أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - الأشياء الصغيرة















المزيد.....

الأشياء الصغيرة


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


ثقوب المرايا
الثقب العاشر
تكونات الأشياء التافهة


إجتياز العتبة، ووجد نفسه في الشارع المزدحم. مشهدٌ عاديُّ على نحوٍ يستفز الغرابة. قطعان من البشر يمشون ويتحركون ويهمسون ويتصايحون ويتصافحون ويضحكون دون مبرر .. كان بدوره يتحرك بين هؤلاء البشر بخطوات خجولة متعثرة، خطوات شخصٍ يختبر العالم كقانونٍ جديد، هل العالم مستمرٌ ومتماسك كمادة وإمتداد أم أنه مجموع توهّماتٍ يتم فيها تكوينن وإلغاءنا كما في الأحلام؟ كل شيء يبدو طبيعيًا جدًا في الشارع، لكنه كان يشتبه في وجود خطأً ما في القياس، العالم هنا يُعاد خياطته باستمرار على ما يبدو، وبالضرورة وجود أخطاءٍ صغيرة تُربك المستقيمات وتجعل نون يركز على كل ما لاأهمية له في الظاهر. وصل أخيرا إلى العنوان الذي ينشده، كان مكتوبا على قصاصة من الورق يلعب بها بين أصابعه، وقبل الدخول، عند البوابة طلبوا منه بطاقة إثبات وورقة الإستدعاء أو الموعد. كان قد تعود على هذه العملية البيروقراطية منذ سنوات عديدة، في كل مرة يُطلب منه أن يجيب على سلسلة تساؤلاتٍ عن نفسه لم يدرك الهدف منها أو مدى فائدتها، تتعلق بالسن ومكان وتاريخ الميلاد، والطول والوزن التقريبي وما يعاني من الأمراض والأدوية التي يتناولها .. أسئلة صغيرة وبشعة في بساطتها. كان واضحًا أن أجهزة هذا العالم تقيس البشر وتقيّم معنى الوجود بمعاييرٍ لا علاقة لها بإهتمامات السيد نون.
حين أنهى الاستمارة، لاحظ أن القلم الذي استعمله لملء البيانات لا يكتب إلاجزء من الحروف. كانت بعض الحروف تترك فراغًات كأنها عبارات مبتورة. أودراديك بجانبه أدرك الأمر، أقترب من الإستمارة، وحرك بخيوطه صفحة من دفتره، كمن يطهِر مدادًا متكلّفًا. ثم همس: «هنا لا يكفيك الاعتراف والإدلال بالمعلومات؛ يجب أن تُحوّل الاعتراف إلى فعلٍ ثابت». ما يعني أن اقرارَ نون بمشاريعه السابقة أو الحالية لا يضيف شيئًا إلى ملفه إن لم يُترجم لشيء آخر، عمل ما، ولو بطريقة غامضة.
أُدخِل إلى غرفة الانتظار، وهو مكان يبعث الرعب في قلوب كل من ينتظر. غرفة ضيقة ينقصها الضوء والهواء، وجدرانها تتحرك بهدوء مريب كأنها تتنفس، وتبعث على الإحساس بالإختناق. الغرفة الصغيرة كانت مكتظة ببشر مثله يرتدون وجوهاً كأنها نسخٌ من مستنداتٍ بلا أختام لم يصدق عليها بعد. قلق ضئيل يمرق من بين أهداب العيون النصف مغلقة، تنهدات عميقة، وعيون تائهة في الفراغ تبحث عن نقطة إرتكاز. لا شيء عاجل، كل شيء قابل للمراجعة للأبد. نون جلس بين المراجعين، يستمع لهمسات المنتظرين، كلمات وجمل قصيرة تتردد ثم تتلاشى: شخص يذكر اسمه، عنوانه، سبب المراجعة، آخر يتلو قصة حادث، امرأة تُقر بأنها نسيت إسم المستشفى الذي تركت فيه زوجها. كلُّ الشهاداتٍ تبدو مقنعة وصادقة، لكن يسري فيها طعمُ عدم الاكتمال؛ شيئًا ما يُترجم في الهواء إلى رائحة ضياع.
أتى دوره. دُعي إلى ما يشبه غرفة مقابلات، مكتبٌ صغير أنيق مضاء، وأوراق وشاشات إلكترونية تبث أزيزا متواصلا في خلايا الدماغ، وموظفٌ بوجه يشبه القناع بتقاطيع مبهمة يلعب بأصابعة على الكيبورد بسرعة مدهشة. مد الموظف يده طالبا شيئا ما من نون دون أن ينظر إليه، وعندما لم يتحرك نون، طالعه الموظف بحيادٍ قابلٍ للبرودة وقال: «أين أوراقك؟ نحن نريد أن نعرف إن كنت أنت هو أنت؟». سؤالٌ بسيط يضرب في عمق ما هو إنساني. هل يكفي أن يقول المرء من هو ليكون هو؟ أم أنّ هذا القول ذاته متوقفٌ على نوع من الأفعال التي لا تُرى سوى بنظرة زمنية طويلة؟ وأقر نون في داخل نفسه بأنه في الحقيقة لا يعرف إن كان هو هو أو أنه شخص آخر.
طرح موظف آخر سلسلة من الأسئلة الجديدة المتكررة، أسئلة تُركّز على فعلٍ أو امتناع - لكنها تتغاضى عمّا لو أن الشخص لم يجد فرصة للفعل. نون أُصيبَ بالخوف الحقيقي، إن كان القبول يُقاس بتراكم الأفعال المعلومة، فربما عاد ليسائل ليس على ما فعل بل على ما لم يفعل.
أودراديك، شريك الهوامش والصفحات المنسية، لم يتركه وحيدًا، تحرك بجانبه، ونفث خيطًا أخذ يكتب بأحرفٍ ضئيلة في هامش الإستمارةٍ. شواهدٍ وأحداث صغيرة، ذكريات بعيدة عن لحظاتٍ أهدرتها الحياة في انتظار أمرٍ آخر، أفعال ومشاريع لم تتحقق، محادثات لم تُجرَ ولقاءات ضاعت في الطريق وفي صالات الإنتظار. الخيط كان يكتب بأنفاسِ نون على وتيرة الشهيق والزفير، الوعي هنا هو ظلّ الكلمة بدلًا من الاكتمال الصريح.
الموظف رمقه بنظرةٍ باردة، وقال: «نحن نجمع الشهادات والتفاصيل ولكننا لا نصنع القرار. إن لم يكن هناك ضرورة لوجودك في هذه الدورة، فعيك التسجيل في دورةٍ جديدة». دورة؟ دورة؟ دورة، تكرارٌ أم عود أبدي؟ قال نون بصوتٍ بدا في الهواء كصوت الملاءات البيضاء تلعب بها الريح على حبل الغسيل: «أيمكن أن يُقاس القبول بالمحاولات؟» الموظف لم يبتسم: «لا تصالحَ هنا بين النية والنتيجة. النية أمر يخصك والنتيجة تخصنا. النية لا تُرى، والنتيجة تُقاس».
عاد نون إلى الخارج بعد المقابلة، أتكأ على الحائط ليتنفس ويتأمل. العالم لم يكن قد تغيّر، الشارع مازال كما هو؛ إنما تغيرت نظرته فيما يبدو. يرى العالم الآن كمعمل للفيزياء تختبر فيه الأفعال الصغيرة التافهة، كلمة أو قولٌ يسمع، قبضةُ يدٍ مُمتدة لتصافح يد أخرى، وقتٌ أعطي بلا حساب لسماع ما يقوله الآخر، ركلة علبة كوكاكولا أو قنينة مياه بلاستيكية في الشارع وما شابه من الحوادث العرضية النانوية.
في نهاية اليوم، جلس نون على حافة الرصيفٍ، وبدأ يفكر، ويفكر فيما سيكتبه في كراسته، كان يبحث عن جملة واحدة، بسيطة ليست خيالية ولا تقليدية، جملة تدل على قرار وليس عن فكرة. وبطريقة سحرية، كتب بكل بساطة «غدا سأزور المستشفى». رغم أنه لم يحدد المستشفى الذي يرغب في زيارته ولا يعرف الأسباب التي تدعوه لمثل هذه الزيارة، ولكن هذه الجملة المكتوبة لم تكن وعدًا مجردًا، بل فعلًا يبدأ كتحويل للاعتراف. أودراديك أصدر صوتا خشنا، وكأنّه يُقَرّ بأول شهادةِ لبداية تطور النية إلى فعل.
نون أصبح الأن واقفًا أمام بوابة ضخمة لا ترى إلا لمن له الحق ويمتلك تصريح العبور. إنه الآن رجلٌ عائد ليجد أن العالم يطلب منه أن يكتب نفسه بتجارب صغيرة، لا ببياناتٍ كبيرة أو تصريحات ضخمة. كان القلق جزءًا منه، لكنه الآن قلقٌ مُنظّم، سؤالٌ مُتروٍّ حول عبثية العالم وما إذا كان لهذا العبث قانونٌ يمكن تعلمه أو مقاومته أو تدجينه.



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فشل التمرد
- ثورة ديسمبر
- الإعداد لتمرد ديسمبر
- الرؤيا
- الكتابة
- الموجيك والثورة العدمية
- رقصة الموت
- بوغاتشيف وتمرد القوزاق
- قلعة بطرس وبول المرعبة
- عيون اوفيليا
- مقاطع
- ثمن العودة
- الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
- كل عام وأنتم بخير
- مزايا الجيوش وصناعة الحرب
- الصفحة البيضاء
- حوار مع سعود سالم
- الثقب السادس
- الثقب الخامس.. اليقظة
- الثقب الرابع


المزيد.....




- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - الأشياء الصغيرة