سالم روضان الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 17:10
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
موقف القضاء من حجية الاحكام (سبق الفصل في الدعوى)
قراءة في اتجاهات محكمة التمييز الحديثة
ان موضوع حجية الاحكام او حجية الامر المقضي به (سبق الفصل في الدعوى) يعد من مواضيع قانون الاثبات واعتبره القانون العراقي من القرائن القانونية وعلى وفق ما ورد في المادة (105) من قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها (للأحكام الصادرة من المحاكم العراقية التي حازت درجة البتات تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق اذا اتحد اطراف الدعوى ولم تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلا وسببا) وكرر هذا الحكم في المادة (106) اثبات التي جاء فيها (للأحكام الصادرة من المحاكم العراقية التي حازت درجة البتات تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق اذا اتحد اطراف الدعوى ولم تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلاً وسبباً)،
1. معنى حجية الاحكام:
ومعنى حجية الاحكام (سبق الفصل في الدعوى) وعرفه الفقه القانوني بانه (حجة لا تقبل النقض او الدحض ولا تتزحزح الا بطريق الطعن في الحكم وتثبت هذه الحجية لكل حكم قطعي، أي لكل حكم موضوعي يفصل في الخصومة اذا كانت بين الخصوم ذاتهم او بالنسبة الى ذات الحق محلا وسبباً)[1]،
واعتبر القانون هذه الحجية من القرائن القانونية التي لا تقبل النقض ولا تخضع لتقدير القاضي لتعلقها بالنظام العام، ويقول المرحوم الدكتور ادم وهيب النداوي بان ما يفصل به الحكم المكتسب الدرجة القطعية هو حقيقة قضائية ثابتة[2]، ويشير الدكتور احمد نشأت بان تعلق حجية الاحكام بالنظام العام يجعل منه ملك العموم وليس ملك أطراف الخصومة، وإنها شرعت لمصلحة العموم ومن الوجوب ان تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها[3]،
ويبنى على ذلك انه متى فصل في نزاع بحكم نهائي لا يصح للمحكوم عليه ان يلجأ الى القضاء مرة أخرى وإذا خالف ذلك فعلى المحكمة ان تقضي بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها[4]
2. معنى الحكم القضائي الذي يكتسب حجية الامر المقضي به
يوجد أكثر من تعريف لمعنى لحكم القضائي حتى إن البعض أشار الى وجود نظريات في الأحكام تتقاذفها المدارس الفقهية المختلفة إلا أن الفقه القانوني يكاد يكون قد استقر على التعريف الآتي بأنه (القرار الصادر عن محكمة في حدود ولايتها القضائية في خصومه بالشكل الذي يحدده القانون للأحكام سواء كان صادر في نهاية الخصومة أو في أثناء سيرها وسواء كان صادر في موضوع الخصومة أو في مسالة إجرائية)[5]
إلا أن مفهوم الحكم القضائي تطور فأصبح التمييز واجب بين القرارات التي تصدر لإعداد الدعوى أو الخصومة لتكون مهيأة للفصل فيها وتسمى قرارات إعدادية ليست فاصلة، وبين الحكم النهائي الذي يفصل في النزاع وهو الذي يعول عليه في حماية الحقوق
ويعتبر الحكم القضائي خاتمة المطاف في الخصومة ونقطة النهاية في سباق تصارع ناضل فيه ذوو الشأن بأساليب وأدوات وحجج قانونية وهو تتويج لجهود كبيرة وإجراءات طويلة قام بها الخصوم وممثلوهم والقاضي وأعوانه[6]، والحكم بمعناه الخاص في مذهب القانون المقارن هو (القرار الصادر من المحكمة المشكلة تشكيلاً صحيحاً ومختصة في خصومة رفعت إليها وفق قواعد المرافعات سواء كان صادر في موضوع الخصومة او في شق منها أو في مسألة متفرعة عنها)[7]
3. اركان الحكم القضائي:
أهمية الحكم القضائي تستلزم أن يكون له وجود قانوني يعتد به ويعول عليه ويكون هذا الوجود بعد أن تتوفر له أركانه التي لا ينهض وجوده إلا بها وبإجراءات وقواعد محددة لإصداره و هذا الاتجاه نجد له اشارة في قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل حيث ذكر نص المادة (159) مرافعات التي جاء فيها (1- يجب ان تكون الاحكام مشتملة على الاسباب التي بنيت عليها وان تستند الى احد اسباب الحكم المبينة في القانون . 2 - على المحكمة ان تذكر في حكمها الاوجه التي حملتها على قبول او رد الادعاءات والدفوع التي أوردها الخصوم والمواد القانونية التي استندت أليها)
وأفاضَ شراح قانون المرافعات في شرح هذه الأركان والعناصر ومنها تسبيب الحكم القضائي[8] كما يشير احد شراح القانون إلى أن أركان الحكم القضائي كما يلي:
الركن الأول: هو صدور الحكم من محكمة في حدود ولايتها القضائية
الركن الثاني: أن يصدر بموجب خصومة بالشكل المقرر قانوناً للأحكام وعناصره والمنطوق والأسباب[9]
الركن الثالث: ويعتبر تشكيل المحكمة من القضاة من أركان الحكم القضائي حيث يرى بعض شراح القانون وجود فرضين الأول أن تشكل المحكمة التي تصدر الحكم من القضاة فقط[10]
4. موقف القانون والقضاء:
موقف القانون: ان القوانين العربية والقانون العراقي تتفق وبالإجماع على ان الحكم القضائي البات والمكتسب الدرجة القطعية يصبح حجة على الناس بما فصل فيه ولا يجوز تجديد الخصومة مرة أخرى وعلى وفق احكام المادة (105 و 106) من قانون الاثبات، وهذا مبدأ عام تسير عليه اغلب التشريعات ومنها القانون المصري في المادة (101) من قانون الاثبات في المواد التجارية والمدنية رقم 25 لسنة 1968 المعدل التي جاء فيها (الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي تكون حجة فيما فصلت في الحقوق , ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية , ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه الحجية غلا في نزاع قائم بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتتعلق بذات الحق أصلا بذات الحق محلا وسببا. وتقضي المحكمة بهذه الحجية من تلقاء نفسها)، والقانون السوداني في المادة (159) من قانون الاثبات رقم 21 لسنة 1991، والقانون الكويتي في المادة (53) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية رقم 39 لسنة 1980
موقف القضاء: يكاد يجمع القضاء في العراق وفي البلدان العربية على ان للحكم القضائي المكتسب الدرجة القطعية يصبح حجة بما فصل فيه، ولا يجوز إقامة الدعوى مجدداً بموضوعه مرة أخرى لسبق الفصل فيه، وتعج قرارات محكمة التمييز بهذا الحكم ويكاد يكون محل اجماع منذ ان تشكلت محكمة التمييز ولغاية الان،
5. الاتجاه الجديد لمحكمة التمييز الاتحادية
لكن لوحظ في الآونة الأخيرة اتجاه جديد لمحكمة التمييز الاتحادية بقبول نقض حجية تلك الاحكام المكتسبة للدرجة القطعية، وجواز النظر في موضوع الدعوى مرة أخرى مع اتحاد الخصوم والمحل والسبب، ومنها قرار الهيئة المدنية العدد 5415/الهيئة المدنية/2025 في 1/6/2025 حيث جاء فيه بان الدعوى محل النظر سبق وان فصلت فيها هيئة دعاوى الملكية بقرارها المؤرخ في 17/3/2010 والذي قضت فيه برد الدعوى وكذلك قرار محكمة البداءة العدد 4187/ب/2022 في 18/8/2022 وقضت فيه برد تلك الدعوى لسبق الفصل فيها بموجب قرار اللجان القضائية في هيئة دعاوى الملكية الملمع عنه في أعلاه، وهذه المعلومات وردت في قرار الهيئة المدنية أعلاه، ثم عززت محكمة الاتحادية هذا الاتجاه بقرارها العدد 595/الهيئة المدنية/2026 في 14/1/2026 والذي قضت فيه بقبول الدعوى والتي كان قد صدر فيها قرارين قضائيين بردها الأول من اللجان القضائية في هيئة دعاوى الملكية الذي قضى برد الدعوى من حيث الموضوع ثم كررت محكمة البداءة المختصة قرارها العدد 4187/ب/2022 في 18/8/2022 برد الدعوى لسبق الفصل فيها موضوعاً،
6. الإشكالية القانونية محل النظر:
ان الاشكال في القرارات الصادرة عن محكمة التمييز الاتحادية الموقرة لا يتعلق بموضوع السبب الذي اعتمد فيه وانما يتعلق بناحية إجرائية، حيث ينهض السؤال عن كيفية قبول الدعوى والحكم فيها لصالح المدعي مع وجود حكم سابق مكتسب الدرجة القطعية والبتات قضى بردها سابقاً؟
وهذا الوضع القانوني المتعارض مع بعضه يضع الإشكالية التي تتمثل بوجود حكمين قائمين متعارضين الأول قضى بالرد وما زال لم يبطل او يلغى او يقضى بانعدامه، وهو حكم مكتسب الدرجة القطعية والبتات بعد ان استنفذت فيه جميع طرق الطعن،
ويمكن قبول الحال لو كان الاتجاه أعلاه قد صدر في طعن بالحكم الأول عبر احدى طرق الطعن المقررة في قانون المرافعات المدنية او أي طريق اخر، ومن ثم تقضي المحكمة بإبطاله وإصدار حكم جديد على خلاف ما ورد فيه، حتى لا يبقى الحكم قائما مع وجود حكم اخر قائم أيضا ًعلى خلاف ما ورد فيه، مع ان الحكم الأول يبقى مرعيا ونافذا وله قوة الامر المقضي فيه ما لم يعدل او يبطل من المحكمة ذاتها التي أصدرته او يفسخ او ينقض من محكمة اعلى منها وعلى وفق احكام المادة (160/3) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل التي جاء فيها (الحكم الذي يصدر من المحكمة يبقى مرعيا ومعتبرا ما لم يبطل او يعدل من قبل المحكمة نفسها او يفسخ او ينقض من محكمة اعلى منها وفق الطرق القانونية)
الخلاصة: ان ما ورد في هذا الحكم القضائي الصادر عن الهيئة المدنية وسابقا عن الهيئة العامة في قرارها العدد 8/هيئة عامة/2024 في 28/8/2024هو اتجاه جديد لم يألفه الفقه القانوني في العراق وفي الدول العربية، مما يفرض على الباحثين والمختصين في القانون ومتابعي الاجتهاد القضائي الى توسيع البحث فيه واعداد الدراسات او التعليق على الاحكام القضائية لتحليل تلك الاحكام والاثار المترتبة عنها فقها وقضاء ومدى انعكاسها على الحقوق المكتسبة واستقرار المراكز القانونية، مع التنويه الى ان كلا القرارين الصادرين محكمة التمييز الاتحادية محل العرض تتعلق بعقارات تعود لأزلام النظام السابق وتمت مصادرتها وأصبحت من الأملاك العامة التي تعود ملكيتها للدولة، وهذا يفرض العناية اكثر لان الحفاظ على المال العام واجب دستوري على كل مواطن وعلى وفق احكام المادة (27) من الدستور العراقي النافذ
سالم روضان الموسوي
قاضٍ متقاعد
الهوامش ============
[1] الدكتور عبدالرزاق السنهوري ـ الوسيط في شرح القانون المدني ، نظرية الالتزام بوجه عام ، الاثبات واثار الالتزام ـ ج2 ـ منشورات دار النشر للجامعات المصرية ـ طبعة القاهرة عام 1956 ـ ص 632
[2] الدكتور ادم وهيب النداوي ـ الموجز في شرح قانون الاثبات ـ توزيع المكتبة القانونية في بغداد ـ ص 173
[3] الدكتور احمد نشأت ـ رسالة في الاثبات ـ دون جهة نشر طبعة عام 2008 ـ ج2 ـ ص202
[4] الدكتور احمد نشأت ـ مرجع سابق ـ ص 205
[5] الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ الحكم القضائي أركانه وقواعد إصداره ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ بيروت الطبعة الاولى عام 2011ـ ص24
[6] الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 17
[7] الدكتور احمد ابو الوفا ـ نظرية الاحكام في قانون المرافعات ـ دار المطبوعات الجامعية في الاسكندرية ـ طبعة عام 2007 ـ ص37
[8] للمزيد انظر عبدالرحمن علام ـ شرح قانون المرافعات المدنية ـ منشورات المكتبة القانونية ـ الطبعة الثانية، و المستشار عزالدين الدناصوري وحامد عكاز ـ التعليق على قانون المرافعات المصري ـ ج2 ـ الطبعة الثانية عشرـ ص 1669
[9] للمزيد انظر محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص 21
[10] الدكتور محمد سعيد عبدالرحمن ـ مرجع سابق ـ ص37
#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟