|
|
إخْوَانُ الصَّفَا وَعِنَاقِيدُ الْعِنَبِ الْمُخَمَّورَة
ابراهيم زهوري
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 06:25
المحور:
الادب والفن
«إِلَى كُلِّ الَّذِينَ مَرُّوا فِي تِلْكَ الدُّرُوبِ، وَغَادَرُوهَا بِغَصَّةٍ عَصْمَاء، أَوْ دَمْعَةِ حُزْنٍ صَاخِبَة.»
الْوَقْتُ نَهَارُ صَيْفٍ عِنْدَ سُفُوحِ جَبَلِ الشَّيْخِ، وَعَالِيًا فَوْقَ أَسْطُحِ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الْوَادِعَةِ (بَقَعْسَم)، كَانَتْ سِرِّيَّةُ الدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ الَّتِي أَخْدِمُ فِيهَا، وَالَّتِي تَتَبَعُ جَيْشَ التَّحْرِيرِ الْفِلَسْطِينِيِّ، تَتَمَرْكَزُ بِرَشّاشَاتِهَا الثَّقِيلَةِ الْمُضَادَّةِ لِلْطِّيَرانِ الْحَرْبِيِّ، وَتُشَكِّلُ دَائِرَةً مُكْتَمِلَةً عَلَى قِمَّةِ التَّلَّةِ الْمُرْتَفِعَةِ الَّتِي تُسَمَّى (بَرْبَر)، تُحِيطُ بِهَا الْخَنَادقُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ كوَمَهَاجِعُ الْجُنُودِ، إِضَافَةً إِلَى كُلِّ أَنْوَاعِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ، مِنْ كَرَزٍ وَتُفَّاحٍ، وَبَعْضِ الْخُضْرَوَاتِ الْمَزْرُوعَةِ فِي مِسَاحَةِ أَرْضٍ ضَيِّقَةٍ تَسْكُنُهَا وَحْشَةُ الْعُزْلَةِ. وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَلَّةٍ شَاهِقَةٍ، مِثْلَ كُلِّ التِّلالِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ حُدُبٍ وَصُوب، وَالَّتِي شَكَّلَتْ، عَبْرَ تَارِيخِهَا، مَلَاذًا آمِنًا لِتِلْكَ الْجَمَاعَاتِ الضَّعِيفَةِ الْهَارِبَةِ مِنْ سُطْوَةِ جَبْرُوتِ سُلْطَةِ جَمَاعَاتٍ أُخْرَى فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ. وَرَغْمَ طِيرَانِ الْعَدُوِّ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ الْمُحْتَلّ مِنْ سِلْسِلَةِ جِبَالِ حَرْمُونَ، يَنْتَهِكُ سِيَادَةَ أَجْوَائِنَا وَيَسْتَبِيحُهَا يَوْمِيًّا عَلَى ارْتِفَاعٍ عَالٍ جِدًّا، حَيْثُ يَقُومُ بِكُلِّ مُهِمَّاتِهِ مُطْمَئِنًّا لِأَنَّهُ خَارِجَ مَدَى إِطْلَاقِ نِيرَانِنَا، إِلَّا أَنَّنِي، فِي الْحَالِ، كُنْتُ أَقُومُ بِوَظِيفَتِي عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ، وَهِيَ تَسْجِيلُ مِيعَادِ طَلْعَةِ طَائِرَةِ الاسْتِطْلَاعِ هَذِهِ، وَالْوَقْتِ الَّذِي تَسْتَغْرِقُهُ، وَأَحْرِصُ كُلَّ الْحَرَصِ عَلَى ذِكْرِ جِهَةِ الانْطِلَاقِ وَالْجِهَةِ الَّتِي تَعُودُ مِنْهَا. كَانَتِ الْمُهِمَّةُ سَهْلَةً بِالطَّبْعِ، حَتَّى إِنَّ طَوَاقِمَ الرَّشّاشَاتِ مِنَ الْجُنُودِ بَدَأُوا بِالاعْتِيَادِ عَلَيْهَا حِينًا، وَتَجَاهُلِهَا أَحْيَانًا أُخْرَى، وَذَلِكَ لِقَنَاعَتِنَا الْكَامِلَةِ بِأَنَّ كُلَّ تِلْكَ الْعَمَلِيَّاتِ مُعَدَّةٌ مُسَبَقًا ضِمْنَ اتِّفَاقِ الْهُدْنَةِ، وَوَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ، وَفَصْلِ الْقُوَّاتِ الْقَائِمِ بَعْدَ الْحَرْبِ، وَالْعَدُوُّ بِدَوْرِهِ يُحَاوِلُ اخْتِرَاقَهَا مَرَارًا وَتَكْرَارًا وَيَنْجَحُ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ الْجُنُودُ لَا حَوْلَ لَنَا وَلَا قُوَّةَ، سِوَى الْمُرَاقَبَةِ وَتَسْجِيلِ الْوَقَائِعِ. وَعِنْدَمَا يَنْالُ مِنَّا مَلَلُ تَكْرَارِ الْوَقْتِ الْيَوْمِيِّ وَدَبِيبُ ضَجَرِهِ، يَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى الْقِيَامِ بِأَحَدِ الْأَعْمَالِ الْيَوْمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ عَلَى هَذِهِ الْبَقْعَةِ الْجَمِيلَةِ النَّائِيَةِ، الْقَرِيبَةِ جِدًّا مِنْ مَسْقَطِ رَأْسِ آبَائِنَا وَسَمَائِهِمُ الْأُولَى، وَالْبَعِيدَةِ جِدًّا فِي الْمَنْفَى. نَحْنُ الَّذِينَ نَحْلُمُ كَيْفَ سَيَنْقَضِي هَذَا الْوَقْتُ الْعَصِيبُ الْمُؤَقَّتُ، وَنَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى، دُونَ تَرَدُّدٍ يُذْكَرُ، إِلَى فَضَاءِ الْحَيَاةِ الْمَدَنِيَّةِ وَفَضَائِلِ نَعِيمِهَا. لِذَلِكَ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا تَدَبُّرُ مُهِمَّاتِ الْمَعِيشَةِ، مُنفَرِدًا أَوْ ضِمْنَ جَمَاعَاتٍ مُتَعَاوِنَةٍ؛ أَحَدُهُمْ يَجْمَعُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْخُبْزِ الْيَابِسِ، وَمَا تَوَفَّرَ مِنْ لَوَازِمِ عُلَبِ الْمُؤُونَةِ وَالتَّخْزِينِ، وَيُعْقِدُ صَفْقَةَ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ فِي الدُّكَّانِ الْوَحِيدِ أَسْفَلَ الْمَوْقِعِ، فِي الشَّارِعِ الرَّئِيسِ لِلْقَرْيَةِ، وَالَّتِي تُدِيرُهَا امْرَأَةٌ قَوِيَّةٌ قَادِمَةٌ مِنْ لُبْنَان. وَقِلَّةٌ مِنْ بَعْضِهِمْ يَطْلُبُونَ الْمُوَافَقَةَ الرَّسْمِيَّةَ لِزِيَارَةٍ وَقَضَاءِ لَيْلَةٍ مَعَ أَصْدِقَائِهِمْ فِي مَوْقِعٍ آخَرَ هُنَاكَ عَلَى الْقِمَّةِ، وَآخَرُونَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى لُعْبَةِ وَرَقٍ دَاخِلَ الْمَهْجَعِ الْمَصْنُوعِ مِنْ كُتْلَةٍ إِسْمِنْتِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، تَأْخُذُ شَكْلَ أُسْطُونَةٍ ضَخْمَةٍ تُشْبِهُ الْمَجْرُورَ الصَّحِّي، مِنغَرِسَةٍ دَاخِلَ السَّفْحِ مِثْلَ مَغَارَةٍ تَنْعَدِمُ فِيهَا أَشِعَّةُ الضَّوْءِ، وَيَخْتَنِقُ الْهَوَاءُ الْمُتَبَقِّي مِثْلَ حَشْرَجَةِ حَيَوَانٍ أَلِيفٍ أَثْنَاءَ احْتِضَارِهِ. هَكَذَا يَمُرُّ الْوَقْتُ مُحْتَالًا عَلَى بَرَاءَةِ صَبْرِنَا الْعَزْلِ؛ نُحَاوِلُ نَحْرَ أَنِينِ الضَّجَرِ مُتَهَالِكِينَ بِمَا نَمْلِكُ مِنْ وَسَائِلَ بَسِيطَةٍ، رَغْمَ قَهْقَهَاتِنَا الْعَبَثِيَّةِ وَصَرَاخِنَا الْمَجْرُوحِ، وَهُوَ يَشُقُّ صَدْرَ صَمْتِ الْمَكَانِ الْمُتَرَامِي الأَطْرَافِ مِنْ حِينٍ لآخَرٍ، فَيَذُوبُ مِثْلَ قَنْطَرَةِ ثَلْجٍ، وَيَذْوِي كَأَنَّ الرِّيحَ تُذَرِّيهِ عَلَى أَعْتَابِ ضَجِيجِ الْقُرَى، وَيَخْتَفِي. حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ، مِنْ شِدَّةِ ثِمَالَتِهِ الْخَمْرِيَّةِ الطَّاغِيَةِ، يَخْرُجُ فَجْأَةً، وَيَقِفُ أَمَامَ بَابِ الْمَهْجَعِ مُنْتَصِبًا نِصْفَ عَارٍ، وَيُطْلِقُ رَشْقَةَ رَصَاصٍ مُنْتَشِيًا بِمَا سَلَبَهُ مِنْ أَمْوَالِ قَوافِلِ التَّهْرِيبِ الَّتِي تَسْلُكُ طَرِيقَهَا الْمُتَعَرِّجَ الْخَفِيَّ عَلَى الْبِغَالِ، مُتَسَلِّلَةً لَيْلًا مِثْلَ أَفْعَى مَلْسَاءَ تَتَحَرَّكُ بِهُدُوءٍ مُطَبَّقٍ تَحْتَ كُثْبَانِ رَمْلٍ. وأَنَا، الَّذِي لَا هِوَايَةَ لَهُ بِلَعِبِ الْوَرَقِ، وَلَا بِشَرَاهَةِ مُتْعَةِ التَّدخِينِ وَأَحَادِيثِ الْمَقَاهِي، أَجْمَعُ بَعْضَ حَوَائِجِي، وَأَنْزِلُ إِلَى نَبْعِ الْمَاءِ فِي عُمقِ الْوَادِي لأَسْتَحِمَّ، وَأَمْلَأَ دَلْوَ مَاءِ الشُّرْبِ الْعَذْبِ، حَيْثُ أُصَادِفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ رَجُلًا عَجُوزًا يَعْمَلُ فِي بُسْتَانِهِ، يَسْتَصْلِحُ الْأَرْضَ الْوَاعِرَةَ بِمِعْوَلِهِ، وَيَدْعُونِي لِمُشَارَكَتِهِ بَعْضَ الطَّعَامِ مُبْتَسِمًا، وَهُوَ يَشْرَحُ لِي، مُزْهُوًّا بِحَلَاوَةِ لَهْجَةِ حَدِيثِهِ، وَمَعْلُومَاتِهِ الْمَوْثُوقَةِ عَنْ بَعْضِ مَعَالِمِ الْحِكْمَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَمَعْيَارِيَّتِهَا الصَّحِيحَةِ لِحَيَاةِ الْبَشَرِ، وَمَنْطِقِ الْعَدْلِ فِي تَجْرِبَةِ الْمُغَامَرَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ لِأَعْمَالِ إِخْوَانِ الصَّفَا وَخِلّانِ الْوَفَا، وَمَدَى حَاجَتِنَا الْمَاسَّةِ لِرُوحِ تِلْكَ الْهِمَّةِ الْفِكْرِيَّةِ الْخَصِبَةِ هَذِهِ الْأَيَّام. وَهَكَذَا، حِينَ أَعُودُ، أَقْتَنِصُ مِنْ شَجَرَةِ الْقَرَاصِيَا الْوَحِيدَةِ، وَهِيَ تَتَوَسَّطُ كَرْمَ الْعِنَبِ، بَعْضَ الثِّمَارِ الْمُكْتَنِزَةِ، تُعِينُنِي بِطَعْمِهَا السُّكَّرِي صُعُودًا هَذِهِ الْمَرَّةِ نَحْوَ الْمَوْقِعِ. أَسْتَعِيدُ أَنْفَاسِي لَحَظَاتٍ قَلِيلَةً، أُحَدِّقُ فِي غَيْمَةٍ تَجَتَاحُنَا عَلَى حِينِ غُرَّةٍ، تُحْجِبُ الْمَكَانَ وَتُحَوِّلُهُ إِلَى كُتْلَةِ ضَبَابٍ كَثِيفٍ، ثُمَّ تَنْجَلِي سَرِيعًا، وَتَنْتَصِرُ الشَّمْسُ كَالْعَادَةِ، لِتَرْمِيَ الْغَيْمَةُ الْعَابِرَةُ ظِلَالَهَا عَلَى تَلَّةٍ مُجَاوِرَة. أَنْصَرِفُ إِلَى كُتُبِي الْمُكَدَّسَةِ دَاخِلَ الْجُبَّةِ الظَّهْرِيَّةِ الْمَرْمِيَّةِ عَلَى زَاوِيَةِ السَّرِيرِ. أَتَنَاوَلُ أَحَدَ هَذِهِ الْكُتُبِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تَارِيخِ سُورِيَّا وَفِلَسْطِين، بِقَلَمِ قُنْصُلٍ رُوسِيٍّ كَانَ يَقُومُ بِوَظِيفَتِهِ فِي بَيْرُوتَ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشَر. وَمِنْ خِلَالِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَأَنِّيةِ، أَسْمَحُ لِلْخَيَالِ أَنْ يُؤَدِّي وَاجِبَهُ السِّحْرِي فِي وَلَهِ الْعُبُورِ وَدَهْشَةِ التَّرْحَالِ، وَأَنَا أَجْلِسُ عَلَى صَخْرَةٍ ضَخْمَةٍ عَلَى عُلُوٍّ شَاهِقٍ، يَلْفَحُنِي نَسِيمُ الْوَطَنِ الْمُحْتَلِّ الْقَادِمُ مِنْ خَلْفِ التِّلَالِ. وَأَطْرُبُ لِغِنَاءِ الرَّاعِي وَصَوْتِ نَايِهِ الْعَذْبِ، حِينَ يَمُرُّ مُهَلْهَلًا يَشْدُو بِبَيْتِ عِتَابًا وَمَطْلَعِ أُغْنِيَةٍ رِيفِيَّةٍ. رَقْصُ صَوْتِ خَلَاخِيلٍ، وَقَرْعُ أَجْرَاسِ الْكَبْشِ الَّذِي يَقُودُ الْقَطِيعَ، تَعْلُو رَوِيدًا رَوِيدًا فِي هَذَا التَّجَوُّلِ التَّارِيخِي. تَغْمُرُنِي سَكِينَةٌ هَائِلَةٌ، وَتَجْتَاحُ هَوَاجِسِي الْقَلِقَةَ قَشْعَرِيرَةُ دَفْءِ. أَتَحَسَّسُ، بِظِلَالِ الْأَمَاكِنِ الْمُحِيطَةِ، شَجَاعَةَ بُطُولَاتِ أَهْلِ الْمِنْطَقَةِ أَثْنَاءَ حَمْلَةِ إِبْرَاهِيمَ بَاشَا الْمِصْرِي، وَالْمَعَارِكِ الْعَدِيدَةِ الَّتِي تَسْتَعِيدُ مَرَّةً أُخْرَى أَسْمَاءَ الْمُدُنِ وَالْقُرَى الْمُتَوَزِّعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ بُلْدَانٍ مُتَجَاوِرَةٍ، كَانَتْ بِالْأَصْلِ بَلَدًا وَاحِدًا. بَيْنَ حَنَايَاها تَأْخُذُنِي سُطُورُ الْكِتَابِ، أَفُكُّ أَلْغَازَ الْمَاضِي وَأَسْرَارَ مَسَارَاتِهِ الْمُلْتَوِيَةِ، وَأُرْهِفُ السَّمْعَ لِوَقَائِعِ مَعَارِكِ الْخَيَّالَةِ وَالْفُرْسَانِ، وَتَصْمِيمِهِمْ الْفَذِّ عَلَى رَفْضِ التَّجْنِيدِ الْإِجْبَارِي، وَالْلَحْمَةِ الْقَوِيَّةِ فِي حِرَاسَةِ الْمَكَانِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ كَأَنَّهُ الْحِصْنُ الْأَخِيرُ. وَعِنْدَمَا تَأْتِي لَحْظَةُ الْكِفَايَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالاسْتِغْرَاقِ، أَطْوِي صَفَحَاتِ الْكِتَابِ، وَأَلْمِلُ مَا تَبَقَّى مِنْ أَغْرَاضِي: إِبْرِيقَ الشَّايِ الْمُتَّشِحَ بِسَوَادِ الدُّخَانِ، وَالْكَأْسَ الصَّغِيرَةَ، وَرَائِحَةَ الْمِيرْمِيَّةِ، وَبِطَّانِيَّةً مُهْتَرِئَةً، وَبِنْدَقِيَّةً وَحِيدَةً ذَاتَ كَعْبٍ خَشَبِيٍّ مُحْرُوقٍ بِأَعْقَابِ السِّجَائِرِ. أَرْفَعُهَا عَلَى كَتِفِي، وَأَمْضِي نَازِلًا طَرِيقَ الْعَوْدَةِ الْمُتَعَرِّجَ. أَصْنَعُ مِنْ خُطُوَاتِي الْحَذِرَةِ دَوَائِرَ لَا تَنْتَهِي… قَفْزَةً هُنَا، وَقَفْزَةً هُنَاكَ، كَأَنِّي فِي خِضْمِّ لُعْبَةِ أَطْفَالٍ مُسَلِّيةٍ، أَحْصُدُ مَزِيدًا مِنَ النِّقَاطِ، أَوْ كَأَنِّي وَعْلٌ يَحْتَفِي بِشُرُوقِ الشَّمْسِ مُنْبَهِرًا بِانْعِكَاسِ أَشِعَّةِ الضَّوْءِ عَلَى فُتَاتِ الصَّخْرِ، دُونَ عِنَاءِ الِالْتِفَاتِ نَحْوَ الْخَلْفِ. أَلْتَقِطُ مُبْتَسِمًا وَفْرَةَ غَنَائِمِي مِنْ أَزْهَارِ النَّرْجِسِ الأَصْفَرِ وَالأَبْيَضِ، تَنْبُثِقُ شَامِخَةً مِنَ التُّرَابِ الْمُمْتَزِجِ بِحَصَى الصَّخْرِ الْمُتَفَتِّتِ. فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، هِيَ بَاقَةُ نَرْجِسٍ جَبَلِيّ أَضَعُهَا إِجْلَالًا وَاحْتِرَامًا فِي جَوْفِ خُوذَةِ ذَلِكَ الْجُنْدِيِّ الَّذِي سَبَقَنِي، وَقَدْ فَارَقَ الْحَيَاةَ مُبَكِّرًا، حِينَمَا التَهَمَتْهُ الضِّبَاعُ الْمُفْتَرِسَةُ الْجَائِعَةُ فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ وَحِيدًا مِنْ إِجَازَتِهِ، خِلَالَ عَاصِفَةٍ ثَلْجِيَّةٍ قَاسِيَةٍ وَصَعْبَةٍ، فَلَمْ يَتَبَقَّ مِنْهُ غَيْرُ الْهَيْكَلِ الْعَظْمِيِّ، وَالْحِذَاءِ، وَالرَّقْمِ الْعَسْكَرِيِّ الْمُتَسَلْسِلِ الْمَنْقُوشِ عَلَى صَفِيحَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ الْمَعْدَنِ . Nürnberg 12/03/2026
#ابراهيم_زهوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشامان الصغير
-
حينما يرقص الظل
-
غسلت وجهي متيماً بدعاء الخصب
-
إمرأة لحاء العطر
-
سلسلة جبال حرمون ( جبل الشيخ )
-
صورة البستان في المنام
-
تعود من حيث بدأت
-
قيامة الموج في حقائب الرحيل
-
الفوز بالنقاط .... حتى رحيل ناثان .. ياهو . التخلف و الرأسما
...
-
الهلع الأول و بريق هتاف
-
مارو -Maro
-
أجمل من الوردة أجمل من صرخة الأغصان
-
متسعا ً مثل أحلام السماء وقريبا ً مثل بقعة الضوء
-
رحيق الوقت وردة الأزل
-
طهارة التجوال .. غربة الروح أساور ذهب
-
( إخوان الصفا ) وعناقيد العنب المخمورة
-
زيتونة الأقصى
-
في زحمة المرايا
-
عنزة التلمود والدولة الوطنية
-
أميرة الشهيدة و العروس حزننا الأبدي
المزيد.....
-
صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21
...
-
إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
-
ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
-
البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة
...
-
مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر
...
-
رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية
...
-
الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
-
التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
-
الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟
...
-
موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|