أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خزامي مبارك - الأفندية السودانية: تآكل الاستقلالية وغياب الحس الوطني















المزيد.....

الأفندية السودانية: تآكل الاستقلالية وغياب الحس الوطني


خزامي مبارك

الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الأفندية السودانية: تآكل

الأفندية هي صيغة الجمع لكلمة «أفندي»، وأصلها يوناني، وكانت تُعدّ من ألقاب المدح والتعظيم. أخذها الأتراك من البيزنطيين إلى البلدان التي استعمروها، عربية كانت أم أفريقية. وفي السودان استخدمها البريطانيون للتمييز بين الموظف السوداني والموظف البريطاني العامل في الدواوين الحكومية. وبالتالي أصبح الأفندية السودانيون هم مجموعة الرجال والنساء الذين درسوا وتعلموا على يد المستعمر، واكتسبوا طريقة تفكيره ونمط حياته، وتُعرف أحياناً بالنخبة؛ فهي وكيل المستعمر وخادمه، تقوم بدور الوساطة، وتشمل كل من الشرطي والموظف في المؤسسات الاستعمارية، وأصحاب التعليم الحديث، وربيبة القيم والأخلاق التي جاء بها المستعمر.
كما توسعت العبارة وأصبحت تشمل أيضاً زعماء الإثنيات، ورجالات الإدارة الأهلية، وقادة الجيوش وضباطها. فهم يختلفون عن باقي السكان ومنفصلون عنهم، ودائماً ما يتدخلون بشكل مباشر عند كل تحرك جماهيري ضد الاستعمار، فينصحون السكان الأصليين بعدم التحرك، لأن هناك العصا والمواد الحارقة وغيرها من أدوات البطش؛ أي يقولون لهم: عليكم أن تخافوا، وعلى الاستعمار أن يستمر. إنهم يستخدمون لغة عنفٍ صِرف، بالضبط كما يفعل المستعمر الحقيقي.
وعموماً تقوم دولة ما بعد الاستعمار على هذه الثنائية وفق فرانز فانون؛ ثنائية تقوم على التمايز بين عالم المستعمر الحاكم والمسيطر، وعالم المستعمرين (السكان الأصليين). فإذا نظرنا مثلاً إلى تركيبات مناطق السكن وأماكن إقامة كل منهما، نجد أن مدينة المستعمِر (المستوطن) مدينة صلبة، مبنية بالحجارة والحديد، أنوارها ساطعة، وشوارعها معبدة بالأسفلت، وبها صناديق خاصة بالقمامة، والمستوطن لا تُرى قدماه عاريتين قط، إلا على شاطئ البحر. وعلى كل حال، فهو يعيش في مدينة نظيفة ملساء، ليس بها حصى أو ثقوب.
أما مدينة السكان الأصليين وقريتهم وأماكن سكنهم فهي النقيض؛ مكان سيئ السمعة، يقطنه أشخاص سيئو السمعة. فيه يولد المرء أين كان، وكيف كان، ويموت أين كان، وكيف كان، وبأي شيء. عالم ليس به فواصل؛ فالناس يتكدسون فوق بعضهم بعضاً، والأكواخ تتكدس فوق بعضها بعضاً. مدينة تعيش في ظلام دامس، ليس بها نور، وجائعة تنقصها الخبز واللحم بصورة دائمة، وبكل تأكيد لا تخلو من الأمراض والأوبئة الفتاكة.
هذا العالم المقسم إلى قسمين هو الذي يشكل البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الاستعمار، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وهذه الثنائية تلقي بظلالها على مجمل عملية التحرر الوطني وفق فانون، حيث نجد أن النخبة الوطنية المثقفة في البلد المستعمَر تعقد صلات وثيقة بالمستعمِر (المستوطن) وتفكر مثله، فتتحول إلى فئة طفيلية تفتقر إلى الكفاءة والبراءة، تلعب دور الوكيل والمقاول لصالح الاستعمار، وتكنّ الازدراء للطبقة العاملة والفلاح، وتنأى بنفسها بعيداً عنهم، إذ تعيش وتسكن في مدينة المستعمر النظيفة والملساء. ولا تؤدي أي دور ثوري يمكن أن يخدم التحرر الوطني الحقيقي. وهم الذين يشكلون الأحزاب الوطنية بعد خروج الاستعمار، حيث تبدأ هذه الأحزاب تقدمية وتحررية في بداياتها، ولكن سرعان ما تنتكس وتتحول إلى وكالات أشبه بوكالات تحويل السلطة والامتيازات من أيدي البيض إلى أيدي الملونين من أهل البلد.
أما المواطن العادي غير النخبوي وغير الأفندي، فيظل النقيض لهذه النخبة؛ فهو يحمل الشعور القومي والانتماء للوطن، ولا يتوانى في مواجهة الاستعمار بكل شجاعة.
ولكن ما هو الشعور القومي والانتماء للوطن؟ الانتماء للوطن لا ينفصل عن الاستقلالية بأي حال من الأحوال. فقد عرّفه منهج التحليل الثقافي في سياق حديثه عن بناء الأمة بأنه «القدرة الفطرية، فردياً وجماعياً، على العمل لتحقيق الذات على المستوى الوطني». وتحقيق الذات لا يتم إلا عبر الاستقلالية، بحيث يستطيع الشخص، فرداً كان أو جماعة، إدارة شؤون حياته بمعزل عن أي سلطة من الخارج. وهذا ما عُرف بتكريس السيادة. وعبر ضرب هذه السيادة يتم قتل الشعوب وتجريدها من ذاتيتها. وإذا أردت أن تقتل شخصاً فاسلبه حريته، والحديث في هذا المضمار طويل؛ ومن أراد أن يعرف فعليه بتجريب حياة العبودية ليوم واحد فقط.
أما الحس الوطني فما هو إلا الضمير العام، أو الروح التي تربط جماعة ما داخل حيزهم الجغرافي. تتعدد تسمياته؛ فمنهم من أطلق عليه الأمة، ومنهم من أطلق عليه القومية… إلخ. ولكن يظل جوهر الفكرة بأنه رابط خفي غير ملموس يربط الجماعة ببعضها بعضاً.
تظهر حالة ضعف هذه الاستقلالية والحس الوطني في السودان منذ ردح من الزمان. يقول حيدر إبراهيم، في معرض حديثه عن سيرته الذاتية التي تداخل فيها السياسي بالشخصي، وهو يحاول الوقوف على بعض عناصر فشل السودانيين في إدارة دولتهم: فقد ظهرت التعبير عن هذا الموقف بطرق مختلفة ومن جهات متنوعة. فقد أسس الشيخ (أزرق) من أم درمان حزب «تقدم السودان»، وطالب في مواده بعدم جلاء البريطانيين من البلاد، وأن يتم ذلك بعد 25 عاماً يتمكن خلالها المواطنون من سودنة الوظائف التي كان يشغلها أجانب. كما ألّف الصحافي البريطاني (أنتوني مان) (Anthony Mann)، الذي غطى الانتخابات الأولى عام 1953، كتاباً ساخراً بعنوان (Where God Laughed). وكانت كثير من قيادات الإدارة الأهلية غير متقبلة لجلاء المستعمرين. وهناك الكثير من القصص المضحكة، ولكنه ضحك كالبكاء؛ أن يكون هناك من يتخوف من استقلال بلاده، ويتشكك في حكم أبناء الوطن، ويتخوف منهم.
ويُروى عن العمدة (جفون)، عمدة الشناخاب (كوستي)، أنه طلب وهو على فراش الموت استدعاء آخر مفتش إنجليزي لمركز كوستي ليودعه، فقال: «نادوا لي مستر…». فلما قالوا له: الإنجليز مرقوا (غادروا) من السودان وفاتوا يا عمدة، قال لهم: «مرقوا!؟ اللغت عليهم منو؟ من الذي أساء إليهم؟!». ويحكى أن الناظر (إبراهيم موسى مادبو) سافر إلى لندن مستشفياً بعد الاستقلال، فزاره في المستشفى صديقه، آخر مفتش لـ(دار الرزيقات)، وسأله: كيف هو السودان الآن بعد أن تركناه؟ فأجابه مادبو: «مشوا خليتونا زي اللوري لا نور وبوري».
قد جاء قراءة نص الحاردو في زمن المهدية من هذا المنطلق عبر التحليل الثقافي حيث يقول "ناساً قِباحٍ من الغرب يوم جونا
جابوا التصفية ومن البيوت مرقونا
أولاد ناس عزاز مثل الكلاب سوّونا
يا يابا النفس يا الإنكليز الفونا (الحقونا)
فالأيديولوجيا الإسلاموعروبية تتجلى هنا في إشارته إلى عموم قبائل «البقارة» السودانية الذين شكّلوا عصبية وعُصبة الدولة المهدية تحت قيادة عبدالله التعايشي. فهو ينعتهم بالقبح، ذلك بدلالة عروبته هو، في الوقت الذي كان فيه هؤلاء البقارة يضطهدونه انطلاقاً من إحساسهم بعروبتهم، ذلك بجانب استقوائهم بمؤسسة الدولة التي تمكنوا من أن يضعوا أيديهم عليها بفضل رئاسة ابنهم (عبدالله التعايشي) بها. فانظر كيف تمكنت الأيديولوجيا من تزييف وعيهم لدرجة حرمانهم تماماً من أن يكتشفوا حقيقة انتماءهم لبعضهم البعض. وقد تمثل التفصّل الأيديولوجي وقتها (وربما لا يزال) في تعبير «أهل الغرب» مقابل تعبير «أهل البحر» (وأشدّ حدّة منه «أسياد البلد»). أما انكسار روح الاستقلالية فيهم جميعاً، فيمكن الاستشهاد هنا (فيما يتعلق بمعارضي المهدية)، فهو استنجاده بزعيم الكنيسة الحبشية وقتها (وهو ملك الحبشة)، لينقذه ممن يحكمون باسم الإسلام. فهو لا ينسى صفة التبجيل «يا يابا»، ذلك من باب النكاية؛ فهو المسلم العربي يطلب من الحبشي النصراني أن ينقذه من المسلم العربي، بل أكثر من ذلك تتجه أبصاره إلى ما وراء البحار، يطلب المدد والعون من البريطانيين (الخواجات النصارى). فتصوروا! فكيف نفهم هذا؟"
ولا يكتمل نقاش غياب الحس الوطني وتآكل الاستقلالية عن نخبتنا إلا إذا تأملنا كيف درجت المعارضة السياسية المناهضة لنظام الإنقاذ، في تجربتها الطويلة، على الاستقواء بالخارج. فمنذ انقلاب الإنقاذ المشؤوم وسنّها لسنّة بيوت الأشباح والقتل الجماعي، فرّ السودانيون جماعات وأفراداً إلى دول الغرب طلباً للدعم والمساعدة في مواجهتها، دون وضع الاعتبار أن هذا ينقص من استقلاليتهم وقدرتهم على بناء دولة وطنية ذات سيادة. بعضهم تخلى عن جنسيته لصالح دول اللجوء، وبعض من عاد بعد زوال نظام الإنقاذ عاد حاملاً جنسية أجنبية ليستوزر، وهو لا يملك في جعبته سوى تعليمات وورشات أجهزة مخابرات الدول الأخرى. فتأمل!
أما عن تجربة هذه الحرب الجارية التي شنتها قوى الإمبريالية عبر مليشيا الجنجويد، فحدث ولا حرج؛ فقد وصل الأمر إلى درجة الحديث علناً والتفاخر بالدعم والتمويل الخارجي والاستقواء بالسفارات، وهذا هو العار الوطني بعينه.

مصادر
1_الأفندية ومفهوم القومية في الثلاثين سنة التي اعقبت الفتح في السودان 1898_1938/خالد الكد
2_معذبو الأرض /فرانز فانون ص⁴⁷
3_معذبو الأرض/فرانز فانون ص⁴⁷
4_أزمنة الريح والقلق /حيدر ابراهيم
5- منهج التحليل الثقافي مشروع الدولة الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديموقراطية الخرطوم/2021/محمد جلال هاشم



#خزامي_مبارك (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ومع اقتراب ذكرى مذبحة عنبر جودة أو -عفوية الفلاح السوداني ال ...
- دارفور والحلم الفرانكفوني القديم المتجدد أو دارفور في أروقة ...
- في مقال الرفيق خالد كودي بخصوص بيان كوش: هل هو سوء رأي وخطل ...
- ثماني وثلاثون سنة وتسعة أيام على مذبحة الضعين! هل نحن حقاً ي ...
- ويسألونك عن الإسلاميين!
- مشروع السودان الجديد بين النظرية والتطبيق: عشرون عاماً على غ ...
- العلاقة بين إسلاموية المركوب وظاهرة عمسيب العنصري:
- انظروا كيف دشن حمدوك نفسه كمبرادورًا بدرجة رئيس وزراء!
- السودان الدولة والثورة والصراع الإجتماعي وفرص البقاء:
- عبد العزيز الحلو وحفلة نيروبي التراجوكوميدية من متى نصر اليا ...
- مرآة معكوسة الجوانب
- في فاشر السلطان الحكاية القادمة. ____
- الخطابات الانفصالية: طفل برأسين في جسد واحد أو -التحالف غير ...
- في تسمية الضحايا لجلادهم__ كلمة الجنجويد والذاكرة الشعبية
- حرب الخامس عشر من أبريل: صراع الجيش والدعم السريع أم غزو إمب ...
- خواطر وآمال
- في اليوم العالمي للمهاجرين
- لا يمكن بناء سودان خالٍ من الحروب إلا بالعلمانية:
- سؤال العلمانية في السودان
- النخبة المهزومة تلملم أطرافها من جديد لتصفية الثورة


المزيد.....




- تركيا تتفاوض مع بغداد وواشنطن لإعادة سجناء داعش من سوريا لمح ...
- انقسام أوروبي حاد حول سياسة -اشترِ أوروبيا- في قمة بلجيكا
- أخبار اليوم: رهان وشكوك في قدرة الجيش السوري على ملء الفراغ ...
- قتيل باستهداف إسرائيلي لسيارة جنوبي لبنان
- ترمب مطالبا بالعفو عن نتنياهو: على الرئيس الإسرائيلي أن يخجل ...
- ترامب: كان ينبغي على إيران التوصل إلى اتفاق مبكراً لكنها تلق ...
- الهدنة بين إسرائيل وحماس.. أسرار نجاح الدبلوماسية القطرية
- إسرائيل تندد بخبيرة أممية اتهمتها بارتكاب -إبادة جماعية-
- المتزلج سامر طوق.. من العناية المركزة إلى حلم الأولمبياد
- في مواجهة الانسحاب الأمريكي: 3 سيناريوهات لمستقبل أوروبا الأ ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خزامي مبارك - الأفندية السودانية: تآكل الاستقلالية وغياب الحس الوطني