سالم روضان الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 00:16
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
ان موضوع الكتلة النيابية الأكثر عددا من المواضيع الموسمية، حيث يطفو هذا الامر عند تشكيل الحكومة في بداية كل دورة الانتخابية، وتكون مادة للجدل والنقاش بين المختصين وغير المختصين، اما في سائر الأيام فإنها تقتصر على البحث العلمي من المختصين وطلبة الدراسات العليا وغيرهم من ارباب المهن الحقوقية،
وقبل أيام أعاد القاضي الأستاذ فائق زيدان المحترم الموضوع الى الواجهة من خلال موضوع عبر بموجبه عن رأيه تجاه المادة (76/اولاً) من الدستور التي تتضمن موضوع الكتلة النيابية الأكثر عددا ونشرته صحيفة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن بعنوان (خطيئة التفسير الخاطئ للدستور)
وأوضح رأيه الذي صاغه بالعنوان أعلاه حيث وجه وصفاً قد يكون قاسيا الى القرار التفسيري الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العدد 25/اتحادية/2010 في 25/3/2010 عندما نعته بالخطيئة، وهذا الوصف يتعدى مفهوم الخطأ الى ابعد من ذلك وهو واضح لذوي الالباب، لكن الحسنة التي وردت فيه انه أعاد الموضوع الى طاولة النقاش، وفعلاً اخذ حظه في التداول حتى انه طغى على الخرق الدستورية تجاه اختيار رئيس الجمهورية، وانشغل الجميع بموضوع الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وانزوى موضوع تجاوز المدد الدستورية، مع ان القاضي الأستاذ فائق زيدان كان قد حدد المدد الدستورية ووجوب الالتزام بها وشخص الفراغ الدستوري تجاه الأثر المترتب على تجاوز تلك المدد،
لكن مع ذلك فان مجلس النواب قد تجاوز تلك المدد ولم يراعيها او يراعي ما ذكره رئيس مجلس القضاء الاعلى، واثار ذلك الموقف غضب الشعب، الا ان مجلس النواب استمر في تجاهل تلك الملاحظات القانونية والدستورية والموقف الشعبي الغاضب، والجدل مستمر، حتى اثار السيد رئيس المجلس موضوع الكتلة النيابية الأكثر عدداً، فانشغل الجميع بها وتناسى الخرق الدستورية،
وتضمن الرأي المنشور في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، نقداً الى المحكمة الاتحادية العليا لتبنيها التفسير الذي صاغته في قرارها الملمع عنه، حيث يرى القاضي الأستاذ فائق بان (هذا التفسير شابه عدد من المثالب الدستورية، من أبرزها مخالفة ظاهر النص، حيث إن النص جاء بصيغة واضحة من دون الإشارة إلى تحالفات لاحقة، ما يفيد - وفق القراءة الحرفية - أن المقصود هو الكتلة الفائزة فعلياً في الانتخابات،)
وفي معرض الطرح الذي اقدمه لن اعود الى مدى صحة القرار التفسيري، لأنه قرار قضائي ملزم للكافة بموجب المادة (94) من الدستور، ولن ابين قناعتي في صحة التفسير، لان سبق وان عرضتها في اكثر من مناسبة وفي الكتب التي صدرت لي ذات الصلة بالقضاء الدستوري ومنها (كتاب حجية احكام المحكمة الاتحادية العليا واثرها الملزم وكتاب عدم دستورية القوانين بين الانحراف التشريعي والمخالفة الدستورية وكتاب دراسات في القضاء الدستوري العراقي) فضلاً عن الدراسات التي نشرتها في المواقع الالكترونية، والتي أرى فيها ان النص الدستوري لم يذكر القوائم الفائزة، وانما الكتلة التي تتشكل من المرشحين الفائزين بعد أداء اليمين الدستورية، وهؤلاء هم الذين يتكتلون بعنوان الكتلة الأكبر من حيث العدد وهذه تتشكل ويعلن عنها في الجلسة الأولى، حيث اعتمد على عبارات النص وألفاظه و استجلى منها المعنى المقصود حيث بين القرار إن التفسير سار باتجاه تعريف عبارة الكتلة النيابية على وصف العبارات في داخل النص،
لكن ما عرضه السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى وما يكرره اكثر من شخص ويؤيده عدد من الباحثين الى ان غاية النص الدستوري والهيئة التي كتبته كانت تهدف الى ان تكون القائمة الفائزة هي التي تكلف بترشيح رئيس مجلس الوزراء وعلى وفق ما ورد في مقالة القاضي الأستاذ فائق زيدان الذي جاء فيه (كما أن هذا التفسير يمس بإرادة الناخب؛ لأنه يسمح بتشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات، حيث يؤدي إلى تغيير النتيجة السياسية التي عبّر عنها الناخب في صناديق الاقتراع، مما يُضعف مبدأ المشروعية الشعبية؛ ويؤدي ذلك إلى خلق عدم استقرار سياسي بفتح باب التحالفات اللاحقة، ويجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر)
كما سمعنا قبل ذلك بان كاتب النص الدستوري كان يهدف الى القائمة الفائزة في الانتخابات الا ان الصياغة وردت على خلاف ذلك، وهذا ما ذكره الشيخ الدكتور همام حمودي رئيس لجنة كتابة الدستور في حينه ومن على شاشة التلفزيون في احدى المنتديات والمنشور في شبكة الانترنيت،
وبهذا الصدد لابد وان نعرف أي إرادة التي تغلب عند التطبيق او التنفيذ هل هي إرادة كاتب النص ام إرادة النص؟، المنطق القانوني يقول إرادة النص، لأننا لا نتعامل مع نوايا من كتبه، وانما العبرة بالنص الذي تمت صياغته واقترن بموافقة الشعب عليه عند الاستفتاء، وإرادة النص هي النافذة، وهذا هو ما يعمل عليه القضاء في جميع انواعه، حيث يتوجه القاضي الى النص فان كان فيه غموض يذهب الى معاني مفردات النص ويسمى التفسير اللفظي ، وان لم يوفق يبحث في ثنايا التشريع بما يوضح النص ويسمى تفسير النص بالنص وفي الدستور العراقي لعام 2005 مثال على ذلك حيث فسر عبارة رئاسة الجمهورية بأنها تعني رئيس الجمهورية بعد انقضاء دورة واحدة من تاريخ نفاذ الدستور وعلى وفق أحكام الفقرة (أولا) من المادة (138) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يحل تعبير (مجلس الرئاسة) محل تعبير (رئيس الجمهورية) أينما ورد في هذا الدستور، ويعاد العمل بالأحكام الخاصة برئيس الجمهورية، بعد دورةٍ واحدةٍ لاحقةٍ لنفاذ هذا الدستور)،
وأحيانا يتعذر عليه ذلك فيبحث في الأسباب الموجبة او الديباجة التي تكون في العادة جزء من النص، وان غاب المعنى الواضح لن يعود القاضي الى من كتب النص وانما قد يطلب من المشرع ان يصدر تشريع جديد يفسر غموض النص ويسمى بالتفسير التشريعي، لذلك لا يوجد في الفقه أي قول او رأي يشير الى الرجوع الى كاتب النص اطلاقاً،
ومن الجدير بالذكر فان القاضي الأستاذ فائق زيدان كان قد أشار في المقالة التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط اللندنية الى انه قد وجه النقد لقرار المحكمة الاتحادية العليا بتفسير الكتلة النيابية الأكثر عدداً في اطروحة الدكتوراه التي قدمها الى الجامعة الإسلامية في بيروت والموسومة ( رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات) والتي صدرت لاحقا بكتاب صادر عام 2021 عن دار الوارث للطباعة والنشر، وعند العودة الى تلك الاطروحة وجدت ان السيد القاضي قد بين رأيه في ذلك التفسير على وفق العبارة الاتية في الصفحة 297 (نرى ان هذا التفسير لا يتفق مع العرف الدستوري غير المدون والمعمول به في كل الأنظمة الديمقراطية الذي يفهم منه الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي حصلت عبر الانتخابات على اكبر عدد من المقاعد وليس الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات ، لان الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات هي ائتلاف حكومي وليس برلماني الغاية منه تشكيل الحكومة بمعنى في حال عدم امتلاك اكبر الكتل البرلمانية على الأكثرية المطلقة في البرلمان أي (50% +1) تكون حينها الكتلة الأكبر مضطرة للتفاوض مع كتلة أخرى لغرض تشكيل الحكومة، وان وضوخ النص الدستوري لا يبرر المخالفة الدستورية للدستور المعمول به في الدول الديمقراطية)
وهذا القول هو قول علمي ورد في أطروحة كتبت بالمنهج البحثي، ولها وزنها وقيمتها العلمية، مما يجعل منها ذات أهمية توجب على من يطلع عليها ان يقف عند المفاهيم التي وردت فيها، ومناقشتها من اجل الوصول الى غاية البحث العلمي في اجلاء الحقيقة،
ولاحظت ذكر عبارة العرف الدستوري غير المدون في القول المقتبس في أعلاه، مع ان العرف هو بأصله يكون غير مدون ويعرفه الفقه بانه ممارسة متكررة وثابتة في الحياة الدستورية، يقبلها الفاعلون السياسيون وتكتسب إلزامية بمرور الزمن، دون أن تكون منصوصًا عليها في الدستور أو في قانون مكتوب. ويشير الدكتور مصطفى العوجي في كتابه الموسوم (مصادر القاعدة القانونية في القانون المدني منشورات الحلبي الحقوقية طبعة بيروت عام 2010 – ص122) ان العرف هو القواعد التي تتمتع في ذهن الناس بالإلزامية باعتبار ان عدم التقيد بها يعتبر خروجا عن المألوف، لذلك لا يمكن للعرف الا ان يكون غير مكتوب فاذا دون بنص فانه يصبح تشريع ويكون قاعدة قانونية ملزمة بحكم النص الدستوري او القانوني،
ومن هذا العرض فان العرف لا يمكن ان يغلب على النص الدستوري بل حتى على النص القانوني، لان التدرج في الهرم التشريعي يمنح النص المكتوب (التشريع) أعلوية على العرف وفي الفقرة (2) من المادة (1) من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 المعدل جعل من العرف بدرجة ادنى من التشريع ولا يجوز الركون اليه الا اذا فقد النص القانوني وانعدم وجوده وعلى وفق النص الاتي (فاذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف فاذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين فاذا لم يوجد فبمقتضى قواعد العدالة.)
لذلك لا يمكن ان نغلب العرف الدستوري على النص الوارد في المادة (76/اولاً) من الدستور النافذ،
1. ومن خلال ما تقدم أرى ان ما عرضه السيد القاضي فائق زيدان كان ضرورياً لإعادة النظر في ما عليه الحال الدستوري، الا ان الاجتهاد القضائي هو النافذ وهو الملزم بموجب النص الدستوري في المادة (94) من الدستور، ويكسب احترامه من قوة الالزام الدستوري، وهو الذي يمثل عنوان الحقيقة القضائية، ولا يمكن ان يكون خطيئة، بل قد يكون خطأ لأنه اجتهاد وهو نشاط فكري بشري قابل للخطأ لان من انتجه غير معصوم عن الخطأ، ومع ذلك يبقى له اجر الاجتهاد، على وفق الحديث النبوي الشريف (المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد) ، ولا اظن ان تجتمع الخطيئة مع الاجر الشرعي في الاجتهاد الخاطئ، مع ان الفقه الدستوري يشير الى ان الكتلة النيابية هي التي تتشكل داخل المجلس النيابي حصرا وليس قبل ذلك او خارجه وعلى وفق ما ورد المعجم الدستوري تأليف الفقيهين الفرنسيين اوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ ترجمة منصور القاضي ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ طبعة بيروت الاولى عام 1996ـ ص 876
قاضٍ متقاعد
#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟