عبدالله بولرباح
كاتب وباحث
(Abdellah Boularbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 03:13
المحور:
الادب والفن
آخر مرة زرت فيها الوادي، كنت في السنة الأخيرة لي بثانوية مرموقة بمدينة يقولون عنها عالمة. كانت الدراسة متواصلة، وجهودي لا تلين. كنا ثلاثة أصدقاء، بلقاسم، وعلال وأنا، توطدت صداقتنا منذ سنتنا الأولى بهذه الثانوية، فصرنا لا نرى إلا معا. كنا نستغل نهاية الأسبوع لنراجع دروس الأسبوع الماضي، نناقش، نبذل جهدا في الفهم، ننجز كل تمارين المواد الأساسية، التي تسقط بين أيدينا. ما كنا نغادر أسوار الثانوية إلا بضع ساعات من مساء كل يوم أحد. بين دفاترنا كانت أحلام صغيرة تكبر على مهل. بأجسادنا النحيفة، كنا نبدو أصغر من عمرنا، فلقبنا قدماء قاطني الداخلية، بالخرفان. كنا نضحك من اللقب، غير مدركين أنه كان شاهدا بريئا على زمنٍ نقي… زمنٍ لا يعود.
حين جاءت العطلة الربيعية، كنت في أمس الحاجة إليها، وانتظرتها بشغف كبير، زرت الأهل والأصدقاء في قريتنا. برمجت مع أصدقاء لي بالقرية زيارة الوادي، الذي كنا نحبه حد الوله، نعشق مياهه الصافية وتضاريسه الآسرة، ونقضي في رحابه، منذ صغرنا، أوقاتا لا تنسى.
كنت يومها أكتب باللغة الفرنسية ما أسميته كتابا، وهو في الحقيقة دفتر من مائتي صفحة أدون فيه خواطر وأفكارا وأسئلة كانت تستبد بي. كنت على وشك ملء صفحاته الأخيرة. فكرت أن آخذه معي إلى الوادي، فلعل جمال المكان يلهمني أفكارا لا تحتمل الانتظار، لتدوينها.
في الصباح، بعد الفطور، ودعت أهلي، والتقيت أصدقائي في الموعد. حملنا ما نحتاجه من مأكل ومشرب ليوم واحد، وقطعنا الطريق دون أن ننتبه للمسافة. كنا نضحك، نتبادل الحكايات والمغامرات والنكت، نتسابق ونقفز هنا وهناك، كقطط تلهو بلا هم. كنا فرحين، ولم يخطر ببالنا أننا على وشك ان نعيش، في مكان ألفناه رمزا للأمن والسكينة، لحظات عصيبة، هددت سلامتنا الجسدية، وحولت زيارتنا إلى كابوس لاحقنا أياما عديدة، وعكر صفو حياتنا.
أطللنا من أعلى الشق الغربي للوادي: منحدر حاد تكسوه غابة مضمحلة بفعل قطع الحطب، وصخور كبيرة بارزة في المنطقة العليا من الشق كحدود طبيعية. تدحرجنا نحو النهر القابع في الأسفل عبر ممر ضيق متقطع، يمر بمحاذاة منبع مائي عذب كنا نملأ منه مياه الشرب، ونستظل بأشجاره الوارفة في طريق عودتنا.
وصلنا أخيرا إلى النهر، الذي كنا نسمع هديره الجميل، والمريح، منذ لحظة الإطلالة الأولى. يشبه النهر في موقعه المنيع هذا، فاكهة شهية، فاتنة المنظر، عسيرة المنال، تحفها من الجانبين منحدرات متماثلة، سامقة، متناسقة، تثير الدهشة بوقارها، ضفافه معشوشبة غارقة في جمالها البري، ومياهه تنساب عذبة، كزمن الفرح، الذي لا يعترف بالعجلة، تتشكل حوضا واسعا بين صخور، رقراقا، يستدرجك للغوص في أعماقه. كانت السماء صافية والشمس ساطعة، غير أن الماء كان باردا جدا، فلم نتمكن من السباحة إلا قليلا. بعد جولة ممتعة على الضفة، استأذنت اصدقائي، أخذت دفتري وجلست فوق صخرة كبيرة مطلة على حوض السباحة. فتحت الدفتر على آخر صفحة مكتوبة. قرأت آخر جملة كتبتها بها:
Ce n’est point l’amour qui engendre l’insensé, mais l’indigence d’amour car l’amoureux peut perdre la raison sans jamais perdre le sens.
أي ما معناه: ليس الحب هو الذي يولد الحماقة، بل الافتقار للحب، لأن العاشق قد يفقد عقله، لكنه لا يفقد أبدا إحساسه.
ركزت التفكير، أحاول تعميق الفكرة ومواصلة الكتابة. كان أصدقائي يلهون بفرح طفولي على الضفة. شرعت أدون بالفرنسية ما مفاده: التناقض البنيوي هنا بين الحب والافتقار للحب، والتمييز الجوهري بين العقل والإحساس… في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يخطر على بال. خطر داهمنا على حين غرة، أفزعنا وهدد حياتنا حرفيا. لم يكن فيضا مفاجئا للنهر، فنحن نعرف طباعه أكثر مما نعرف أنفسنا، لا يتغير حاله إلا تدريجيا مع الفصول. لم يكن هجوم حيوان مفترس، فليس هنا سوى ثعالب صغيرة رشيقة، كنا نشفق عليها ونطعمها أحيانا بعض الأسماك، فتقترب بحذر ونحن نستمتع بمشاهدتها.
ما وقع كان في غاية العته، في منتهى الغباء، وكاد يودي بحياتي وحياة أصدقائي. بدا لي وكأن له صلة بتلك الفكرة التي كنت بصدد تحليلها، وكأن الصدف أرادت أن تختبرها بتجربةٍ عملية مريرة.
أشخاص مجهولون، ربما بلا رصيد من الحب، فقدوا كل إحساس، شرعوا في رشقنا، دون سابق إنذار، بوابل من الحجارة من أعلى الضفة الشرقية. ما أن احتمينا بالأشجار القريبة من الضفة لتفادي الحجارة، ومحاولة معرفة المصدر، حتى سمعنا دويا خطيرا بأعلى الضفة الغربية، حيث كنا، يتجه نحونا.
لقد بدأ معتدون آخرون يدحرجون احجارا كبيرة الحجم، يصدر ارتطامها بالصخور او الأشجار صوتا مرعبا، تنزل اتجاهنا بسرعة جنونية وبمسارات غير مستقرة. أصيب أصدقائي بالهلع، خاصة وأن معنا يافعا صغيرا، أخا لأحدهم. ارتجل كل منا، في لحظة فزع، ملاجئ مؤقتة خلف أقرب صخرة أو شجرة، كأننا نفاوض الخطر على ثوان إضافية من الحياة. لكننا سرعان ما أدركنا هشاشة هذا الأمان، فالصخور كانت تنهمر بوتيرة متسارعة، لا تخضع لمنطق ولا لاتجاه واحد. ما يمكن أن يحمينا من حجر متجه في خط مستقيم قد يسلمنا لآخر مساره مقوس، كأنه يختار ضحيته بعناية ولو اختبأت خلف حجر أو شجر. في تلك اللحظات العصيبة، صار المكان نفسه فخا، فأصبح أصغر حجر، إن أخطأ حساباته ولامس جسد إنسان أو حيوان، كفيل بأن يرديه قتيلا في الحال.
كنا نعرف كهفا صغيرا غير بعيد عن النهر، لكن كيف نصل إليه أحياء؟ ذكرت أصدقائي به وقلت بصوت مرتفع: لا مفر لنا من الاحتماء داخل الكهف، إن كنا نريد النجاة! لنهرب هناك!
اتفقنا ان نتفرق ونصعد إليه. كانت الخطة أن نحتمي، عند سماع دوي الصخور وهي تهوي اتجاهنا، خلف أشجار أو صخور كبيرة، ثم نتحرك بسرعة عند توقف الأصوات ونحتمي مجددا، إلى أن نصل إلى الكهف، إن وصلنا. رغم أن الخطة بدت محكمة، إلا أن بعض الصخور كانت في تدحرجها تصدرا أصواتا أشبه بدوي الرعد القوي، وكنا نخشى ألا تصمد الأشجار، إن اضطررنا للاختباء خلفها، أمام عنف قوتها.
لم تمض سوى بضع دقائق حتى وصل الجميع سالمين إلى الكهف، باستثناء صديقي وأخيه اليافع. ناديتهما من باب الكهف بأعلى ما في صوتي، دون جواب. تضاعف خوفي. تأخرهما سيجعلهما هدفا وحيدا ومباشرا، يركز المعتدون ضرباتهم عليه. بعد لحظات الانتظار المقلقة جدا، فهمت من التوجيه الذي كان يصدره أحد المعتدين من الضفة المقابلة، الذي كان يراقب مواقعنا، أنهما ما زالا أحياء، محتمين تحت صخرة كبيرة تحت الكهف، على يمينه. اطمأننت قليلا، فأنا أعرف تلك الصخرة وقدرتها الجيدة على الحماية. لكن الخوف عاودني مرة أخرى: لماذا تأخرا، في اللحاق بنا؟ هل أصيب أحدهما؟ ام ماذا؟
بعد أن تيقن المعتدون من استعصاء الهدف، وبتوجيه آخر، أصدره أحدهم من الضفة المقابلة، الذي أخبرهم بموقعنا بالكهف، صوبوا أحجارهم فوق الكهف مباشرة. كنا نسمع ونرى الصخور تمر كقذائف مدرعات مفزعة، فوق فمه ثم تهوي إلى أسفل، حيث النهر. بدا الزمن كأنه توقف، وكأننا لبثنا دهرا في قلب هذا الجحيم.
أصاب العياء المعتدين، فتوقفت الحجارة، لكن ضحكاتهم ظلت تسمع. بعد برهة، سمعت صوت صديقي يطمئنني عليه وعلى أخيه. عندها فقط هدأ قلبي.
مكثنا في الكهف ساعة أخرى، خوفا من ان يكون سكنهم مجرد خدعة. بعد برهة التحق بنا الصديقان سالمان. كانت الشمس قد مالت إلى الزوال، وغيوم خفيفة تزحف إلى سماء الوادي، قبل أن تنزل زخات مطر خجولة.
ساد صمت رهيب في المكان، صمت بدا وكأنه يقتص من فيض الصخب الذي سبقه، ويعيد الأشياء قسرا إلى نصابها. أدركنا، حينها أن وقت الرحيل من هذا المكان قد حان.
اتفقنا على مسار المغادرة. خرجت مع أحد الأصدقاء لاستكشاف جوانب الكهف، وسرنا بمحاذاة صف من أشجار العرعار العجوزة، لنحتمي بها عند الضرورة. بعد أن تأكدنا من مغادرة المعتدين، عدنا وأخبرنا الباقين، ثم غادرنا الوادي بسلام عبر مسار مائل من الكهف نحو القمة.
لم ألتق أصدقائي خلال الأيام القليلة المتبقية من العطلة، إلا مرة واحدة، قرب العين، مساء اليوم ما قبل الأخير من العطلة. لا زال أثر الصدمة منغرسا في نفوسنا كخنجر مسموم وباديا على وجوهنا التي فقدت بريقها. جلسنا صامتين، قبل ان يكسر أحدهم الصمت، عندما أخبرنا انه يحاول كشف المعتدين.
ودعت الأصدقاء، وعدت للبيت، لجمع أغراضي، مستعدا للعودة، صبيحة اليوم الموالي، للمدينة حيث أدرس.
في خضم الخوف والتخطيط للنجاة، نسيت "كتابي" فوق الصخرة، ولم أتذكره إلا عندما حان وقت الرجوع إلى الدراسة. لم يكن لدي وقت للعودة للوادي، ولا لتقديم شكاية، ولا للبحث عن أولئك الذين هددوا حياتنا. عدت إلى دراستي، ونسيت الأمر ظاهريا، لكنه ظل حيا في أعماقي. صحيح نجت أجسادنا، لا بمحض الصدفة، بل بحكم معرفتنا الجيدة بالمكان، لكنني شعرت أني فقدت شيئا ثمينا: أول محاولة لي الكتابة بشغف.
لعل ذلك ما جعلني، لا شعوريا، ألا أعود إلى المكان إلا بعد خمس وأربعين سنة. وجدت المعالم قد تغيرت: صنوبر كثيف غريب عن هذا الوسط الإيكولوجي، وغابة طبيعية انتعشت، وأشجار العرعار البري يانعة في غاية القد والجمال، رائحتها العطرة تلف الأرجاء. لقد قلت الحاجة الى الحطب مع ظهور واتساع استعمال غاز البوطان، فسلمت الغابة من بطش الفأس، وخف جزء من حمل ثقيل على النساء.
لحسن حظي، وجدت المكان ما يزال ينبض أكثر بالذكريات الجميلة، التي أذكت في نفسي روح الطفولة وعنفوان الشباب. خيل إلي، بعد أن أمعنت النظر الى الصخرة التي نسيت فوقها دفتري، إلى أنني أرى في كل زاوية من دفتي الوادي الساحرة، جملا من "كتابي"، محفوظة، طرية، ندية، عطرة، أكثر مما كانت ستكون عليه بين دفتي كتاب، لو قدر له أن يطبع.
#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)
Abdellah_Boularbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟