة والإسكان إلى المشاريع الخدماتية والاقتصادية، ما يسمح لها بالتنصل من مسؤولياتها من خلال تخفيض نفقاتها على تلك القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم، الأمر الذي سمح باستدخال أنظمة جديدة للتعليم، كالتعليم الخاص والتعليم الموازي... إلى آخره. وقد كان من شأن ذلك كله أن يقود إلى تسليع كل شيء، وتقديس كل ما هو مربح وسريع في ظل وجود توجهات إلى زيادة دور القطاع الخاص وتحريره من كثير من القيود الأخلاقية والوطنية.
لم يكن التعليم العالي بعيداً عن الخصخصة لتوجهات السلطة الفلسطينية نتيجة ضغوطات الممول والقطاع الخاص وتغيب المصلحة العامة والوطنية على إصدار التشريعات التي تتيح المجال للاستثمار في التعليم من قبل القطاع الخاص. وقد تم ذلك عبر سن القوانين والتشريعات ذات العلاقة، إذ أكد القانون الأساسي المعدل للعام 2003 على حرية إنشاء الجامعات الخاصة، وأُعطي القطاع الخاص الحرية في إنشاء الجامعات الخاصة وفقاً لقانون التعليم العالي الفلسطيني الصادر في العام 1998. وبلا شك، فإن ذلك يعكس تخلي السلطة الفلسطينية عن دعمها للتعليم، أو أنه على الأقل لم يكن من ضمن أولوياتها. وتؤكد ذلك آليات وأـولويات الصرف والموازنة للسلطة الفلسطينية للقطاعات التعليمية والأمنية والصحية، ما دعى البعض إلى القول أن هنالك حرب تخاض ضد الجامعات، وذلك لاستجابتها لتقليص دور "الدولة" كأحد من متطلبات هيمنة خطاب الليبرالية العالمية وتجسيده محلياً. وقد عنى هذا التراجع عدم "الإيفاء باحتياجات التعليم، وإحالة ذلك إلى السوق والتخلي عن الجامعات في مواجهه التحديات والأزمات."
لقد أخضع تسليع التعليم الجامعي إلى قوانين العرض والطلب وقابلية التداول، ولعل أخطر ما في ذلك هو جعله مرناً لجهة زيادة التنافسية ومتطلبات السوق وإن لم تكن احتياجات محلية فقط. ففي خضم الأعداد الهائلة للمقبلين على التعليم الجامعي، وفي ظل غياب التخطيط الوطني للمخرجات التعليمية، أصبح التعليم العالي يفتقد الحد الأدنى من التخطيط، ولم تعد تحكمه توجهات قائمة على رؤى مستقبلية. وعلى العكس من ذلك، أصبح التعليم يخضع لتوجهات عدة في اختيار البرامج والتخصصات أهمها الجدوى المالية، مع غياب حقيقي للتنسيق بين الجامعات الفلسطينية فيما يتعلق بالتعليم العالي. ولهذا، أصبحت الجامعات تعيش في "فوضى السوق، إذ تم التعامل مع التعليم العالي كما لو أنه يشكل سوقاً جديدة. وبهذا، نستطيع أن نفهم حالة التنافس والمزاحمة في تقديم سلعة وخدمة متشابهة،" من قبل الجامعات الفلسطينية، وتحول بعض الجامعات إلى "مصنع والطالب كمنتوج صناعي لا يختلف عن مثيله إلا بالعدد،" وهيمنة ثقافة المؤسسة القائمة على الهرمية والطاعة والانضباط والتقييد بالقوانين الصارمة، ما جعلها "نسخة مطابقة لأنظمة المصانع والشركات التي تحتسب الربح بالمقاييس المادية وليس العلمية أو الإبداعية." هنا، صارت الأماني متعلقة بألا ننتقل إلى مرحلة "الزبون دائماً على حق"، والزبون هنا هو الطالب، ما يعلن موت الجامعة والثقافة في آن معاً.
ليست السلطة الفلسطينية وحدها من ساهمت في تشكيل المشهد وتمييعه ومحو معالمه الثقافية التي تشكلت في السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات، بل يتحمل جانباً من المسؤولية القوى والمؤسسات الوطنية ومنظمات الأنجزة التي لعبت دوراً في تمييع الواقع الثقافي وليبرلته بمفرداتها القيمية والأخلاقية. ولعل من المفارقات التي نستطيع تسجيلها هنا كيفية تقديم تلك المؤسسات نفسها بديلاً عن القوى الوطنية بعد تجسيد اتفاقية أوسلو كمنظومة وتمكنها من استقطاب شريحة واسعة من "الطبقة الوسطى الحديثة"، والكوادر الأكاديمية نظراً للمكانة الاجتماعية التي كانوا يحظون بها في المجتمع الفلسطيني. لقد أخذت تلك المؤسسات بعض شرعيتها من توظيف هذه الفئات، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى طبقة وسيطة للمشروع الثقافي اللييبرالي ومنظومته القيمية والسياسية. وقد تم لاحقاً توظيف الجامعات لهذه الشريحة المؤنجزة ضمن كادرها الإداري والأكاديمي والتعليمي، لاستقطاب وإغراء الممول من أجل استدراج المشاريع السريعة ذات النكهة النيوليبرالية، الأمر الذي يسرع من تدميرها كمرجعية ثقافية للمجتمع الفلسطيني إلى جانب شرائح أخرى.
لقد تعاملت الأجهزة الأمنية والحكومات المتتابعة مع التعليم في بعدي؛ الترغيب والترهيب. الترغيب من حيث ترويج ثقافتها الإدارية القائمة على التراتبية ومشروعها السياسي ومواقفها ورؤيتها بما يحقق إحكام السيطرة الاجتماعية والتحكم، والهيمنة الفكرية والثقافية والسياسية على الفضاء العام من التعليم إلى الجامعات، بحيث يوفر لها ذلك آلية جيدة لاختيار مثقفين تقليديين للنظام الناشئ بمفهوم أنطونيو غرامشي. والترهيب باعتبار الجامعات تشكل مواقع ساخنة للتغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي، حيث تمثل ذلك باستقطاب كتاب ومفكرين وأكاديمين كانوا ناقدين للسلطة ومشروعها السياسي من أجل العمل في الحكومات الفلسطينية لاحتوائهم. وفي حال استحال الاستيعاب لغرض الاحتواء تتم ملاحقتهم والتضييق عليهم. وفي المقابل، تعاملت الجامعات الفلسطينية ضمنياً من أجل استرضاء السلطة الفلسطينية لغرض الحصول على دعم من موازنتها، كأن يتم تعيين عميد شؤون الطلبة محسوب على تيار حركة "فتح" (الأمر الذي أصبح عرفاً غير مكتوب في معظم الجامعات الفلسطينية)، وعدم الانفتاح للحوار مع القوى المجتمعية والوطنية، وتفضيل الأجسام الرسمية الممثلين للسلطة من كوادر حركة "فتح" أو محافظ المحافظة، خصوصاً في الأزمات والإشكاليات التي كانت تنشأ بين مجالس اتحاد الطلبة أو النقابات من جهة والجامعات الفلسطينية من جهة أخرى، على سبيل المثال لا الحصر.
كما يتجلى الترهيب أيضاً من خلال سياسة ما يعرف بـ"عسكرة الجامعات"، وتعيين أعضاء تابعين للمؤسسة الأمنية لمراقبة نشطاء من الفصائل السياسية المناوئة لها وملاحقتهم واعتقالهم. وقد أضحت الجامعات، شيئاً فشياً، تخضع للسلطة ولنظام الرقابة والتحكم من جانب، ولتقلبات "السوق" من جانب آخر، ما أفضى إلى ما يمكن وصفه بطبقات مختلفة من التبعية. "التبعية السياسية كتأبيد للنظام السياسي وتكريسه وانتشاره، والتبعية الاقتصادية من حيث فرض فرص غائية، نفعية واستهلاكية، غريبة عن أي شكل من أشكال الفاعلية الفكرية والروحية والثقافية الوطنية، والتبعية التقنية لتفمصلات السلطة السياسية والإدارية. وفي المحصلة، العمل على "استبعاد الثقافة خارج المكان المقرر أن تتطور فيه، ومن خلال ذلك تم تدمير الجامعة المكرسة للثقافة ليس إلا."
لم يتوقف الحال على استبعاد الثقافة بالمعنى العلمي والفكري والوطني، وإنما أصبح هنالك تأثير عكسي من الثقافية التقليدية للمجتمع المحلي على الجامعة وطرق عملها، حيث تمارس تلك القوى المجتمعية، وخصوصاً السياسية منها، الضغط على صناع القرار في الجامعات من حيث التوظيف أو عدم التوظيف وحتى الفصل، سواء كان ذلك على صعيد الموظفين أم على صعيد الطلبة. كما شمل ذلك عدم تفهم الإضرابات النقابية، ووصل الأمر إلى إدانتها سواء على صعيد النقابات لموظفين أو على صعيد مجالس اتحادات الطلبة. هذا بالإضافة إلى تسرب قيم سلبية من المحسوبية والواسطة، من خارج الجامعات إلى داخلها، من قبل القوى السياسية والأكاديمية والجماعات المهيمنة.
إن ما حدث هو محق للجامعات، على ضوء الأزمات التي أخذت تعصف بها شيئاً فشيئاً، لم يكن ليحدث إلا من خلال الإلغاء التدريجي ووضع خطوط فاصلة وتراجع الجامعة وعزلها عن المجتمع لتكون "جامعة الشعب" من حيث التأثير الإيجابي عليه، فباتت المحاصرة والاستفراد بالجامعة أمراً يقينياً وحركة واضحة بعد انهيار الأجسام الجمعية في السياق الفلسطيني من الفصائل السياسية والنقابات والعائلة. فبعد إلغاء وتفكيك الثقافة الجمعية من المجتمع، "آن الأوان لإبعادها إلى خارج الجامعة." وهذا ما حدث بالفعل في السياق الفلسطيني، إن لم يكن بصورة أكثر سوءاً.
وعلى ذلك، فقد تراجع دور الجامعات في الفعل الوطني والمعرفي والثقافي، بالمعنى السابق، من حيث بلورة المفاهيم الاجتماعية والسياسية والوطنية والحياتية والثقافية للمجتمع الفلسطيني. وعلى ضوء الخطط غير الفاعلة للحكومات الفلسطينية وفوضى الإنتاج والمخرجات والقوانين والتوصيات نحو السوق وحرية تحديد نواظمه، خُلقت أنظمة موازية ومسلعنة في الجامعات من حيث النظام التعليمي من جانب أول، الأمر الذي ينعكس على جودة التعليم نوعيته. فماذا يعني وجود برامج بكالوريوس بدوام يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع في جامعات فلسطينية في جنوب الضفة الغربية، الذي يحرم الطالب من التفاعل مع الحياة الجامعية والثقافة العامة المتولدة عنها، لتصبح خدمة سريعة؟ ومن جانب آخر، تم اختيار نظام تقييم عمل الجامعات وبرامجها وتخصصاتها وخدماتها وإعادة هيكليتها بما يتلاءم مع الممول، إن وجد دعم لتمويل التقييم، أو السوق، والمقيم الخارجي الذي لا يكون غالباً من المجتمع الفلسطيني، أو يكون مشبعاً ومتأثراً بوصفة ومفردات إعادة الهيكلة للبنك الدولي ومؤسساته وسياساته ومفاهيمه، والذي يوجه وفق منطق السوق العالمية وحاجاتها ووظائفها ومستلزماتها في سوق فلسطيني محدود، ومحاصراً بنيوياً ومحارباً استعمارياً.
على ضوء الأزمات المتعددة في الجامعات، وشح مصادر التمويل والدعم نتيجة لتخلي السلطة الفلسطينية عن مسؤولياتها في هذا الجانب، والاعتماد على التخطيط المصلحي التنافسي والمرضي، والأعداد الهائلة من المقبلين على التعليم الجامعي، كانت الرسوم الجامعية هي الخلاص، ومردودية البرامج من الناحية المادية هي الموجه في تطوير البرامح الجديدة أو واستحداثها بعدما تم سلب البعد الثقافي والوطني منها، واستدخال مساقات ليبرالية معولمة تخدم التوجهات الثقافية لنموذج الليبرالية، كإلغاء أو تقليص مساقات الدراسات الثقافية من بعض الجامعات الفلسطينية، واستبدالها بمساقات مثل: الديموقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وإدارة وريادة، واستحداث برامج ماجستير في الجندر والعلاقات الدولية والحكم الصالح...إلى آخره.
وتحت ذريعة الأزمة المادية في الجامعات، تمت خصخصة قطاعات واسعة من خدماتها مثل الصيانة والأمن والخدمات الأخرى، إلى جانب رفع الرسوم الجامعية على الطلبة، الأمر الذي قاد إلى مزيد من اعتماد الجامعات الفلسطينية على الرسوم الجامعية التي تتحمل فيها الأُسر الفلسطينية النسبة الأكبر من كلفة التعليم العالي، ما يعني تبني الجامعات ممارسات وتوجهات الخصخصة بشكل غير معلن، وتوفير الغطاء القانوني لها دون تخليها عن المكانة القانونية التي يحفظ لها كمؤسسات عامة وليست خاصة، في ظل غياب تمويل ومنح مستديمين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أشار تندر أحد رؤساء المكتب المالي في إحدى الجامعات، بأنه "لو كانت هنالك شركة أكاديمية تقدم خدمات تعليمية، لأوكلنا إليها هذه المهمة."، وهذا التوجه قد لا ينسجم فقط على الشركات الأكاديمية في شمال وجنوب الضفة الغربية بمقرها الرئيس أو بفروعها المختلفة، وإنما أيضاً يطال الجامعات التاريخية فيها، التي يفترض أن تكون عامة كما هي خدماتها.
لقد ساهم سوء الإدارة المالية في الجامعات بوضعها في حالة من المواجهة مع مجالس اتحادات الطلبة في بعض الجامعات الفلسطينية إن لم يكن جميعها، ما دفع ممثلي الطلبة للجامعة إلى اتهامها بخصخصة التعليم واحتكاره وحصره بالشريحة القادرة على دفع الاقساط الجامعية لأبنائها. فالسياسات المالية المتبعة لمواجهة الأزمة المالية، تقوم بحرمان شريحة كبيرة من ذوي المستويات محدودة الدخل من تعليم أبنائها، ما يجعل التعليم خدمة سريعة وخاصة. ومن جانب آخر، تنصل بعض من إدارات الجامعات من الاتفاقيات الجماعية التي أبرمت مع اتحاد نقابة اساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية أو مع نقابة الجامعة نفسها، وذلك فيما يتعلق بمكتسبات وحقوق نقابية وعمالية تساهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للموظفين. وتحت ضغوطات التعامل مع الأزمات بين الجامعة من جهة والموظفين والطلبة من جهة أخرى، تم فصل أعضاء من نقابة الموظفين وناشطين من الطلبة بصورة غير قانونية خلال الأعوام الخمسة الماضية في بعض جامعات الضفة الغربية. هذا، وتنتهج بعض إدارات الجامعات مزيد من سياسة تشديد الرقابة على الموظفين ومحاربة الحريات النقابية والفكرية، وغياب لغة الحوار القائمة على التشاركية في صنع القرارات، وهو نمط أقرب للشركة منه إلى جامعة أكاديمية.
ومن الجدير ذكره وجود حالة من الخضوع للثقافة التقليدية في المجتمع واستجابة الجامعات للرأي العام المحيط بها، أو من تلقاء نفسها، ما يشي بالضمور الفكري والانغلاق، وتأثر الجامعات بالمجتمع بالطريقة السلبية، لا العكس، من حيث ما تتصف به مسلكيات وقرارات بعض إدارات الجامعات في الضفة الغربية بانتهاك الحريات الأكاديمية داخل الجامعة وخارجها. وقد شمل ذلك التضييق على الموظفين بالعقوبات المادية والمعنوية؛ كالحرمان من المناصب الإدارية والترقيات، أو عدم وجود ردة فعل على حادثة اغتيال استاذ جامعي، أو اطلاق النار على معلمة، أو فصل أساتذة على خلفيات فكرية وسياسية وحتى شخصية اختلف فيه الأكاديمي مع رئيس الجامعة. لم يشجع هذا المناخ على التفكير من خارج الصندوق كما يفترض أن تكون عليه الجامعات التي خضعت له تدريجياً بعض الجامعات الفلسطينية خصوصاً في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد تم إلغاء تخصص علم الاجتماع، أو تحويله من علم اجتماع تطبيقي إلى الخدمة الاجتماعية بجامعة أخرى، بدعوى عدم اعتماد الشهادة الأكاديمية لعلم الاجتماع التطبيقي حسب قوانين المعارف لدولة الاستعمار الصهيوني أو لا يستطيع الطالب الفلسطيني الحصول على ما يعرف بـ"البنكاس"( شهادة مزاولة المهنة من حيث الحصول على تسجيل الأخصائي في سجلات وزارة الرفاه "الإسرائيلية"، للحصول على رخصة ورقم لتقديم الخدمة خصوصاً للطلبة الفلسطينيين من القدس والنقب وبئر السبع). وقد ظهر هذا من خلال تفضيل التخصصات التقنية والمهنية المستحدثة التي لا تثير خلافات فكرية وثقافية أو سياسية في المجتمع الفلسطيني، ومعاداة العلوم الانسانية والاجتماعية في المجتمع والاستهتار بها والتقليل من شأنها. ولعل هذا الموقف ينسحب أيضاً على الحكومة في السلطة الفلسطينية التي لا تجد علاقة أو ارتباطاً بين رأي علماء الاجتماع في تطبيق قانون الضمان الاجتماعي والمآخذ عليه، حيث شكلت الجامعات امتداداً للنظام السياسي المعطوب.
لقد انصرفت الجامعات إلى التدريب التقني والتخصصات السريعة والمستجدة بدلاً من التثقيف العام وما يتضمنه من تكوين قدرات فكرية وعقلية وشخصية بالمفهوم الشامل للكلمة، والتي سرعان ما تسبب بمزيد من العجز مستقبلياً لعدم قدرتها على مواكبة التغيرات والمتطلبات في زمننا الحاضر، وبثقافة محدودة. كما وجدت بعض الجامعات فرصة في طرح برامج جديدة لغايات مرتبطة بقدرة الجامعة على رفع رسومها الدراسية عليها لتعذر فعل ذلك بسهولة في البرامج القديمة، حتى لو لم يكن هنالك احتياج محلي لتلك البرامج، أو حتى وجود كادر مؤهل للتدريس فيها، بما يشمل برامج البكالوريوس والدراسات العليا. وفي هذا السياق، زادت وتيرة هذه التخصصات بعد "أزمة" فيروس كوررنا وسياسات إعادة الهيكلة التي اتبعت، وشمل ذلك الجامعات الخاصة والأهلية في آن معاً. وحسب اطلاعنا على تجارب بعض الجامعات في الضفة الغربية، فإن هنالك بعض البرامج الجديدة التي لا يتوفر لها كادر متفرغ ومتخصص حتى بعد اعتمادها من قبل "هيئة الاعتماد والجودة" في وزارة لتعليم العالي الفلسطيني، فيما تتنظر تلك الجامعات نتيجة البرامج وجدواها من الناحية المالية الربحية حتى يتم اعتماد وتفريغ كوادر بشكل فعلي. هذا إلى جانب قيام الجامعات بمهامها بكوادر تعليمية لا تحمل شهادات معتمدة في نفس التخصص الجديد أو حتى قريبة منه. ولعل من اللافت أن هذا الأمر لا يثير حفيظة الجامعة ولا الطلبة والمجتمع، بعد أن أصبح الهدف هو الحصول على شهادة جامعية سريعة وبأقل قدر من "التعقيدات".
وبما أننا نعيش في حالة تبعية متجذرة ضمن التوجهات الرأسمالية المعولمة، فقد أخضعنا أيضاً إلى حالة تبعية على الصعيد الثقافي والمعرفي والأكاديمي والعلمي التقني، فنوعية البرامج والتخصصات المستحدثة لا تصب في معارف إنتاجية، وإنما في معارف استهلاكية وخدماتية فظة، تستفيد منها الشركات العالمية ومنها الشركات "الإسرائيلية"، كتخصص تكنولوجيا المعلومات (IT) والذكاء الاصطناعي والطاقة البديلة والتخصصات المحوسبة والبرمجة...إلى آخر ذلك من التخصصات التقنية، والتشديد أكثر فأكثر على العلوم التقنية والمهنية. وفي هذا الوضع، يتم التأكيد على الشراكات بين الجامعات المحلية والأجنبية على أرضية تقاسم "الأرباح" في البرامج المطروحة، ومحاربة العلوم الفكرية والثقافية والإنسانية أو استبعادها من عملية إعادة التخطيط والتطوير على أرضية أن مقدار "الطلب" عليها من قبل السوق قد تراجع في "السوق الفلسطينية"، أو حتى بدافع الاستجابة للاشتراطات "الإسرائيلية" للاعتراف بالشهادة الأكاديمية من الجامعات الفلسطينية بعدما سحبت الاعتراف بتخصصات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الصحية، وفقاً لتلك الشروط.
وبهذا، تنفى الثقافة في ممارسة الأكاديميا عبر تخصصات مهنية ذات بعد خدماتي نفعي دون هدف إنتاجي محدد، فيحدث ما شخصه ميشيل هنري، من حيث: اختزال البعد المادي إلى إنتاج واستهلاك الخبرات التي تفيد آنياً في الحياة الجسدية (مأكل وجنس وملبس ومسكن وصحة)، بينما تتناقص الحاجات والخبرات الفكرية والروحية؛ وتطور الحياة والثقافة الذي يترك مكانه لتطور تقني يتمتع بالاستقلالية وينزع إلى التحكم؛ وترك الفرد في مواجهة تعالٍ عصي على النفاذ وغير معقول. وأخذاً بعين الاعتبار الأبعاد الاستهلاكية في السياق الفلسطيني، وتقليص صلاحيات اللجان والمكاتب الأكاديمية في مقابل توسيعها في اللجان والمكاتب والشؤون المالية والإدارية والتسويقية في اتخاذ القرار، تم تبرير إعادة ما يسمى بـ"الهيكلة" لغرض دمج الكليات أو الغاء بعض التخصصات والبرامج، ما يعني مزيداً من سطوة التخطيط والقرار الماليين على التوجه والقرار الأكاديميين بعدما تم محاصرة الجانب الثقافي.
إن تراجع الثقافة والوعي وإنتاج المعرفة انسجاماً مع احتياجات المجتمع الفلسطيني، كان أثراً مباشراً لتراجع التعليم وسطوة التعليم الاعتيادي وتضخم الأعداد الصفية وتردي التعليم الأساسي والثانوي، ناهيك عن التعليم الجامعي، بعدما تراجعت قيمة التعليم كـ"مهنة تجلب الشرف" بالمفهوم البوردياني، إن أُجيزت الاستعارة، وتحت سطوة الإعلام الرقمي الجديد والتلاعب بالأذواق والعقول في زمن الانفتاح المعولم، ونمط الاستهلاك الإشهاري على وسائط التواصل الاجتماعي بأدواته المتعددة، وغياب الثقافة النقدية الواعية التي لعبت دوراً في تسطيح المعرفة وتكريس ثقافة الربح السريع، واختزال معايير "النجاح والتفوق في البعد المالي في أعين الشباب."
في هذه البيئة، لم يقابل إزدياد الأعداد الهائلة للطلاب المقبلين على التعليم الجامعي بشكل مهول، نتيجة للنمو الديموغرافي وسوء التخطيط لفلسفة التعليم بفلسطين وأهدافه، تطوير في السياسات والإجراءات للمؤسسات التعليمية لضمان جودة التعليم ونوعيته وبالكادر التعليمي بشكل حقيقي. كما تزايد تفريخ الجامعات المحلية والأجنبية والخاصة في جو يسوده نمط التنافس الحر بالمعنى الرأسمالي المتوحش لغاية سد الاحتياجات المالية في الجامعات. وقد درجت إدارة بعض الجامعات إلى استقطاب أساتذة ومعلمين يحملون شهادات عليا تحت بند اتفاقيات عمل تنتهك الحق في الكرامة لغير المتفرغين، وذي الكفاءات المتمكنين، وحيث تم استبدالهم بكوادر من الطبقة الوسيطة من ذوي الخبرات، أي من ينطبق عليهم وصف "الخبير والمختص"كمحترفي النيوليبرالية بتعبير ماركس ، ذي الذكاء الثقافي المحدود والمتوسط، على شاكلة العمالة المؤنجزة التي تتقن مخاطبة الممول واستجلاب المشاريع. هنا، أخذت الجامعة في التحول إلى مشروع تنموي ليبرالي في إنتاج المعرفة، ومشاريع متخبطة تعيد إنتاج المنتج في فوضى ثقافية سطحية وناعمة النقد تفتقد إلى بلورة مخرج من المأزق الثقافي والوطني الذي نعيشه. وقد بدت الجامعة كأنها "ترند" إعلامي كونها موضة بحثياً في إنتاج معرفة لا تلامس السياق الفلسطنيي بقدر ما تداعب خطاب الممول وتوجهاته الأيديولوجية.
لم يعد التعليم الجامعي يتطلب الكثير من العمق الفكري والمعرفي والنقدي، بقدر ما يحتاج إلى قليل من الأفكار والمصطلحات السريعة وبعض "الأساليب التربوية الإنفعالية"، والذكاء المتوسط، ونماذج من أسئلة متعددة الاختيارات ومعدة مسبقاً، لتكون أستاذاً جامعياً، بعدما يظهر المتقدم الولاء للتوجهات الإدارية والسياسية للمؤسسة في الجامعات الفلسطينية أو المناصرة للفصيل المهيمن في الساحة، حتى يتم "تفريغك" في المؤسسة التعليمية، مدرسة كانت أو جامعة، ناهيك عن الانتماءات الضيقة كالعشائرية والمناطقية في الجامعات الخاصة، ما أدى إلى عطب التعليم والمس بإنسانية الإنسان الفلسطيني في حقه الثقافي والتعليمي الذي يقدمه الحرم الجامعي.
في وسط "ازدهار" صناعة الثقافة الليبرالية، يتركز الضعفاء أو لنقل الوسطاء في العمل الإداري لضمان استمرارية الثقافة التنظيمية للمؤسسة الجامعية بصورة قوانين صارمة كونها تحولت إلي ما يشبه "الشركة". يصطف هؤلاء خلف الإدارة أو السلطة، أو خلف الاثنتين معاً وكلاهما سلطة، اللتين اغتنمتا فرصة التحولات الجديدة كفرصة لخفض الرواتب والمعاشات وفرض شروط عمل لا تكفل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. لم يعد المحتوى المعرفي هو الأهم بقدر ما هي استمرارية النظام والبرامج واستحداث التخصصات الدقيقة، ومواكبة الموضة في "التحديث" وإن كان مصطنعاً وغير مخطط له كما ينبغي. فقد أصبحت التكتلات والزبائنية في الجامعات بدلاً عن الاجتماع على أرضية فكرية وثقافية وسياسية ووطنية، فالأرضية الشخصية هي التي تضمن شرعية وجودك في المؤسسة حسب مدى اقترابك أو ابتعادك عن مراكز صنع القرار. فالضعفاء، الذين صاروا في موضع السلطة، يعلنون أنفسهم بديلاً عن الشرعية الفكرية والثقافية التي يفترض على الجامعات أن تستمد شرعيتها منها. وبذلك تساهم بعض إدارات الجامعات باستهداف الثقافة والمثقفين داخل مؤسستها والتضييق عليهم لأن الثقافة التي ينتموا إليها غير امتثالية، أي أنهم يستهدفون الثقافة الواعية وتدميرها ومحاصرتها، وما ذلك إلا "تدمير للحياة."
أما في آلية الترويج والاستقطاب للبرامج والتخصصات الجديدة، بغض النظر إن كان ذلك في العلوم التقنية أو المهنية أو الاجتماعية أو الإنسانيات، فلا تشعر أنك أمام تخصص جامعي يقتضي الحد الأدنى من مسلتزمات الفعل الثقافي والدور المجتمعي الذي يفتح الخيارات أمام البشر للانتفاع بمعارافهم وآفاق لمستقبلهم، بل تشعر أنك أمام وجبة ساخنة وخفيفة قائمة على الإغواء والإغراء كسلعة اشهارية لذيدة، مصحوبة بعبارات، نحو : "اتبع شغفك"، "خيارك الأمثل للنجاح"... وهكذا. وحتى لو حضرت المعلومات والنسب عن محدودية فرص العمل بعد التخرج، فيستخدم شعار توفر الوظيفة كخدمة تجلب المال والخدمة السريعة في تضليل المتلقي والغش في تقديم خدمة التعليم وبشكل سريع، مع غياب واضح للتخطيط والدراسة العلمية التي تدعم ذلك. وفي هذا السياق، وقعت بعض الجامعات في التدليس، حيث تستخدم إحدى الجامعات التي تستهدف طلبة القدس وفلسطيني 1948 شعار: "ليس هنالك داعي لامتحان القدرات المعروف بـالـ:"بسيخو متري." ولعل هذا يجعلك تقف أمام فوضى الإنتاج بصورة استهلاكية وخادعة. ويدلل هذا النمط السائد على الثقافة الاستهلاكية، إن لم تكن المهيمنة، على تقديم اللغة الإشهارية لسلعة التعليم والتخصصات التي تطرحها الجامعة بصورة مضللة تغوي بالأسهل والأسرع، و توظف الرصيد الرمزي التاريخي للجامعة في الإقناع وخلق الثقة، حتى لو لم تختلف خدمتها والمقصود هنا تخصصها عن الذي تقدمه جامعة أخرى.
وبخصوص البحوث "العلمية" المنتجة في بعض الجامعات، تجد جزء منها يقع في خانة الخواء والاستعراض الأكاديمي الذي يعاني فقراً فكرياً مدقعاً في المحتوى المعرفي وخصوصية السياق الفلسطيني وأولوياته، والإنشغال بالمقاييس الكمية على حساب مساءلة النظريات والمفاهيم المعرفية المستعارة والمعتمدة، كان ذلك في البحوث أو الرسائل الجامعية دون نقاش أو تأصيل لها، وانتشار خدمة البحث السريع المقدم للمنظمات غير الحكومية الذي يكون دائماً على حساب التعليم والسياق المجتمعي والأسئلة القلقة للتحديات الوجودية للمجتمع الفلسطيني، كمؤشر آخر عن تردي وتجريف البعد الثقافي والفكري والعلمي للمستويات الأكاديمية في مراحلها العليا والدنيا. أما المنتجات المعرفية على صعيد الكادر التعليمي فترى جزء ليس بسيط منها يقع في قوالب من الكلمات والمفاصل، والانطباعية حول تبني المناهج الكمية في فهم الظواهر الاجتماعية، إن قمت بتغيير بعض النسب والأرقام والموضوع، وكأنك تعالج ظاهرة أخرى بعمومية وأكثرها سطحية. أو درجة الاعتوار والانكشاف المعلوماتي الفلسطيني، في مجال منجزات البحوث العلمية في حقلي العلوم الطبيعية والصحية، ليس فقط من حيث أهميتها وجديتها، لكن، أيضاً في سذاجة بعضها .
وإلى جانب ما تمت الإشارة إليه، يوجد منتج معرفي من شقين: النتاج النقدي في السياق الاستعماري، والذي يعاني من سوء الانتشار والتعميم المجتمعي، لأنه منتج لشريحة معينة قادرة على فهمه وتداوله. والنتاج الذي يفرغ النقد من محتواه كلغة مقبولة للممول. هنا، تبدو الجامعة وكأنها آخذة في التحول إلى شركة بحثية لتقديم الخدمات السريعة في حقل الأكاديميا والبحث العلمي، ما يساهم في الإعلان عن "موت الجامعة" في جانبها المتعلق بنقد النقد لتوليد الفكرة الجديدة في سبيل خدمة المعرفة وتعميم المعرفة في المجتمع الفلسطيني.
وخلاصة القول، فإن الجامعة الفلسطينية تبدو حقلاً للتجارب وموقعاً للتبعية. فإذا سبقنا العالم الغربي بالفصل التام بين العلوم والثقافة، نمضي في نفس الاتجاه ولكن في مجتمع يخضع لسياق استعماري تشكل الثقافة والوجود الثقافي أحد أهم دعائم ومستلزمات النضال والمقاومة والهوية وتشكيل الحياة فيه. وإن شدد الغرب المتوحش على الجودة التقنية والمهننة، التي أصبحت لازمة لإخفاء الكسل الفكري العميق المتسلل إلى العديد من المهن ذات العقيدة الامتثالية، فإننا أحوج إلى العقل الفاعل، لا المنفعل، الذي يشدد على كرامة الإنسان والعدالة التي تتعارض بصورة جوهرية مع العقيدة الامتثالية التي تحول الإنسان الفلسطيني إلى شيء، إن لم يكن إلى سلعة تتنقل بين الأيادي بصورة سريعة لأنه موضوعها صار خاوياً ثقافياً.
ما العمل؟
وحتى لا نصنف ضمن من يلعنون الظلام، فلا بد من إضاءة معرفة ونافذة للفعل لا بالعودة للتشديد على أهمية الإصلاح، بل على أهمية الثورة والتحريض تعليمياً وأكاديمياً ومعرفياً من أجل أن نعيد الاعتبار إلى أهمية الجامعة واستعادة مكانتها ودورها في المجتمع الفلسطيني. وبذلك تتم استعادة التعليم الهادف بوظيفته البنيوية في سياق استعماري تحرري لخلق أنوية ثقافية ومعرفية وعلمية تشكل المرجعية للمجتمع الفلسطيني، وموجهة معرفياً وثقافياً واجتماعياً له، فتلك الأنوية هي مسلتزم الحياة للمجتمعات التي تسعى لنيل الاعتراف بحقوقها عنوة في سياق استعماري عبر رفض الاعتراف بكيان الفلسطينيين الإنساني والثقافي والوطني. وعلى ذلك، لا بد أن يفهم دور الجامعة باعتبارها مختبر الثقافة والمفاهيم التحررية والتقدمية التي يحتاج إليها المجتمع في سياقه النضالي المنتج لا المستهلك، وأن للجامعة مهمة إعادة الاعتبار للثقافة الواعية والمفكرة والناقدة في "أكثر صورها نبالة وحرصاً على تشكيل الحياة،" وتجديد الأمل، وفتح الخيارات الممكنة أمام الفلسطيني.
فلا بد، إذن، أن يتم التعامل بجدية وحزم حيال المسلكيات والقرارات والخطط والثقافة التنظيمية السائدة في العمل الجامعي الذي ينتج أو يعيد إنتاج مفاهيم السلطة والتراتبية والطبقية وعقيدة الامتثال، من: خضوع وإذعان وتسطيح وابتذال للمعرفة وسلعنة كل شيء، بما في ذلك الثقافة، من أجل تشكيل فعلي لبيئة حاضنة، علمية ووطنية، قادرة على تخليق ثقافة ومعرفة تنويرية للإنتاج المعرفي وفقاً لاحتياجات المحلي الفلسطيني، حتى لا تكون المعرفة رهينة لأنماط الثقافة السائدة غربياً أو امتداداً للثقافة المهيمنة محلياً.
إن هذه العملية بحاجة لممارسة وخطاب من أجل البدء بدمقرطة التعليم بالمفهوم الوطني وليس الليبرالي، نظراً إلى أهميته في إعادة التوزيع لعلاقات القوة غير السوية بين المعرفة والسلطة داخل المؤسسات التعليمية ومنها الجامعات ومراكز الفكر التقدمي والكفاحي. وهذا، بلا شك، يقتضي أن تأخذ وتستعيد الجامعات دورها التاريخي في تحديد المعرفة الأخلاقية والثقافية بالمعاني الفلسفية والدينية والوطنية والعلمية لتحديد الصالح العام للمجتمع الفلسطيني. إن استعادة هذا الدور تتطلب المواجهة مع السلطة بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة، سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً واقتصادياً وعلمياً، نحو تقديم بدائل وممارسات عملية، وتشجيع التعليم من خلال الفعل الذي ينطلق من الهموم والاحتياجات المجتمعية الفلسطينية ويقوم على أساس تلبيتها، واستعادة العلاقة بين الجامعة والمجتمع المحلي في ضوء الالتحام المجتمعي والوطني.
ولا شك أن هذا الجهد وهذه الرؤية بحاجة إلي تكاتف جهود جميع الأطراف ممن يؤمنون بذلك ويكرسون عملهم لتحقيقه، سواء من نقابات العاملين في الجامعات الفلسطينية أو بعض الإداريين المخلصين لهذه الرؤية، بالإضافة إلى مجالس اتحادات الطلبة، والقوى المجتمعية الحية، حتى يتم استعادة المعنى والفعل الثقافي الوطني للجامعة وللمجتمع، ذلك أن الأزمة الثقافية التي تواجهها الجامعات هي أزمة مجتمع، والكل مطلوب منه القيام بدوره للدفاع عن الثقافة الجامعة .
المرجعية
#بلال_سلامة (هاشتاغ)
.b._A._S#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العدالة الجنائية للأحداث الجانحين؛ الخريطة البنيوية للأطفال
...
-
هتاف الدم وقرقعة العتلة: نحو محاصرة المجتمع الهجين في السياق
...
-
من اضراب الكرامة إلى محاولة هدرها: نزار بنات الايقونة
-
قلعة بيتا: فهم الجنون في السياق الاستعماري
-
قرية بيتا: نموذج نضالي -لتنظيف المكان-
-
درس (15) الإضراب؛ استعادة الحيوية الثقافية
-
درس (14) تجذير الوعي بالإمكانية التاريخية
-
درس (13) حينما يتحول البيت -كمكان- إلى ساحة للقهر:
-
درس (12). في معنى حد -سيف القدس- لحرب الأمكنةf
-
درس (11) ثرثرة نوستالجيا الانتفاضة الشعبية للطبقة الوسيطة؟
-
درس (10) وبيان غير رسمي رقم(98) بتاريخ 10/5/2021: المطلوب اس
...
-
درس (9) فهم هوية الحضور في باب العامود، لنتعلم الدرس في حي ا
...
-
درس (8) ما بعد -التطبيع المجتمعي-: خيار التدفق إلى الشوارع ب
...
-
درس (7) واقعة باب العامود؛ استعادة المكان رمزياً،،، فن الحضو
...
-
درس (5). في خلفية المشهد والسياق والفعل الفردي/الجمعي في الق
...
-
درس (6) ميلشيات المستوطنين؛ استباحة الجسد وطمس الهوية الفلسط
...
-
درس (4) في تأطير مكان باب العامود بالقدس: رئة الحياة وشبكة ا
...
-
درس (3) اللامكان المقدسي؛ في استلاب المكان ومعناه في البلدة
...
-
درس (2) في معنى المكان: القدس كبلدة -الله والفلسطيني- العتيق
...
-
درس (1) من دروس شباب باب العامود؛ من الدندرة إلى الجكارة؛ با
...
المزيد.....
-
السيسي: مصر ليست بمنأى عن تداعيات الحرب في الخليج.. ورفع أسع
...
-
منصة صينية تكشف التحركات العسكرية.. هل تراقب بكين القوات الأ
...
-
اليابان تسحب 80 مليون برميل من احتياطيات النفط لتهدئة الأسوا
...
-
لماذا رفضت المحكمة العليا في الهند إجازة الطمث للنساء؟
-
دراسة تكشف عن علاقة -شيخوخة الأمعاء- بتدهور القدرات الإدراكي
...
-
ضغوط في واشنطن لإيقاف الحرب ولاستمرارها.. لمن يستمع ترمب؟
-
عراقجي: الهجوم على جزيرة خارك شُن من أراضي جيراننا
-
خبير عسكري: الساحة العراقية ورقة طهران لاستنزاف واشنطن
-
فيدان: نناقش مع إيران التناقض بين البيانات وإطلاق الصواريخ
-
هآرتس: توقعات بإجراء محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان قريبا
...
المزيد.....
-
أساليب التعليم والتربية الحديثة
/ حسن صالح الشنكالي
-
اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با
...
/ علي أسعد وطفة
-
خطوات البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا
...
/ سوسن شاكر مجيد
-
بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل
/ مالك ابوعليا
-
التوثيق فى البحث العلمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو
...
/ مالك ابوعليا
-
وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب
/ مالك ابوعليا
-
مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس
/ مالك ابوعليا
-
خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد
/ مالك ابوعليا
المزيد.....
|