أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة














المزيد.....

الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 16:47
المحور: المجتمع المدني
    


1- مدخل مفاهيمي

شدّني عنوان دراسة رصينة موسومة بـ «حراس الفجر: دراسة سوسيولوجية واقتصادية وصحية لواقع العمالة الليلية في قطاعي النظافة والمخابز»، الصادرة عن ملتقى النبأ للحوار في كربلاء المقدسة. إنه عنوانٌ يختزل عالمًا كاملًا من الجهد الصامت الذي يتحرك في الظل بينما ينام الآخرون.
وانطلاقًا من ذلك، يشير مفهوم الاقتصاد الليلي (Night Economy) إلى مجمل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجري بين السادسة مساءً والسادسة صباحًا. وهو لا يقتصر على الحانات أو الملاهي كما قد يُتصوَّر، بل يشمل المطاعم، والمسارح، والمعارض الفنية والحرفية، والحفلات الموسيقية، والمتاجر العاملة ليلًا، وخدمات النقل، بل وحتى بعض القطاعات الصحية واللوجستية.

2- بين العائد الاقتصادي والقيمة الثقافية

في ظل «اقتصاد المعنى»، لا بد من الوقوف عند المعادلة الدقيقة بين العائد الاقتصادي والقيمة الثقافية لاقتصاديات الليل.

ففي مدن كبرى مثل لندن ونيويورك وبكين، يدرّ الاقتصاد الليلي مليارات الدولارات سنويًا ويوفّر مئات الآلاف من فرص العمل. غير أنه لا يُقاس بالأرقام وحدها ، إذ يعزّز الإبداع، ويوسّع مساحات التفاعل الاجتماعي والفني، ويمنح المدن هوية نابضة بالحياة.
ولهذا تبنّت بعض المدن استراتيجيات «24/7»، أي المدينة التي لا تنام، مع مراعاة معادلة دقيقة بين الأمن والنقل والاندماج الاجتماعي. فالاقتصاد الليلي يدعم السياحة وقطاع الضيافة، ويوفّر فرص عمل خارج الأطر التقليدية، ويقوّي الصناعات الإبداعية، ويعزّز الروابط الاجتماعية عبر الفضاءات العامة.
ومع ذلك، فإن هذه الحيوية لا تخلو من تحديات ،فثمة مخاطر تتصل بالأمن وضعف الحماية، ومشكلات في البنية التحتية، ولا سيما نقص النقل الليلي، فضلًا عن الحاجة إلى توازن حساس بين الضوضاء وراحة السكان، وبين التراخيص والضبط الحضري.

3- الحوكمة الليلية: من «عمدة الليل» إلى التخطيط المنضبط

أنشأت مدن مثل برلين وأمستردام وسيدني منصب «عمدة الليل» أو مكاتب متخصصة لإدارة هذا القطاع، إدراكًا منها أن الليل يحتاج إلى حوكمة مختلفة لا تقل أهمية عن إدارة النهار.

أما في الصين، فتقدم المدن الكبرى إنموذجًا منضبطًا للاقتصاد الليلي ،إذ بلغ حجم سوق السياحة الليلية نحو 1.57 تريليون يوان عام 2023، مع ارتفاع نسبة فتح المواقع السياحية ليلًا إلى أكثر من 56%. كما أُنشئت «مناطق تجمّع الاستهلاك الثقافي والسياحي الليلي» التي تجاوز عددها المائة منطقة خلال ذلك العام.

واللافت في التجربة الصينية هو حيوية الأسواق الليلية (Night Markets) بوصفها فضاءات للاستهلاك وللتواصل الاجتماعي معًا. فالشباب العاملون بنظام «996» وهو توصيف شائع لجدول عمل مكثّف يعني العمل من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً لستة أيام في الأسبوع (نحو 72 ساعة عمل أسبوعيًا) ،حيث يجدون في الليل متنفسًا يعيد التوازن النفسي والاجتماعي. وقد ظهر هذا المصطلح في أوساط شركات التكنولوجيا، وأصبح رمزًا لثقافة العمل المفرط والسعي العالي للإنتاجية، مثيرًا جدلًا حول آثاره الصحية والاجتماعية.

ومن ثمّ يتحول الليل، في هذا السياق، من وقتٍ للفراغ إلى زمنٍ للإبداع والتجدد الحضري، بل إلى مساحة تعويض نفسي واجتماعي تعزز بدورها ازدهار الاقتصاد الليلي.

4- بغداد – التاريخ الرمزي وتحديات التنظيم

أما بغداد، فالمسألة أكثر تعقيدًا. فالحياة الليلية فيها ليست مجرد أضواء وموسيقى، بل ترتبط بالقانون والدين والمجتمع والأمن. إنه ملفٌ حساس يكشف قدرة الدولة والمجتمع المدني على إدارة التعدد ضمن إطار القيم.

ورغم التحديات، تمتلك بغداد نواة طبيعية لاقتصاد ليلي بطابع اجتماعي واضح: المطاعم المتنوعة، والمقاهي الممتدة على ضفاف دجلة، واللقاءات العائلية التي تمنح الليل بعدًا اجتماعيًا سلميًا. غير أن ضعف النقل الليلي، والهواجس الأمنية، والقيود الاجتماعية، تحدّ من توسّع هذا الاقتصاد.

5- نحو رؤية عراقية للاقتصاد الليلي

يمكن لبغداد ومدن العراق الكبرى أن تستلهم التجارب العالمية دون استنساخها، عبر:

أ- تسريع تطوير مناطق ثقافية ليلية آمنة ذات طابع تراثي، على غرار شارع المتنبي وشارع الرشيد.
ب- تنظيم مهرجانات فنية وموسيقية تعكس الهوية العراقية ضمن خطط ثقافية مُعدّة سلفًا.
ج- تحسين خدمات النقل ضمن تخطيط مرحلي متدرج.
د- إشراك المجتمع المحلي، ومنظمات المجتمع المدني، والاتحادات، والنقابات ذات العلاقة في رسم السياسات الخاصة بالاقتصاد الليلي.

وبناءً على ما تقدم، لا ينبغي أن يكون الاقتصاد الليلي استيرادًا ثقافيًا (stereotype)، بل نموذجًا وطنيًا (prototype) متجذرًا في الذاكرة الاجتماعية والهوية الوطنية، ومرتبطًا بعمق الحضارة العراقية تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا.

6- وأخيراً، البعد التنموي والاستراتيجي

إن الاقتصاد الليلي ليس نشاطًا بعد الغروب فحسب، بل هو اختبار لقدرة المدينة على إدارة التعدد، وتحقيق التوازن بين الحرية والنظام، وبين السوق والقيم. وهو كذلك أداة لرفع معدلات التشغيل، وتقليص البطالة، وتعظيم سلاسل القيمة المضافة اقتصاديًا واجتماعيًا.
فالتجربة الصينية تقدم نموذجًا اقتصاديًا منظمًا، فيما تقدم أوروبا نموذجًا حوكميًا تشاركيًا. أما بغداد، عاصمة الدنيا ورمح الشرق القوي، فتمتلك طاقة رمزية واجتماعية كبيرة، تحتاج إلى رؤية وعمل مؤسسي مستدام عالي التكامل كي تتحول من تراثٍ كامن ساكن إلى واقعٍ ديناميكي مزدهر، وربما إلى نموذج فريد في اقتصاد الليل في شرق المتوسط.

ختامًا، إنه الاقتصاد الليلي… سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة عالية التقلب.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل
- كاسترو وزها حديد والشبيبي: على طاولة رمضان
- الركوب المجاني على العقد الاجتماعي: حين تتحول السلطة إلى مشر ...
- دمعتان… حين ينحني الفكر أمام الغياب
- الآباء والأجداد… وهموم الأجيال
- المواعين المهدورة… ذاكرة لا تُرمى
- عندما يغترب الملح
- الحالة الساكنة بوصفها سياسة: قراءة في الاقتصاد الاجتماعي للر ...
- الاقتصادي الراحل فائق علي عبد الرسول حين يرحل العقل… ويبقى ا ...
- للأرقام صبرٌ طويل، لكن للإعلام نَفَسٌ قصير
- الركوب المجاني السالب: من الريع إلى الفضاء العام
- من الرافدين إلى طوكيو : حوار على عجلتين
- بيكاسو العراق
- عشق المظلوم ونداء الحياة : انه قاضِي الحاجات
- تنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الر ...
- الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب
- من تاريخ ترييف المدن وموت الطبقة الوسطى: حين يُهدر رأس المال ...
- جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة
- من سرق كلبنا؟!


المزيد.....




- الجهاد الإسلامي: ممارسات العدو الصهيوني في حق الأسرى تجاوزت ...
- تصعيد إسرائيلي واسع في الضفة: اعتقالات تطال 16 مواطناً وإخطا ...
- تصعيد متسارع بالضفة.. اعتقالات وهدم ومصادرة أراض
- مكتب أممي لحقوق الإنسان بموزمبيق.. خطوة رمزية أم تحول مؤسسي؟ ...
- المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنساني في الأراضي الفلسطينية ...
- البعثة الدولية لتقصي الحقائق في السودان: وثقنا عمليات تعذيب ...
- شهيدان في غارة إسرائيلية على غزة والأمطار تغرق مئات خيام الن ...
- كارثة إنسانية في دارفور: آلاف النازحين بلا مأوى وتضاعف أعداد ...
- الإغاثة الطبية في غزة: القطاع يواجه أزمات متتالية في المياه ...
- ما الذي يحدث مع اللاجئين السودانيين والسوريين في مصر؟


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة