|
|
جيفارا العراق: دراسة تاريخية وتحليلية معمقة لسيرة خالد أحمد زكي وحركة الكفاح المسلح في الأهوار
امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات
(Amir Wael Abdulamir Murib)
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 08:54
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
التوطئة التاريخية: تقاطعات الأممية الراديكالية والواقع العراقي شهد العقد السادس من القرن العشرين تحولات جيوسياسية وأيديولوجية عاصفة أعادت صياغة الخرائط السياسية والفكرية على مستوى العالم، ولا سيما في دول الجنوب أو ما يُعرف بـ "العالم الثالث". في تلك الحقبة الدقيقة، تبلورت تيارات راديكالية يسارية جديدة سعت إلى القطيعة المعرفية والعملية مع الأطر التقليدية للأحزاب الشيوعية الكلاسيكية، والتي كانت ترتبط عضوياً بالمركز السوفيتي وتدور في فلك سياساته الاستراتيجية.1 لقد أسهمت عوامل دولية كبرى، أبرزها الانشقاق الصيني-السوفيتي، والانتصار المدوي للثورة الكوبية في عام 1959، وتصاعد وتيرة حرب العصابات في فيتنام ضد التدخل العسكري الأمريكي، في خلق مناخ عالمي محفز للشباب الثوري، وتكريس مفهوم "حرب التحرير الشعبية" كبديل حتمي وضروري عن النضال البرلماني أو السلمي الذي تبنته موسكو تحت شعارات "التطور اللارأسمالي" و"التعايش السلمي" مع الأنظمة البرجوازية الوطنية.1 في السياق العربي عموماً، والعراقي على وجه التحديد، تعرضت الحركات الراديكالية وقوى التحرر الوطني لانتكاسات متتالية وضربات أمنية قاصمة. لعل أبرز هذه المحطات الدموية كانت مجازر شباط/فبراير 1963 التي استهدفت الشيوعيين والقوى التقدمية في العراق إثر الانقلاب البعثي-القومي، والتي تركت جرحاً غائراً في الجسد السياسي العراقي.2 تلت ذلك النكسة العربية الكبرى في حزيران/يونيو 1967، والتي أثبتت، في نظر العديد من المنظرين الراديكاليين والمناضلين الميدانيين، عقم الأنظمة البرجوازية الوطنية والجيوش النظامية التقليدية في تحقيق التحرر الوطني أو مواجهة التحالفات الإمبريالية-الصهيونية.2 في خضم هذا المشهد المأساوي والمحتقن، برزت الحاجة الملحة إلى تبني خيارات كفاحية أكثر حدة وصرامة، متأثرة بنظرية "البؤرة الثورية" (Foquismo) التي صاغها ونفذها إرنستو تشي جيفارا ونظّر لها ريجيس ديبراي، والتي تقوم على فرضية مركزية مفادها أن طليعة مسلحة صغيرة يمكنها، من خلال المبادرة بالعمل العسكري الخاطف والمؤثر، أن تخلق الظروف الموضوعية للثورة وتستنهض الجماهير الكادحة دون الحاجة إلى انتظار نضوج تلك الظروف بشكل تلقائي وتاريخي.2 وسط هذه التحولات العاصفة والتقاطعات المعقدة بين المحلي والدولي، يبرز اسم المناضل والمنظر العراقي خالد أحمد زكي (المعروف في الأدبيات الحركية بأسماء "ظافر"، "باقر"، "جبار"، و"أبو مودة") كواحد من أندر الشخصيات العراقية والعربية التي جسدت هذا التلاقح العضوي بين الأممية العالمية والمحلية العراقية.2 لقد مثلت الحركة المسلحة التي قادها خالد أحمد زكي في أهوار جنوب العراق، على الرغم من قصر عمرها الزمني ونهايتها التراجيدية عسكرياً، محطة مفصلية وبالغة الأهمية في تاريخ اليسار العربي والعالمي؛ حيث حاول هذا الشاب المثقف نقل التجربة الكوبية والفيتنامية وتوطينها في جغرافيا الأهوار العراقية المعقدة، ليصبح بذلك وبحق ما يطلق عليه الأكاديميون والمؤرخون "جيفارا الشرق الأوسط".1 تسعى هذه الدراسة البحثية المعمقة إلى تفكيك المسار السيري والنضالي لخالد أحمد زكي، وتحليل الديناميات الأيديولوجية والتنظيمية التي قادت إلى إشعال "انتفاضة هور الغموكة" في عام 1968، وتقييم الإرث الثقافي والسياسي والأدبي الذي خلفته تلك التجربة الاستثنائية. الجذور السوسيولوجية والتكوين المبكر: من الإرث العثماني إلى الوعي الطبقي لفهم التركيبة النفسية والأيديولوجية المعقدة لخالد أحمد زكي، ينبغي تتبع الجذور السوسيولوجية والبيئية التي نشأ فيها. وُلد خالد أحمد زكي في العاصمة العراقية بغداد في عام 1935، ضمن بيئة عائلية ميسورة الحال وذات طابع علمي ومدني منفتح، وهو ما يتناقض ظاهرياً مع مساره اللاحق كقائد لحرب عصابات فلاحية.2 تشير المصادر التاريخية والتوثيقية العائلية إلى أن جده المباشر هو الضابط العثماني محمد أمين الحسيني، وأن أصول العائلة تنحدر من السادة الأشراف الحسينيين في مدينة النجف الأشرف.2 كانت هذه العائلة دينية محافظة في جذورها، وكان لها دورها ومكانتها إبان فترات الحكم العثماني للعراق، غير أن هذا الإرث التقليدي خضع لتحولات بفعل التحديث المادي والمهني.2 فقد كان والده، أحمد زكي الحسيني، يعمل مهندساً للري ومساحاً للأراضي، وهي المهنة التي فرضت على العائلة نمطاً من التنقل الجغرافي المستمر بين مختلف المدن والقرى في الأرياف العراقية، ومكنت الأب من امتلاك رؤية مدنية تقدمية ومنفتحة على الحياة، انعكست بشكل مباشر على تنشئة أبنائه.2 هذا التنقل المكاني لم يكن مجرد تغيير في محلات الإقامة، بل شكل نافذة استثنائية للطفل والشاب خالد للاطلاع عن كثب على التناقضات الصارخة في المجتمع العراقي. من خلال مرافقته لوالده في جولاته الميدانية لمسح الأراضي ومهام الري في أرياف العراق الجنوبي في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، اصطدم الشاب خالد بالواقع المرير والمأساوي الذي كان يعيشه الفلاحون والمعدان.2 لقد شاهد بأم عينه حجم الاستغلال الاقتصادي، والقسوة الاجتماعية، والظلم السافر الذي كان يمارسه الإقطاعيون وملاك الأراضي ضد الطبقات الكادحة، مما ولّد لديه وعياً طبقياً مبكراً وشعوراً عميقاً برفض الظلم الاجتماعي، وهو وعي سبق انخراطه الرسمي في الأطر الحزبية.2 دفع هذا الوعي الاجتماعي المبكر الشاب خالد إلى الانخراط السريع في العمل السياسي المناهض للسلطة الملكية والطبقة الإقطاعية الحليفة لها. ففي عام 1952، وأثناء دراسته في إعدادية مدينة الكوت، انتمى خالد أحمد زكي رسمياً إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، متأثراً بشكل مباشر بشخصيات نضالية محلية ووطنية، من أبرزهم المناضل حسن العذاري الذي أسهم في تأطير وعيه الماركسي.6 بعد تخرجه من المرحلة الإعدادية في عام 1953، عُين زكي معلماً في مدينة النعمانية لفترة وجيزة.6 لم تكن هذه الوظيفة مجرد مصدر للدخل، بل مثلت تجربة عملية للعمل المباشر والاحتكاك اليومي مع الطبقات الشعبية وأبناء الفلاحين، ما صقل من شخصيته القيادية وجعله، وفقاً لتوصيفات رفاقه، مثقفاً ثورياً وعضوياً من "الطراز الشعبي"، ومناضلاً متسلحاً بالعزم وصديقاً حميماً للعمال والفلاحين.6 المحطة الزمنية الحدث البارز في سيرة خالد أحمد زكي الأثر السوسيولوجي والسياسي 1935 الولادة في بغداد لعائلة ميسورة (والده مهندس ري). نشأة مدنية منفتحة، توفر فرص التعليم العالي. مطلع الخمسينيات مرافقة والده في جولات أرياف الجنوب العراقي. المعاينة المباشرة لظلم الإقطاع وتبلور الوعي الطبقي الأولي. 1952 الانتماء للحزب الشيوعي العراقي أثناء دراسته في الكوت. التأطير الأيديولوجي الماركسي، والتأثر بالمناضل حسن العذاري. 1953 - 1954 التخرج من الإعدادية والعمل كمعلم في مدينة النعمانية. الاحتكاك المباشر بالطبقات الشعبية والعمل الجماهيري.
لندن والتشابك الأممي: مؤسسة برتراند راسل وتشكل الوعي الراديكالي في عام 1955، تكفلت عائلة خالد زكي الميسورة بإرساله إلى العاصمة البريطانية لندن لإكمال دراسته الجامعية في مجال الهندسة على نفقتها الخاصة.2 لم تكن هذه الرحلة الأكاديمية مجرد مسار تعليمي تقليدي، بل شكلت انعطافة كبرى واستراتيجية في حياته السياسية والفكرية. أتاحت له لندن، التي كانت في ذلك الوقت تعج بالحركات الطلابية، والمنفيين السياسيين، والتيارات اليسارية والمناهضة للإمبريالية من مختلف أنحاء العالم، أفقاً أممياً واسعاً تجاوز المحلية العراقية الضيقة. سرعان ما برز نجمه كمنظم سياسي ماهر، حيث انتُخب رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في بريطانيا.6 يصفه رفيقه إسماعيل الجاسم، الذي زامله في مطلع الستينيات في بريطانيا، بأنه كان "شعلة متقدة من الحيوية والنشاط" أثناء قيادته للجمعية، وكان دائم الحديث عن شوقه العارم للعودة إلى العراق والنضال الفعلي بين صفوف فقرائه وكادحيهم والانتصار لهم.2 لم يقتصر نشاط خالد أحمد زكي في لندن على النطاق الطلابي العراقي أو التنديد بسياسات الحكومات المتعاقبة في بغداد، بل تمدد ليتقاطع بشكل بنيوي مع أبرز الحركات المناهضة للإمبريالية على مستوى العالم. كانت نقطة التحول الأبرز والأكثر تأثيراً في هذا المسار هي انضمامه إلى "مؤسسة برتراند راسل للسلام" (Bertrand Russell Peace Foundation) في أعقاب الانقلاب البعثي الدموي في العراق في شباط/فبراير 1963، حيث تولى منصب سكرتير المؤسسة لشؤون الشرق الأوسط.2 من خلال هذا الموقع القيادي والمتقدم في واحدة من أهم المؤسسات المناهضة للحروب الاستعمارية، عمل زكي جنباً إلى جنب مع السكرتير الشخصي للفيلسوف برتراند راسل، الناشط الأمريكي الماركسي الراديكالي رالف شونمان (Ralph Schoenman)، الذي كان المحرك الفعلي للعديد من حملات المؤسسة.13 تشارك زكي وشونمان الاهتمام العميق والفلسفي بقضايا التحرر الوطني في دول العالم الثالث ومواجهة الإمبريالية. وتتويجاً لهذا التعاون الفكري والسياسي، شارك خالد أحمد زكي رالف شونمان في تأليف دراسة معمقة وتحليلية حول الأزمة في الكونغو، نُشرت في كانون الثاني/يناير 1965 تحت عنوان "الموت والنهب في الكونغو: دراسة للحكم الغربي" (Death and Pillage in the Congo: A Study of Western Rule).3 في هذا التقرير المفصل، قدّم زكي وشونمان تحليلاً تاريخياً نقدياً للاستعمار البلجيكي والتدخلات الأمريكية، مستعرضين تاريخ البلاد منذ القرن التاسع عشر كنموذج وحشي للعنصرية الغربية والاستعمار.3 والأهم من ذلك، ركز التقرير على دعم الثوار اللومومبيين في شرق الكونغو، مشيداً بـ "بطولة" هؤلاء المتمردين ذوي التسليح الضعيف في مواجهة "القنابل الفوسفورية، والصواريخ، والطائرات الحديثة، والغزو الشامل" من قبل المستعمرين القدامى والجدد، ومقارناً الوضع هناك بما يجري في فيتنام.3 عكست هذه الكتابات إيمان زكي العميق والمترسخ بجدوى حرب العصابات، وبأن التفوق التكنولوجي والعسكري للإمبريالية ينهار أمام الإرادة الشعبية المنظمة.3 ومن المفارقات التاريخية ذات الدلالة العميقة أن تشي جيفارا نفسه كان مسكوناً بذات القضية، حيث سافر سراً إلى الكونغو في ربيع عام 1965 لدعم الكفاح المسلح هناك، مما يؤكد الانتماء الفكري العضوي لزكي إلى ذات المدرسة الثورية العالمية.3 شكلت هذه المرحلة وعي خالد زكي الأممي؛ فقد أتاحت له مكانته في مؤسسة برتراند راسل السفر المتكرر واللقاء المباشر بشخصيات ثورية وأممية عالمية في الاتحاد السوفيتي، وتشيكوسلوفاكيا، وكوبا.6 كما زار فيتنام الشمالية وعايش عن قرب تكتيكات ثوار "الفيتكونغ" في قتالهم ضد الآلة العسكرية الأمريكية الهائلة، وتفاعل مع رموز تاريخية شكلت وعي جيله، من أمثال فيديل كاسترو، وهو شي منه، وتشي جيفارا.2 إن إدراكه المباشر لتجارب الكفاح المسلح في القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية) رسخ لديه قناعة لا تتزعزع بأن النماذج السلمية والإصلاحية غير قادرة على إحداث التغيير الجذري في بنية الأنظمة الديكتاتورية التابعة، وأن "العنف الثوري" والكفاح المسلح هما الوسيلة الوحيدة واللغة التي تفهمها الأنظمة الرجعية المدعومة إمبريالياً.2 ورغم نشاطه العالمي المكثف، وتورطه الإيجابي في حملات دولية، كان قلبه وعقله معلقين بالتغيير في وطنه الأم، حيث تشير التقارير إلى أنه كان يخطط بشكل حثيث للعودة وتطبيق ما تعلمه واستوعبه من دروس ثورية على أرض الرافدين.3 الانشقاق الأيديولوجي: أزمة الحزب الشيوعي العراقي ومخاض "القيادة المركزية" لفهم الدوافع السيكولوجية والسياسية التي قادت مهندساً ومثقفاً أممياً يحظى بمكانة دولية في لندن إلى التخلي عن كل ذلك، والعودة متخفياً لحمل البندقية في مستنقعات أهوار الجنوب العراقي، يجب تفكيك الأزمة البنيوية العميقة التي عصفت بالحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الستينيات. بعد مجازر شباط/فبراير 1963، تعرض الحزب الشيوعي لضربة قاصمة أدت إلى استشهاد قياداته التاريخية وكوادره المتقدمة، وانهيار هياكله التنظيمية بشكل شبه كامل.2 وتحت تأثير التوجهات السوفيتية ومحاولات التقاط الأنفاس، تبنت اللجنة المركزية للحزب في آب/أغسطس 1964 ما عُرف أدبياً وسياسياً بـ "خط آب"، والذي دعا صراحة إلى التعاون السلمي مع نظام عبد السلام عارف بحجة أنه نظام "ديمقراطي ثوري" يسير في طريق "التطور اللارأسمالي".2 هذا الموقف التوفيقي والمهادن أثار غضباً واستياءً واسعين وعميقين في صفوف القواعد والكوادر الشابة التي كانت لا تزال تنزف من جراح عام 1963، والتي كانت تتعرض للاعتقال والتنكيل والتعذيب في سجون النظام العارفي، مثل سجن الحلة وسجن نقرة السلمان الصحراوي المروع.9 في هذا السياق المشحون، برز تكتل نقدي وراديكالي داخل الحزب عُرف بـ "فريق الكادر" (أو فريق الكادر اللينيني)، والذي قاده إبراهيم علاوي (المعروف بنجم محمود) في أواخر عام 1966.16 رفع "فريق الكادر" شعارات رافضة للستالينية والتبعية العمياء للمركز في موسكو، وندد بالخطوط "اليمينية الإصلاحية والتصفوية" للجنة المركزية، معتبراً أن الحزب قد تخلى عن هدف استلام السلطة السياسية. ودعا الفريق بشكل صريح إلى تبني استراتيجية "الكفاح المسلح لإسقاط الحكم الرجعي القائم" وتأسيس دكتاتورية الطبقة العاملة.16 توازياً مع هذه التفاعلات الداخلية، التقى خالد أحمد زكي بعزيز الحاج في براغ عام 1966، حيث عبر له زكي عن التذمر الواسع الحاصل بين صفوف الشيوعيين العراقيين في بريطانيا ودول أوروبا من السياسة الإصلاحية واليمينية لقيادة الحزب آنذاك.2 إثر ذلك، اتخذ زكي قراره الحاسم، متشبهاً بخطوات تشي جيفارا الذي ترك مناصبه الوزارية في كوبا، وعاد زكي سراً إلى العراق في عام 1966 (أو أوائل 1967)، متخفياً بملابس مموهة عبر مطار بغداد، تاركاً خلفه مستقبله المهني اللامع ومناصبه الدولية في لندن.6 انضم زكي فور عودته إلى "فريق الكادر" بقيادة إبراهيم علاوي، وبرز كواحد من ألمع منظريه ومخططيه العسكريين، مستفيداً من خبرته التنظيمية العالية وقراءاته المعمقة لأدبيات الحرب الثورية عند جيفارا وماو تسي تونغ، حيث جادل زكي بقوة بأن الحزب قد انحرف عن "خط فهد" (يوسف سلمان يوسف، المؤسس التاريخي للحزب الذي أُعدم عام 1949) وانزلق نحو التحريفية منذ خضوعه لسياسات عبد الكريم قاسم في عام 1959.2 تفاقمت الأزمة داخل الحزب الشيوعي العراقي ووصلت إلى نقطة اللاعودة إثر الهزيمة العربية المذلة في حرب 5 حزيران/يونيو 1967 (النكسة). لقد أسقطت هذه الهزيمة الشرعية المتبقية للأنظمة القومية في مصر وسوريا، وأثبتت إفلاس النماذج التقليدية في المواجهة، مما عزز قناعة الراديكاليين بضرورة تبني العنف الثوري.2 في 17 أيلول/سبتمبر 1967، وقع الانشقاق الكبير بتأسيس "الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية" بقيادة عزيز الحاج، كفصيل رافض لسياسات اللجنة المركزية بزعامة عزيز محمد وزكي خيري.16 وفي محاولة تكتيكية لتوحيد جهود اليسار الراديكالي، ورغم بعض التباينات، عرضت "القيادة المركزية" على "فريق الكادر" توحيد التنظيمين. وبدافع الحرص على وحدة الحركة الشيوعية، انضم "فريق الكادر" (بمن فيهم خالد أحمد زكي وإبراهيم علاوي) إلى القيادة المركزية في كانون الثاني/يناير 1968.2 في هذا التنظيم الجديد، تم تعيين خالد أحمد زكي مرشحاً للجنة المركزية للقيادة المركزية ومسؤولاً أول عن تهيئة مستلزمات الكفاح المسلح وقيادة "قيادة الكفاح المسلح".2 خريطة الانقسام الأيديولوجي في الحركة الشيوعية العراقية (1967-1968) لتوضيح عمق التباين الاستراتيجي والتكتيكي بين جناحي الحركة آنذاك، يمكن استعراض المقارنة المعمقة التالية: وجه المقارنة الحزب الشيوعي العراقي (اللجنة المركزية) الحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية / فريق الكادر) القيادة التاريخية عزيز محمد، زكي خيري عزيز الحاج، إبراهيم علاوي، خالد أحمد زكي المرجعية الأيديولوجية والدولية الالتزام الصارم بتوجيهات الاتحاد السوفيتي (موسكو) استقلالية نسبية، ميل واضح نحو الماوية وتجربة كوبا (Guevarism) الموقف من السلطة (حكومة عارف) موقف مهادن، يدعو للجبهة الوطنية و"التطور اللارأسمالي" موقف جذري وقطعي، يدعو للإسقاط العنيف للسلطة الرجعية الأداة التغييرية الاستراتيجية النضال السياسي والنقابي والجماهيري السلمي والإصلاحي العنف الثوري، حرب العصابات، الكفاح المسلح (البؤرة الثورية) الموقف من النكسة (1967) التكاتف مع البرجوازية الوطنية لتجاوز آثار العدوان إعلان الإفلاس النهائي للأنظمة وضرورة المبادرة بحرب شعبية طويلة الأمد
جدلية الجغرافيا والنظرية: "البؤرة الثورية" في أهوار الجنوب انكبت القيادة المركزية، بتوجيه أيديولوجي وعملياتي مباشر من خالد أحمد زكي، على ترجمة التنظير إلى واقع مادي ملموس. آمن زكي بأن طبيعة العراق الطبوغرافية، وخاصة مناطق الأهوار الشاسعة في الجنوب (تحديداً أهوار الناصرية والعمارة)، توفر البيئة المثالية والحاضنة الجغرافية لانطلاق "البؤرة الثورية".2 استلهم زكي هذه الرؤية الجيوعسكرية بشكل شبه حرفي من تجربة فيديل كاسترو في جبال "السيرامايسترا" الكوبية، وتجربة تشي جيفارا في غابات بوليفيا وأفريقيا؛ حيث اعتبر أن الأهوار بمستنقعاتها المترامية الأطراف، وأحراش القصب والبردي الكثيفة التي تحجب الرؤية، وعزلتها الجغرافية والمواصلاتية المعقدة، يمكن أن تشكل درعاً طبيعياً يحمي الطليعة الثورية من التفوق الجوي والآلي للجيش النظامي.2 علاوة على العامل الجغرافي الصرف، كان العامل البشري والسوسيولوجي حاضراً بقوة في حسابات زكي. فقد عانت جماهير الأهوار (سكان المعدان والفلاحون) لعقود طويلة من القهر الطبقي الممنهج، والاستغلال الإقطاعي البشع، والتهميش الحكومي المتعمد، مما جعلهم نظرياً الفئة الأكثر قابلية للتمرد والتشبع بالأفكار الثورية.2 راهن زكي، بناءً على مبادئ (Foquismo)، على أن مجرد إشعال الشرارة الأولى وإثبات هشاشة وضعف السلطة العارفية من خلال ضربات مسلحة خاطفة وناجحة، سيؤدي حتماً إلى استنهاض هؤلاء الكادحين، وكسر حاجز الخوف لديهم، وتعبئتهم ليلتحقوا تدريجياً بالبؤرة الثورية، فتتحول بذلك المجموعة الصغيرة المعزولة إلى جيش تحرير شعبي عرمرم يزحف نحو المدن.6 يجسد هذا الرهان جوهر نظرية جيفارا التي تنص على أنه: "ليس ضرورياً انتظار جميع العوامل والشروط الموضوعية والذاتية لشن الكفاح المسلح، وإنما البدء به حيثما كانت ظروفه جاهزة... وأن العمليات المسلحة الناجحة والمتلاحقة تسهم في إنضاج الظروف المطلوبة للثورة".7 ولتحقيق هذا الربط الميداني بين النظرية والمكان، نسق خالد أحمد زكي مع شخصية محلية محورية هي المناضل أمين خيون (أبو جماهير)، والذي كان يتمتع بخبرة ميدانية واسعة ومعرفة دقيقة واستثنائية بجغرافيا أهوار الناصرية وسكانها.2 كان خيون، وهو خريج جامعة بغداد ومعلم سابق، قيادياً فريداً يتمتع بروح إنسانية عالية وقدرة تنظيمية فذة، وقد هرب من بطش السلطة ولجأ إلى الأهوار بعد فشل مقاومة انقلاب 1963، وبدأ في تهيئة خلايا ومجموعات مسلحة هناك.7 ورغم وجود بعض التباينات التنظيمية والمزاجية بين خيون وقيادة الحزب في بغداد (حيث اختلف مع فريق الكادر قبل انطلاق القيادة المركزية)، إلا أن دوره الميداني كان أساسياً بصفته "القائد الميداني والدليل"، حيث أسهم في تحديد الملاذات الآمنة، وتأمين الزوارق الخشبية (المشاحيف)، واختيار مناطق التخفي الاستراتيجية مثل تلال هور "أبو غريب" ومنطقة "العوينة".7 التحضير اللوجستي واندلاع شرارة الكفاح المسلح بدأ التحضير اللوجستي للانتفاضة في مطلع عام 1968. عمل الحزب بكل طاقته على جمع التبرعات المالية، وشراء الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وإيفاد الكوادر المتطوعة المدربة إلى مناطق الجنوب. وفي هذا السياق، يُسجل التاريخ الدور التمويلي والمعنوي الكبير لعدد من الرموز الثقافية والنضالية، وفي طليعتهم الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، الذي كان من أوائل المتبرعين بماله الشخصي لشراء السلاح للبؤرة الثورية.8 كان النواب نفسه قد عاش تجربة قاسية، وتمكن من الفرار من سجن الحلة المركزي في خريف عام 1967 عبر النفق الشهير برفقة عدد من قادة وكوادر الفصيل الراديكالي (من بينهم عقيل حبش)، ليلتحق فوراً بدعم هذا التوجه الثوري.7 نشط خالد أحمد زكي لأشهر في بغداد متخفياً، يعقد اللقاءات، ويناظر، ويقنع الكوادر الحزبية، حتى استطاع بصدقه وإيثاره وشجاعته أن يستقطب عدداً من المتحمسين المستعدين للتضحية القصوى.6 في أواخر أيار/مايو 1968، اتخذت النواة القيادية قرار الانطلاق الفعلي. غادرت المجموعة المسلحة العاصمة متجهة إلى الأهوار. انتقلت النواة الرئيسة للمجموعة، المكونة من 12 مناضلاً بقيادة خالد أحمد زكي، من قاعدة خلفية في هور العمارة (هور أبو غريب) إلى أهوار الناصرية وتحديداً منطقة (العوينة) وهور (الغموكة) التابعة لمدينة الشطرة في محافظة ذي قار؛ وهي منطقة معزولة نسبياً ولكنها مكتظة بالفلاحين وصيادي السمك، مما يسهل عملية التحريض والتعبئة.6 ضمت هذه المجموعة الطليعية إلى جانب قائدها خالد أحمد زكي شخصيات فولاذية ومضحية، من أبرزهم: محسن حواس (الذي عُرف حركياً بـ "طه" أو "شلش")، ومنعثر سوادي (الذي عُرف بـ "كاظم" أو "باسم")، وعبد الله الركابي (أبو النضال)، وعقيل حبش (الفار من سجن الحلة)، ومحسن الخفاجي، ومحمد حسن السويعدي (وهو أحد الناجين من ثوار معسكر الرشيد السابقة)، بالإضافة إلى حسين ياسين وعبد الستار علي بدر وغيرهم.2 وصلوا مع عتادهم على ظهر شاحنة إلى ناحية (الدواية) التابعة لقضاء الشطرة، ومن هناك اضطروا للتجديف بالمشاحيف لست ساعات متواصلة للوصول إلى قاعدتهم، وهي عبارة عن كوخ مبني من القصب يتيه بين تلافيف كثيفة جداً من البردي.24 جُهزت القاعدة بتسليح بسيط شمل: مدفع رشاش من نوع (دكتريوف)، ورشاش (سترلنغ)، وبنادق صيد (كسرية)، ومسدسات (براونغ 9 ملم).24 هناك، ووسط هذا المشهد البدائي والأسطوري، أطلق خالد زكي مقولته التاريخية التي تلخص العقيدة العسكرية للانتفاضة: "من هنا علينا أن نضغط ليولد الحزب بقوة البنادق بعيداً عن انتهازية المدن... لابد أن تضيء النيران سماوات العراق المظلمة".24 انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة المسلحة فعلياً في 28 أيار/مايو 1968، حيث نفذت المجموعة هجمات خاطفة (عُرفت محلياً بـ "الزركات") على مخافر ومراكز الشرطة في القرى المحيطة بالأهوار.2 كان الهدف الأساسي من هذه العمليات هو الاستيلاء على الأسلحة وتوجيه رسالة استنهاض قوية للأهالي لإثبات قدرة الثوار على ضرب السلطة. وقد حرص زكي، بأخلاقياته الثورية العالية، على تجنب إراقة دماء أفراد الشرطة والدرك العاديين ما أمكن، موجهاً بوصلة العمليات نحو تجريدهم من السلاح وضرب رمزية السلطة وهيبتها، ما أدى إلى نجاحات أولية بثّت شعوراً بالأمل في نفوس الذين عانوا من القمع منذ عام 1963.6 أحدثت هذه الهجمات زلزالاً نفسياً وأمنياً، وزرعت الرعب في أوصال حكومة عبد الرحمن عارف الضعيفة أساساً، والتي أدركت خطورة تمدد فكرة الكفاح المسلح وتأثيرها المحتمل على استقرار النظام، خصوصاً وأنها تزامنت مع مخاوف دينية وسياسية من تمدد نفوذ مجموعة وُصفت زوراً بأنها "موالية للصين" في مناطق الفرات الأوسط والجنوب.17 إزاء هذا التهديد الوجودي، اتخذت السلطة قراراً فورياً بسحق البؤرة الثورية في مهدها وبأي ثمن، قبل أن تستقطب المزيد من الغاضبين والمضطهدين. لجأت الحكومة إلى استراتيجية الترهيب والعزل؛ فوجهت إنذارات شديدة اللهجة لشيوخ العشائر محذرة إياهم من عقاب شديد وتدمير لأساليب عيشهم إذا ما قدموا المساعدة أو الإيواء لـ "العصاة المخربين"، ونجحت السلطة بذلك في عزل الثوار تماماً عن حاضنتهم الشعبية التي أنهكها الخوف ورهبة الآلة العسكرية.24 معركة هور الغموكة: المواجهة غير المتكافئة والنهاية التراجيدية في مطلع شهر حزيران/يونيو 1968، وجدت مجموعة خالد أحمد زكي نفسها محاصرة تماماً في عمق أحراش هور الغموكة، معزولة عن أي إمدادات لوجستية أو بشرية، وسط انقطاع تام للتواصل مع القيادة المركزية في العاصمة بغداد التي كانت تعاني بدورها من ضربات أمنية استباقية.2 لقد برزت في تلك اللحظة القاتلة الفجوة العميقة والمأساوية بين النظرية المجردة (التي افترضت التحاق الجماهير التلقائي بمجرد سماع أزيز الرصاص) وبين الواقع المادي والسياسي المعقد. الجماهير التي كان يُعوَّل عليها لم تكن مهيأة نفسياً وتنظيمياً، وموازين القوى كانت مختلة بشكل كارثي يجعل من الصمود انتحاراً عسكرياً، وقد أدرك زكي ورفاقه المحاصرون أن الظروف الموضوعية لم تكن ناضجة ولا مواتية لإشعال ثورة مسلحة ناجحة.6 في 3 حزيران (أو 4 حزيران وفقاً لبعض المصادر والمذكرات)، شنت السلطات العراقية هجوماً عسكرياً واسع النطاق اجتثاثياً ضد المجموعة الصغيرة.2 ميزان القوى الاستراتيجي في معركة هور الغموكة (3 حزيران 1968) لتوضيح حجم التضحية واللامعقولية العسكرية في تلك المواجهة، نستعرض الجدول التالي: العنصر الاستراتيجي القوات الحكومية (نظام عبد الرحمن عارف) البؤرة الثورية (مجموعة القيادة المركزية) التعداد البشري قوة ضاربة تتألف من قرابة 1000 جندي وعنصر شرطة (جندرمة) 12 مقاتلاً ثورياً فقط التسليح الآلي والمدرع عشرات المدرعات والسيارات العسكرية (شفروليه زيتونية) أسلحة فردية خفيفة، مدفع رشاش (دكتريوف)، بنادق صيد (كسريات) القوة البرمائية والمائية دبابات برمائية معدة لاقتحام المستنقعات والأهوار زوارق خشبية خفيفة وبدائية (مشاحيف) الإسناد الجوي الاستراتيجي طائرات هليكوبتر عسكرية ضخمة (استخدمت لأول مرة ضد الثوار) لا يوجد (اعتماد كامل وبدائي على الغطاء النباتي للتمويه) الوضع اللوجستي والإمداد إمداد مفتوح ومستمر، خطوط اتصال، وإخلاء طبي مؤمنة عتاد وذخيرة محدودة جداً ونفدت سريعاً، انعدام الإمدادات، حصار مطبق
بدأت المعركة غير المتكافئة من الساعة العاشرة صباحاً واستمرت بضراوة وعنف حتى الساعة السابعة مساءً.10 ورغم عدم التكافؤ المطلق، أبدى خالد أحمد زكي ورفاقه بسالة أسطورية أذهلت القوة المهاجمة. استفاد الثوار من التضاريس المعقدة للأهوار وكثافة القصب والبردي، وتمكنوا من إعطاب عدد من الآليات والمدرعات الحكومية وإيقاع خسائر ملحوظة في صفوف القوات المهاجمة، ممرغين جبروت السلطة الغاشمة في الوحل.6 في لحظة فارقة ودراماتيكية من المعركة، ومع تدخل طائرات الهليكوبتر بكثافة لتمشيط المنطقة وقصف المواقع المخفية بالقنابل والنيران الكثيفة، تمكن الثوار بأسلحتهم البسيطة من إسقاط إحدى طائرات الهليكوبتر، مما أدى إلى مقتل طيارها ومساعده، وهو حدث أثار ذهول وذعر القيادة العسكرية الحكومية وأثبت القدرة التكتيكية العالية للمقاتلين.6 ولكن مع مرور الساعات، وتضييق الخناق، بدأ العتاد بالنفاذ تدريجياً من جعب المقاتلين، ولم يكن ثمة من يأتيهم ببديل. اشتدت النيران، وفي خضم الاشتباكات العنيفة وسط الماء والقصب، سقط القائد خالد أحمد زكي (ظافر) شهيداً في ساحة المعركة، مسطراً بدمائه نهاية التجربة الحالمة. كما استشهد إلى جانبه رفيقاه المقربان اللذان رفضا التراجع: محسن حواس (الذي عُرف حركياً بـ "طه" أو "شلش")، ومنعثر سوادي (الذي عُرف بـ "كاظم" أو "باسم").2 أصيب في المعركة ثلاثة آخرون من رفاقهم، وتمكنت القوات الحكومية بعد أن صمتت البنادق ونفدت الذخيرة من أسر خمسة من المناضلين.6 يصف أحد الشهود العيان مشهد الأسرى في نهايات عصر ذلك اليوم بأن القوات الحكومية استعرضت الأسرى في حوض سيارة "شفروليه" زيتونية اللون تابعة للشرطة، وجوههم مرفوعة وعيونهم تلتقي بعيون الأهالي المتجمهرين في مشهد يمزج بين الانكسار والكبرياء.27 قُدم الأسرى للمحاكمة وحُكم عليهم بالإعدام، إلا أن سخط الداخل وتصاعد حملات التضامن والضغط الخارجي حالت دون تنفيذ تلك الأحكام الجائرة بحقهم.6 انتهت معركة هور الغموكة بهزيمة عسكرية ساحقة للثوار، وأُخمدت الانتفاضة في أيامها الأولى، لتطوى بذلك صفحة واحدة من أجرأ المحاولات الثورية لتطبيق نظرية "الكفاح المسلح" والبؤرة الثورية في العراق الحديث.6 ومما يزيد من تراجيدية المشهد، أنه بعد بضعة أسابيع فقط من هذه المعركة، استغل حزب البعث حالة التململ السياسي، والانقسام، وضعف السلطة العارفية التي استنزفتها هذه الأحداث، ليقوم بانقلاب أبيض في 17 تموز/يوليو 1968 ويستولي على السلطة مجدداً، لتبدأ حقبة جديدة وأكثر دموية في تاريخ العراق.16 ورغم محاولات القيادة المركزية استئناف العمل المسلح عبر ما عُرف بـ "الجهاز الصدامي" بقيادة صالح رضا العسكري، وتنفيذ عمليات تفخيخ واغتيالات وهجمات في بغداد (شملت هجوماً على منزل صدام حسين نفسه)، إلا أن النظام البعثي تمكن بحلول أواخر عام 1969 من توجيه ضربات أمنية قاضية ومميتة للحزب، معتقلاً ومصفياً قياداته وكوادره في أقبية قصر النهاية، بمن فيهم السكرتير عزيز الحاج الذي أُجبر تحت التعذيب على الإدلاء باعترافات متلفزة، لتتلاشى تدريجياً قوة وتأثير القيادة المركزية كفاعل أساسي في المشهد السياسي العراقي.17 الإرث الثقافي والذاكرة السياسية: استدامة السردية وتجاوز الهزيمة العسكرية إذا كانت انتفاضة هور الغموكة قد مُنيت بالفشل الذريع والمأساوي على الصعيدين العسكري والتكتيكي، فإنها في المقابل حققت نجاحاً منقطع النظير وتأثيراً خالداً على صعيد إنتاج الرمزية الثورية وثقافة المقاومة. لقد تحول خالد أحمد زكي ومعركة الأهوار إلى أيقونة كبرى في الوجدان اليساري العراقي والعربي، وتكثفت حولها سرديات البطولة المطلقة والشهادة المأساوية، لتتحول من حدث سياسي عابر لا يحظى بالكاد بـ "هامش في كتب التاريخ المليئة بالأحداث" كما أشار المفكر طارق علي (Tariq Ali)، إلى أسطورة ملهمة استقطبت اهتمام الشعراء، والروائيين، والسينمائيين، والأكاديميين.1 التدوين الأدبي والشعري: مظفر النواب وسعدي يوسف كحراس للذاكرة كان الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، الذي يُعد من أبرز مؤيدي القيادة المركزية وفريق الكادر، الصوت الأكثر ارتباطاً بهذه التجربة وأعمق من وثقها وجدانياً. لم يكن النواب مجرد مراقب أو متعاطف من بعيد، بل كان ممولاً وداعماً فعلياً للعملية، ورفيقاً لمعظم قادتها الذين شاركوه محنة سجن الحلة وهروبه الكبير والشهير منه في عام 1967.8 بعد استشهاد خالد زكي ورفاقه، رثاهم النواب بقصائد شعبية وفصحى تحولت إلى أناشيد وطنية تتداولها الأجيال المتعاقبة. يستحضر النواب في شعره فضاء الأهوار بتفاصيله المائية، وتضاريسه القاسية، جاعلاً من هور الغموكة مسرحاً لملحمة أسطورية. كتب النواب بحرقة عن مشهد الأجساد الطاهرة المسجاة على بقايا البردي والقصب تحت سماء الهور، مناجياً إياهم بلهجته الجنوبية الموجعة: "وحگ الشط الأحمر... والليالي الغبرة... يگويعه... أموتن وانت حدر العين تتونسين... آفه يرجال طين عراگنه الطيبين... تنسون المراجل والمراجل بيكم أتسمت مراجل".28 كما ارتبطت قصيدته التحريضية الشهيرة "حجام البريس" (أو سعيدة) بأجواء تلك المعركة، حيث يجسد فيها الشاعر الفلاح البسيط الذي يتصدى للطغيان، والأخت (سعيدة) التي تقف بشموخ رغم حصار الآلاف من أفراد الشرطة (الحوشية) لها ولأخيها، هاتفاً بأسلوب التحريض والاستنهاض: "لا يا خوي لا يا زين... لا تمشيش راك الراك... ما يستوحش التفاك... يبن الحرة... لابد ما تفرخ الكاع... هذا عراك...".31 وفي لحظات الحزن العميق على رحيل رفاقه، يُنقل عن النواب أنه ردد والدموع تنهمر من مقلتيه مقولته الشهيرة: "عمت عين الوكت يگلبنه الجفوف".32 أما الشاعر سعدي يوسف، فقد وظف رمزية خالد أحمد زكي ورفيقه مظفر النواب في سياقات استدعاء الوطن الأول والنضال الخالد، والنهايات التراجيدية لجيل من الثوار. ففي إحدى قصائده، يخاطب سعدي رفيقه النواب مستذكراً تلك الليالي في الأهوار: "أمظَفّرُ النوّاب ماذا سوف نفعلُ، يا رفيقَ العُمْرِ؟... نحن نجلسُ في المساءِ الرّطبِ تحتَ سقيفة القصبِ... والظلامُ يجيءُ، مثل كلامنا، متمهِّلًا..."، واضعاً تلك الذكريات في مصاف الرموز المقدسة للمكان والهوية العراقية الممزقة.33 ولم يقتصر التأثير الوجداني على الشعر العراقي؛ بل امتد إلى الرواية العربية الكبرى، حيث خلد الروائي السوري البارز حيدر حيدر تجربة الأهوار وحركة الكفاح المسلح في رائعته الملحمية "وليمة لأعشاب البحر". اتخذت الرواية من انتفاضة الأهوار والكفاح المسلح في جنوب العراق والخليج خلفية أساسية لأحداثها، مصورة الصراع بين الحلم الثوري وقسوة الواقع، مما يؤكد الحضور العابر للحدود الجغرافية لهذه التجربة التراجيدية.10 التوثيق الأكاديمي والتحليل السياسي: من الدونكيشوتية إلى الكآبة اليسارية على الصعيد الأكاديمي والتحليلي عالمياً، سجل الكاتب والمنظر الماركسي البريطاني-الباكستاني طارق علي (Tariq Ali) في كتابه الهام "بوش في بابل: إعادة استعمار العراق" (Bush in Babylon) شهادة شخصية مؤثرة وتاريخية عن رفيقه خالد أحمد زكي، الذي عرفه عن كثب خلال سنوات دراسته ونشاطه في أوساط اليسار في لندن في الستينيات.5 يصف طارق علي خالد بأنه "القائد الدونكيشوتي لهذه المغامرة الفاشلة"، معتبراً إياه امتداداً لسلسلة الاستشهادات التي طبعت تاريخ اليسار العراقي وحولته إلى ما يشبه الطقوس الحسينية، أو ما أسماه بـ "مسرحيات الآلام" (Passion plays) التي تكرس التضحية والفداء الدموي كممارسة تطهرية.5 يرى طارق علي أن قصة زكي، رغم مأساويتها المروعة وتكلفتها العالية، تعكس الروح الأممية النبيلة لجيل من الشباب العربي الذي رفض الاستسلام لواقع الهزيمة والانكسار السياسي.5 من جهة أخرى، تناول الباحث والأكاديمي فيجاي براشاد (Vijay Prashad) هذه الحادثة بشكل نقدي في كتابه "الأمم الأغمق" (The Darker Nations)، واضعاً إياها ضمن سياق ماكروي أوسع لفشل التمردات الماوية والجيفارية التي تمردت على الخطوط المعتدلة والرسمية للأحزاب الشيوعية في دول العالم الثالث.1 ويخلص هؤلاء الباحثون إلى أن زكي وتنظيم القيادة المركزية تجاهلوا بدهية أساسية في الفكر الماركسي اللينيني، وهي أن "الثورات لا تُستورد ولا تُنسخ"، وأن اللحظة الثورية كانت قد تجاوزتهم زمنياً وموضوعياً، والظروف السوسيولوجية والسياسية لم تكن ناضجة لتبني استراتيجية جيفارا وتطبيقها ميكانيكياً في ريف العراق في ذلك الوقت تحديداً.4 ويشير الأكاديمي فيليب وينكلر (Philipp Winkler) في فصله "جيفارا الشرق الأوسط" ضمن كتاب "اليسار العربي" (The Arab Lefts) إلى التحول العميق في دلالات إحياء ذكرى خالد أحمد زكي عبر الزمن. فبينما كان استحضار ذاكرته في البداية قوة تعبوية وتحريضية لرفاقه ودافعاً للاستمرار في النضال، تحول هذا الاستحضار بمرور الزمن وتوالي الانكسارات إلى نوع من "الكآبة اليسارية" والميلانخوليا الحزينة على جيل أحرق نفسه من أجل يوتوبيا لم تتحقق.1 أما على الصعيد السينمائي والتوثيقي البصري، فقد أُنتجت أعمال فنية لتخليد هذه الذكرى واستعادة الحدث من براثن النسيان، من بينها الفيلم الوثائقي الهام "جيفارا العراق" للمخرج طالب السيد، والذي أُنتج عام 2017.42 تضمن الفيلم جهداً استقصائياً كبيراً وبحثاً في الذاكرة الحية، شمل مقابلة شهود عيان، وزيارة موقع المعركة الأخير في "نهر جويميسة" جنوبي ناحية سيد دخيل بمحافظة ذي قار.42 وكان الإنجاز التوثيقي الأبرز للفيلم هو التمكن من الحصول على شهادة حصرية للضابط العراقي الذي قاد الهجوم العسكري الحكومي ضد الكتيبة قبل خمسين عاماً، مما أماط اللثام عن حقائق تكتيكية وعسكرية دقيقة لم تكن معروفة من قبل حول سير المعركة وكثافة النيران المتبادلة، وساهم في دعوة كتاب السيرة والمؤرخين لإعادة النظر في الكثير من الأحداث المتعلقة بانتفاضة هور الغموكة.42 جدول توثيقي: تمثلات خالد أحمد زكي وانتفاضة الأهوار في الثقافة والسياسة نوع التوثيق العمل / المبدع الدلالة والإرث الرمزي الشعر والقصيدة الشعبية مظفر النواب (حجام البريس، قصائد الرثاء) تحويل الحدث المأساوي إلى أسطورة تحريضية ومرثية خالدة في الوجدان العراقي. الشعر الحديث سعدي يوسف استدعاء الأهوار ورموزها كملاذ أخير للحنين ومحاولة لاستعادة الوطن المفقود. الرواية والأدب الملحمي حيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر) توظيف تجربة الأهوار في نقد شامل لواقع اليسار العربي وتراجيديا التحرر الوطني. التحليل السياسي الأكاديمي طارق علي (Bush in Babylon)، فيجاي براشاد (The Darker Nations) تأطير الحدث عالمياً ضمن ظاهرة صعود وأفول المد الماوي والجيفاري، ونقد المثالية الثورية. التوثيق السينمائي طالب السيد (فيلم: جيفارا العراق - 2017) توثيق الحدث العسكري بشهادات الخصوم (الضابط المهاجم) والميدان (نهر جويميسة).
الاستنتاجات والدلالات التاريخية العميقة للتجربة بناءً على هذا الاستعراض والتحليل الشامل لمسيرة خالد أحمد زكي وتجربة انتفاضة هور الغموكة في عام 1968، يمكن استخلاص مجموعة من الرؤى والنتائج العميقة التي تتجاوز السرد التاريخي المجرد وتقدم فهماً أوسع لديناميات اليسار العربي والعالمي: أولاً، المأزق البنيوي لاستيراد النماذج الثورية: كشفت تجربة الأهوار بوضوح عن الخلل المنهجي في تطبيق نظريات ثورية وافدة (كنظرية البؤرة الكوبية أو مبادئ حرب الشعب الماوية) بشكل ميكانيكي في بيئات سوسيو-سياسية مختلفة تماماً. لقد كان الاعتماد المطلق على العامل الجغرافي (صعوبة التضاريس المائية) وإغفال العامل السيكولوجي والتنظيمي للجماهير التي أُنهكت بفعل القمع وتم تحييدها سياسياً، سبباً مباشراً في العزلة القاتلة التي انتهت إليها المجموعة المقاتلة. إن الشجاعة الفردية والبطولة الاستثنائية التي أظهرها زكي ورفاقه لم تكن بأي حال كافية لتعويض النقص الفادح في موازين القوى وانعدام الغطاء الجماهيري واللوجستي الفوري الذي تفترضه النظرية. ثانياً، القطيعة الجيلية والبحث عن الطهرانية داخل الحركة الشيوعية: جسد صعود "فريق الكادر" والقيادة المركزية حالة من الاحتقان والتمرد الجيلي والأيديولوجي الصارخ ضد "الستالينية البيروقراطية" الممثلة باللجنة المركزية للحزب الشيوعي آنذاك. لقد كان لتبني خط التعايش السلمي والمساومة مع أنظمة أثبتت دمويتها مراراً (كحكومات عارف وبعدها البعث) أثر بالغ في دفع الكوادر الراديكالية الشابة للبحث عن الخلاص الفردي والجماعي عبر فوهات البنادق، كنوع من التطهير الذاتي واستعادة "الطهرانية الثورية" التي رأوا أن الحزب قد فقدها. ثالثاً، الأممية الراديكالية كأداة للربط بين المحلي والعالمي: يمثل خالد أحمد زكي نموذجاً فريداً ونادراً للمثقف العضوي العابر للحدود والقارات. إن انتقاله السلس والسريع من التنظير الأكاديمي، والنشاط السياسي المترف في صالونات لندن ومكاتب مؤسسة برتراند راسل دفاعاً عن فيتنام والكونغو، إلى الغوص في طين أحراش أهوار العراق حاملاً بندقية صيد يواجه بها طائرات الهليكوبتر، يعكس التزاماً أيديولوجياً استثنائياً. لقد دمج زكي بشكل عملي بين هموم التحرر العالمي (مقارعة الإمبريالية الغربية) وبين قضايا التحرر المحلي (مواجهة الاستبداد والإقطاع الداخلي)، مؤمناً بوحدة المعركة الإنسانية وأن الدم في الكونغو هو ذاته الدم في الأهوار. رابعاً، انتصار السردية الرمزية على الهزيمة العسكرية المادية: على الرغم من إجهاض الحركة عسكرياً في أيام معدودة وبخسائر فادحة، إلا أن "جيفارا العراق" حقق انتصاراً غير قابل للمحو في معركة الذاكرة. لقد تحولت هزيمة هور الغموكة بفضل تضحيات خالد أحمد زكي ورفاقه، وبفضل العبقرية الشعرية لمظفر النواب والاهتمام الأدبي اللاحق، إلى مرثية ملحمية حية تغذي مخيلة قوى اليسار وحركات الرفض في العالم العربي. لقد وفرت هذه التجربة للوجدان السياسي العراقي، المثقل بالهزائم والانكسارات والتنازلات السياسية الانتهازية، رمزية نقية وصافية، مكرسة مبدأ "التضحية المجردة" والمبدئية العالية كقيمة عليا في ذاتها. ختاماً، تبقى سيرة خالد أحمد زكي وحادثة "انتفاضة الغموكة" شاهداً تاريخياً مكثفاً ومؤلماً على حقبة متلاطمة من تاريخ الشرق الأوسط والعالم؛ حقبة حلمت فيها نخبة متعلمة ومثقفة من الشباب بامتلاك زمام التاريخ وتغيير العالم، فواجهت قسوة الواقع بصدور عارية وإيمان مطلق. ورغم انطفاء تلك البؤرة المشتعلة سريعاً وتخضب مياه الأهوار بدمائهم، إلا أن وهج تلك التجربة ظل، ولا يزال، يضيء مساحات واسعة من ذاكرة النضال الثوري والبحث الإنساني الدائم عن العدالة.
#امير_وائل_المرعب (هاشتاغ)
Amir_Wael_Abdulamir_Murib#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدائرة الكهربائية الكونية
-
مقالة نقدية عن وائل المرعب الحرف واللون
-
عباءة الدين وسوط السلطة: حين يصبح الله -أداة- للوجاهة والنفو
...
-
حينما تتحدث الخلايا بلغة الأرقام: لماذا نحتاج إلى ثورة رياضي
...
-
-الروح- كمعادلة رياضية: حين يصبح الترتيب هو جوهر الحياة
-
علاقة الدين بالسياسة
-
فلسفة نيتشه وظلال الرايخ الثالث: جدلية الإنسان الأعلى، التزو
...
-
انشتاين فيلسوف وليس عالم رياضيات
-
ميتافيزيقا الجمع: من البوابات المنطقية إلى مفارقات اللانهاية
...
-
علاقة حقيقة الوحي باثار الهلال الخصيب العراق والشام
-
الحتمية البايوكيميائية لانفلاق التناظر الفائق العظيم
-
مناشدة انقذوا السودان الحبيب
-
التجريد السير وراء ظل الاشياء ( مقال مشترك)
-
التجاوريات وسرعة الهدم
-
ميزان العدالة في كونٍ تحكمه الفوضى
-
وهم الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة
-
الشروك واعادة رسم المشهد السياسي العراقي بعد 2003
-
هل كانت توجد امة عربية حقا
-
سؤال الوجود دالة ام علاقة؟
-
انتخابات العراق
المزيد.....
-
Jon Stewart versus the Resistance
-
من هو المتحدَّى في تعيين المجتبى؟
-
العدد 644 من جريدة النهج الديمقراطي
-
محتويات العدد 645 من جريدة النهج الديمقراطي
-
كلمة الميدان: في مواجهة الوحش الإمبريالي الصهيوني
-
الشيوعي العراقي يحذر من تداعيات التصعيد العسكري ويدعو إلى تح
...
-
الطبقات الشعبية تكتوي بنيران اعتماد النظام على الغاز الصهيون
...
-
فرانسوا بورغا: 3 جهات تُشيطن المسلمين واليمين المتطرف يدعم إ
...
-
السياسة الخارجية بين فقيهين: الكتاني وابن كيران
-
Surviving a Pan-Crisis
المزيد.....
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
-
الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى
...
/ حسان عاكف
المزيد.....
|