سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 14:03
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
300 - أركيولوجيا العدم
العدمية الثورية
48 ـ ثورة الموجيك
إن النظام القيصري المتماسك والذي تمكن من الإستمرار لسنوات عديدة، كان سلاحه الوحيد وسر إستمرار حياته الطويلة، هو الحكم المطلق والإستبداد والعنف والجهل المفروض على غالبية الشعب، مما ضمن إستمراره وثبات ركائزه، بحيث لم يهدد وجوده أي نوع من الثورات الجدية والمتينة ولو لمرة واحدة طوال فترة وجوده حتى بداية القرن العشرين. وهذا ليس لغياب الفكر أو النشاط الثوري في روسيا، بل بالعكس، طوال القرن التاسع عشر، وقبل ذلك، لم تتوقف المحاولات الثورية، فلاحية، طلابية، برجوازية، عسكرية أو من ضباط الجيش النبلاء أنفسهم، غير أنه في كل مرة، كانت هذه المحاولات تسحق كما تسحق الحشرة أو الذبابة بقوة النظام البوليسي والجيش القيصري. فالمجتمع الروسي يعتبر من أكثر المجتمعات التي تمتلك قوة تمردية وحس إجتماعي تشاركي ورغبة في الحرية، وهو ما غاب عن عقلية ماركس البرجوازية والتي تحتقر الفلاحين وطبقة الموجيك، الذين في روسيا كانوا قلب الثورة الإجتماعية قبل أن يمسخها لينين ومن معه. ففكرة "السوفييت" نفسها من إبداع الطبقة الفلاحية الروسية، تعود إلى ماقبل القرن الثامن عشر، وليست من إبتداع البولشفيك، الذين حرفوا هذه الفكرة وقضوا عليها بفكرة الطليعة العمالية التي ستقود الثورة. وقد اقترح لينين إقامة منظمات مستقلة للعمال الزراعيين، فكانت سياسته بخصوص المسألة الزراعية محكومة بعاملين أساسيين: أن الطبقة العاملة يجب أن تقود الفلاحين، وأن العمال يجب أن يكونوا مستقلين تنظيميا عن الفلاحين. فالبروليتاريا في دعمها للفلاحين الثائرين يجب ألا تغفل لحظة عن استقلالها الطبقي وأهدافها الطبقية الخاصة. إن حركة الفلاحين هي حركة طبقة أخرى… إنها ليست صراعا ضد دعائم النظام الرأسمالي. “نحن نقف إلى جانب الحركة الفلاحية إلى النهاية ولكن يجب أن نتذكر أنها حركة طبقة أخرى غير تلك التي تستطيع القيام بثورة اشتراكية”. وقد أعلن لينين ضرورة مصارحة الفلاحين الفقراء، بأن الزراعة القائمة على الملكيات والحيازات الصغيرة في ظل الرأسمالية لن تنتج سوى البؤس لهم ولأولادهم وأن هناك ضرورة لتجميع الأرض وتحويل أراضي كبار الملاك إلى مزارع نموذجية تديرها سوفييتات العمال الزراعيين بالاستعانة بالتكنولوجيا والخبراء الزراعيين. ولكنه كان على دراية تامة بأن ذلك لا يمكن تحقيقه بصورة فوقية وأنه يجب أن يكون باقتناع الفلاحين أنفسهم بفوائد الإنتاج الكبير في ظل الاشتراكية، غير أن ذلك لم يتحقق للأسف الشديد، لعدم ثقة النظام التسلطي اللينيني بالطبقة الفلاحية وبالموجيك. الفلاح الروسي والمجتمع الزراعي عموما كان هو الطاقة الثورية الحقيقية في المجتمع الروسي، والذي لم يتوقف عن التمرد والثورة طوال فترة النظام القيصري حتى بداية الحكم البلشفي والذي تمكن من القضاء على هذه الحيوية وإفراغ هذه الطاقة الثورية من محتواها الإجتماعي.
المؤرخ أليكساندر سكيردا Alexandre Skirda، في كتابه عن الأناركيين الروس Les Anarchistes russes, les soviets et la révolution russe de 1917, Paris, Spartacus, 2016 (édition originale en 2000)، يقول بأنه تحت حكم نيكولا الأول، من سنة 1826 إلى سنة 1854 قام الفلاحون بـ 556 تمرد ضد السلطة، انتهى بعضها بمجازر دموية، حيث قامت السلطة القيصرية بإستعمال الوسائل العسكرية وضرب المتمردين بالرصاص وأحيانا قصفهم بالمدافع. ومن سنة 1855 إلى 1861 كان هناك 474 حالة تمرد فلاحية، وفي سنة 1867 وحدها كان هناك 338 تمرد في اكثر من 793 قرية، كلها قضي عليها بالعنف وبقوة السلاح. روح الثورة والتمرد كانت روح الشعب الروسي، وقد تكررت هذه الثورات طوال القرن السادس والسايع عشر، فحتى قبل بوغاتشيف، المذكور سابقا، كان هناك العديد من الأسماء التي بقيت في الذاكرة الشعبية مثل ستينكا رازين على سبيل المثال، وقد استمرت حتى أثناء الثورة الروسية ذاتها مع القوزاقي الأناركي نسطور ماكنو، والذي سنذكره بالتفصيل حقا.
ستيبان تيموفييفيتش رازين (1630 -1671)، المعروف باسم ستينكا رازين، هو قائد قوزاقي بدوره قاد انتفاضة كبيرة ضد النبلاء والبيروقراطية القيصرية في جنوب روسيا في 1670-1671 سرعان ما قضي عليها وأوقف تقدمها بقوة الجيش. بعد أن هُزم المتمرّدون في المعارك النظامية، لجؤوا إلى حرب العصابات التي استمرت طوال عام 1671، وأسفرت عن مجازر حقيقية بحق السكان. فإزاء اغتيالات البويار النبلاء، ردّت القوات النظامية بعمليات إعدام جماعية بحق المتمرّدين. وقد حفظت الذاكرة الشعبية، علاوة على ذلك، الأعمال البطولية لبعض قادتهم، مثل الفلاحة الشابة من أرزاماس، أنيوشا. وأخيرًا، في 14أبريل 1671، أُلقي القبض على رازِين على يد القوزاق في حصنه بكاغالنيتسكي على نهر الدون، ونُقل إلى موسكو حيث عُذِّب وأُعدم في 6 يونيو 1671.
إن انتفاضة ستينكا رازِين تعبّر عن ردّ الفعل العفوي لسكان منطقة الفولغا إزاء سياسة السلطة المركزية التي انتهجتها الحكومة وتعسّف موظفي القيصر. فالحركة، على الأقل في بداياتها، لم تكن موجّهة ضد القيصر، بل ضد البويار النبلاء ملاك الأراضي؛ وكانت انتفاضة معادية للإدارة ومعادية للنبلاء، دعمتها جموع من الفلاحين الأقنان الفارّين من أوضاعهم، وكذلك الشعوب غير الروسية في منطقتي الدون والفولغا.
وفي بداية القرن التاسع عشر، حيث كان المجتمع الروسي تعصف به رياح التغيير وتتقاذفة تيارات فكرية وسياسية جديدة، دخل مفهوم "العدمية" إلى الساحة الفكرية الروسية، وتجاوز الحدود والبوابات، وذلك بواسطة كتابات هيجل وفويرباخ بالذات، والتي كانت منتشرة بين ما يمكن إعتباره بالطبقة المستنيرة والمتعلمة من النبلاء ومن أبناء الطبقة المتوسطة البرجوازية الصاعدة وبين الضباط والجنود الذين يشكلون جزءا كبيرا من الشباب الروسي. دخل هذا المفهوم محملا بمعان جديدة وأخذ وجها إجتماعيا وسياسيا لم يكن معروفا قبل إحتكاكه بالثقافة الروسية. وربما، يمكن القول بأن مفهوم العدمية قد أخذ وجهه الحقيقي وتحولت الفكرة إلى دافع متألق ومضيء وإلى هدف ناري متوهج، رغم أن الذين استعملوا هذا المفهوم الجديد، لوصف جيل كامل من الثوريين والمتمردين، كان هدفهم الأول هو تحطيم هذا التمرد وبث الشكوك حول شرعية الثورة وإستحالتها، وتبخيس أعمالهم وإتهامهم بالسقوط في الجريمة والعنف والإغتيال والمؤامرة والعمالة للعدو وما إلى ذلك من التهم المعروفة والتي مايزال إستهلاكها قائما حتى اليوم في المجتمعات التي تديرها أنظمة شمولية وسلطوية. أي وصفهم بالإرهابيين. العدمية أتخذت منذ البداية، في الخطاب الرسمي الإعلامي، طابعا عدائيا وسلبيا، في أوروبا كانت مرادفا للكفر والسبينوزية، في روسيا أصبحت مرادفا للإرهاب والعنف المسلح. وهذا الإتهام يرتبط عادة بالرعب الذي يجتاح المجتمعات الآفلة من السقوط في الهاوية، فتخترع أعداء وهميين بدل أعدائها الحقيقيين، وترفض وجودهم أو إمكانية الحوار معهم ويخرجونهم نهائيا من سجل الإنسانية. روسيا منذ هذا الوقت وهي تعاني من هذا الداء المزدوج، العبودية والحكم المطلق والرقابة، الذي يفجر مجتمعها والذي ينخر بنيتها الفكرية والسياسية. كما سبق القول، هو داء روسي أصلي من ميراث الدولة البيزنطية، بالإضافة إلى عوامل أخرى تزيد الأمر سوءًا، مثل جهل الطبقة المثقفة بالمحتوى الثوري الرافض للتسلط لطبقة الفلاحين "الموجيك"، وتصلب الحكومة، وسلبية طبقة النبلاء وتشبثهم بإمتيازاتهم الرخيصة، وعدم قدرتهم على المساهمة في تقبل أو فرض ولو أقل ما يمكن من الإصلاحات. غير أن الأمر لا يمكن أن يستمر إلى الأبد بنفس الوتيرة، فرياح التغيير قادمة لا محالة والعاصفة لا سبيل للتحكم فيها بطريقة منهجية. مع الحروب الأوروبية ورغبة روسيا في أن تلعب دورًا أكبر في أوروبا، والتي قادها القيصر ألكسندر الأول من سنة 1801 إلى 1825، حدث ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الحروب، أي الاحتكاك بالآخر، والاطلاع على ثقافات مغايرة، وطرق حياة مختلفة. الشباب الروسي، الذي كان يشكل الجيش من ضباط وجنود، كان لا بد لهم أن يطلعوا ويروا ويسمعوا ما يحدث في البلدان الأوروبية الأخرى. لا بد لهم من أن يسمعوا كلمات مثل الحرية والدستور والانتخابات والديمقراطية والثورة، إلى آخر هذه الكلمات التي كانوا يسمعون بها دون أن يعرفوا ما تعني بالتأكيد في المجتمع الروسي التقليدي. وكان لابد أيضا أن يدركوا وجود طبقة جديدة صاعدة هي البرجوازية الصناعية والتجارية، التي بدأت تحتل تدريجيا وببطء مكان طبقة النبلاء التي فاتها القطار، ولا بد لها من أن تترك مكانها لطبقة جديدة لها نظرة مختلفة لكيفية الدفاع عن مصالحها. وهكذا ساهمت هذه الحروب القيصرية ضد نابليون في تنمية الرغبة في التغيير في قلوب الضباط الذين ساهموا وشاركوا في هذه الحروب. ذلك أنه من المستحيل أن تمر هذه التجربة دون أن تترك آثارها، ودون أن تولد في خيالهم الأمل بأن تكون بلادهم أيضاً مركزاً أوروبياً وعالمياً متقدمًا ومتحررًا، وأن يتخلص إخوانهم الروس من العبودية والفقر والقهر السياسي والإجتماعي. وهكذا، بعد رجوع هؤلاء الضباط إلى روسيا، بدأوا في تشكيل حلقات وتجمعات ومنظمات سرية لمناقشة الأوضاع السياسية والاجتماعية وإيجاد طريقة لتغيير نظام السلطة بإعتباره الحل الوحيد الممكن لكل المشاكل السياسية والإقتصادية. وكانت "السرية" ضرورة يفرضها الوضع القمعي والرقابة المشددة الذي تعاني منه روسيا، وعدم رغبة الحكومة القيصرية في السماح لأي شعاع من النور أن يدخل هذه البلاد. وكان من الطبيعي أيضًا أن يكون أغلب هؤلاء "المتآمرين" من طبقة النبلاء ذاتها، لأن الطبقة البرجوازية لم تتكون بعد تكوّنًا كاملًا أو بطريقة واضحة، نتيحة التعليم الذي كان مقصورًا على الطبقة الغنية من النبلاء، كما سبق القول.
يتبع
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟