أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - خزامي مبارك - ومع اقتراب ذكرى مذبحة عنبر جودة أو -عفوية الفلاح السوداني الذي فضح عنف البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الاستعمار















المزيد.....

ومع اقتراب ذكرى مذبحة عنبر جودة أو -عفوية الفلاح السوداني الذي فضح عنف البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الاستعمار


خزامي مبارك

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 18:47
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


"

كان فرانز فانون (ابراهيم) المولود في جزر المارتينك 1925،قد غادر جزر الهند الغربية،بعد عشرين عاماً،بعد أن أدى الخدمة العسكرية ،حيث درس الطب النفسي في فرنسا،ومن ثم غادر فرنسا إلي الجزائر التي كانت مستعمرة فرنسية آنذاك،ليواصل طريقه كطبيب نفسي،ولكن سرعان ما تغيرت كل شئ وألقى بمصيره في صفوف الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر مناضلاً وقيادياً وطبيباً.قبل أن يتوفى في الولايات المتحدة الأمريكية بمرض سرطان الدم عشية استقلال الجزائر عام 1961م
ويتعبر المفكر المارتينكي فرانز فانون أحد أهم المنظرين لنظرية تصفية الإستعمار"decolonisation" إضافة إلي كونه مناضل وثوري جمع بين التجربة النظرية لفكره والممارسة العملية بوجوده الفعلي في صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية،وهذه التجربة الغنية جعل من فانون أحد أشهر الرموز وعلم بارز من أعلام التحرر الوطني، كمان أن لأفكاره وأراءه حول التجربة الاستعمارية صدى واسع يصعب تجاوزه،إن مساءلة التجربة المأسوية التي قامت بها الإمبراطوريات الأوربية في القرن التاسع عشر، لابد لها أن تتم عبر بوابة فانون،لأنه اشتبك معاها وحللها وفككها، باستخدام أدوات نظرية وفكرية واضحة ودقيقة.
لم تكن الاستعمار في حقيقته، تجسيداً للحداثة الأروبية، ولا منبثقاً من ذلك السؤال الانطولوجي الذي صاغه كانط في ورقته، "ما التنوير؟" ولكن بكل بساطة وفي أكثر صوره وضوحاً،هي عملية هدم،وتخريب كامل للنفوس الطيبة المسالمة،إضافة إلي ذلك فهي مؤسسة نهب منظم، تأخذ موارد الشعوب غصباً تحت دوي الأسلحة والمدافع، والإستعمار بصورة أدق،هي التعبير الأكثر فظاظة عن وحشية الإنسان الرأسمالي، وجشعه الذي لا يعرف له نهاية،فهو منذ مجيئه ومن أول وهلة، جاء وهو يحمل كل أدوات التدمير وحفارات القبور الجماعية ،وكما يخبرنا الراوئي الطيب صالح في روايته ذائعة الصيد موسم الهجرة إلي الشمال:"حين جئ لكتشنر بمحمود ود أحمد و هو يرسف فى الأغلال بعد ان هزمه فى موقعة عطبرة قال له :لماذا جئت بلدى تخرب و تنهب ؟ الدخيل هو الذى قال ذلك لصاحب الأرض وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئا فليكن ذلك أيضا شأنى معهم إننى أسمع فى هذه المحكمة صليل سيوف الرومان فى قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي و هي تطأ أرض القدس،البواخر مخرت أول مرة تحمل المدافع لا الخبز ،وسكك الحديد أنشئت أصلا لنقل الجنود. و قد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول "نعم" بلغتهم. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر الذى لم يشهد العالم مثيله من قبل فى السوم وفى فردان، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام"¹.هذه هي الحقيقة التاريخية التي إكتشفها فانون،وسخر قلمه لتشريحها وفهمها، ولم يكتفي بهذا فحسب، بل حمل سلاحه وقاتل ضده وسط الجزائرين.
والسودان كغيره من البلدان الافريقية نالت حظها من هذه التجربة ومازال محمود ود أحمد يرسف في أغلاله،وما شهدناهو من حروب ومآسي طوال سنوات الاستقلال هي احدى تعبيرات هذه البنية ان لم تكن أغلبها.
البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الإستعمار،هي تلك البيئة الإدارية والفكرية والإقتصادية، التي خلقتها التجربة الاستعمارية خلال تجربتها في البلادان المستعمرة، وهي بيئة تشوبها الكثير من السوء، لأنها صنعت أصلاً بفعل العنف والقمع،الإضطهاد والإستعمار بعيد كل البعد من العمل الخيري كما هو معروف،بل هي "تحطيم لصور الحياة الإجتماعية لدى السكان الأصليين"²،وخلص فانون من خلال تحليله أن هذه البيئة ،تنقسم إلي عالمين لايمكن لهم أن يلتقوا أبداً،والخط الفاصل أو الحدود الفاصلة إنما "هي لثكنات مراكز الشرطة"³،عالمين يعيشون في صراع دائم،عالم المستعَمرَين وعالم المستعمِرين،أي المستغِل والمستغلَ،يصل بينهما وسيط،وهذا الوسيط هو وكيلة المستعمرِ وخادمه،يقوم بدور هذه الوساطة كل من الشرطي والموظف في المؤسسات الاستعمارية،أصحاب التعليم الحديث،ربيبة القيم والأخلاق التي جاء بها المستعمر،بحضور دائم وتدخل مباشر ينصحون السكان الأصليين أن لا يتحركون فهناك العصا والمواد الحارقة وغيرها من أدوات البطش،أي عليكم ان تخافوا،وعلى الاستعمار أن يستمر.أنهم يستخدمون لغة عنف صرف بالضبط كما يفعل المستعمر الحقيقي.
تتضح التناقض والتمايز بين عالم المستعمر الحاكم والمسيطر وعالم المستعمرين (السكان الأصلين عندما،نحدق تركيبات مناطق السكن وأماكن إقامة كل منهما،حيث نجد أن مدينة المستعمِر(المستوطن) مدينة صلبة مبنية بالحجارة والحديد،أنوارها ساطعة،وشورعها معبدة بالأسفلت،وبها صناديق خاصة بالقمامة،والمستوطن لا ترى قدماه عاريتين قط،اللهم إلا في شاطئ البحر،على كل حال فهو يعيش في مدينة نظيفة ملساء ليس بها حصى أو. ثقوب.
أما مدينة السكان الأصليين وقريتهم وماكن سكنهم فهو النقيض،مكان سيئ السمعة،يقطنها أشخاص سيئو السمعة،فيه يولد المرء أين كان،وكيف كان،ويموت المرء أين كان،وكيف كان،وبأي شئ،عالم ليس به فواصل فالناس يتكدسون فوق بعضهم البعض،والأكواخ تتكدس فوقها بعضها البعض،مدينة تعيش في ظلام دامس ليس بها نور،وجائعة تنقصها الخبر واللحم بصورة دائمة،وبكل تأكيد لا يخلو من الأمراض والأوبئة الفتاكة.
هذا العالم المقسم إلي قسمين هي التي تشكل البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الإستعمار،إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً،وهذه الثنائية تلقي بظلالها على مجمل عملية التحرر الوطني وفق فانون،حيث نجد أن النخبة الوطنية المثقفة في البلد المستعمرَ، تعقد صلات وثيقة بالمستعمِر(المستوطن)؛وتفكر مثلها،فتتحول إلي فئة طفيلية تفتقر إلي الكفاءة والبراءة، تلعب دور الوكيل والمقاول لصالح الإستعمار،ويكنون الإزدراء للطبقة العاملة والفلاح.وينأى بأنفسهم بعيدين عنهم،حيث يعيش ويسكن في مدينة المستعمر النظيفة والملساء.ولا يؤدون أي دور ثوري يمكن أن يخدم التحرر الوطني الحقيقي. وهم الذين يشكلون الأحزاب الوطنية بعد خروج الإستعمار،حيث تبدأ هذه الأحزاب تقدمية وتحررية في بداياتها ولكن سرعان ما ينتكس ويتحول إلي وكالات أشبه بوكالات تحويل السلطة والإمتيازات من أيدي البيض إلي أيدي الملونين من اهل البلد.
أما الفلاح فهو يظل النقيض لهذه النخبة المثقفة،حيث أنه يحمل الشعور القومي والإنتماء للوطن،ولا يتوانى في مواجهة الإستعمار بكل شجاعة،وبما إن الاستعمار فعل عنيف،فلابد من مواجهته بنفس العنف، والفلاح لايتردد في فعل هذا؛عندما تبدأ التحرر الوطني،وبالتالي لايمكن إحداث ثورة وطنية جذرية دون استيعاب القوى الريفية في الكفاح من أجل التحرر ذلك لأن الفلاح ظل طوال العهود الاستعمارية محافظاً على ذاتيته، يعيشون في بيئة تقليدية ظلت بنيانها سليمة دون أن يخترقها ظلامات الوعي الاستعماري المديني وهذا ما يجعل من الفلاح دائماً ما ينظر بعيون الاستغراب لابن المدينة بل يسيئون الظن به و يحذرون منه كل الحذر فهو يشبه الأروبيين المستعمرين أكثر منهم يلبس ملابسهم يتحدث مثلهم بل له امتيازات أكثر منهم.هذه هي البنية الكولونيالية لدولة ما بعدالإستعمار،والتي يمكن تلخيصها في أهم نقطتين أساسيتين،أولها:دولة تقوم قوامها على النخبة الوطنية التي تحمل وعي المستعمر وتمارس مماراستها،والثانية:هي نظام العنف،فدولة ما بعد الإستعمار تستمد من العنف وجودها وديناميكيتها، مع الإشارة إلي أن هناك سمات أخرى عديدة لهذه البنية،مثل غياب التنمية والإنقلابات العسكرية وعدم الإستقرار السياسي ولكن تظل هذه السمتين أكثر جوهرية.
هذه الرؤية تقودنا إلي طرح أسئلة مهمة وجوهرية حول القوى الإجتماعية التي يمكن المراهنة عليها في عملية التحرر الوطني،وعلى الرغم من أننا نجد الأطروحات الماركسية الكلاسيكية،تراهن بصورة كبيرة على الطبقة العمالية في عملية الثورة والتغير،إلا أن فرانز فانون يقدم لنا رؤى مغايرة ومختلفة إلي حد ما في هذا السياق، فهو لا ينطلق من الرؤية المادية للملكية كأساس للتمايز بين المستعمِر والمستعمَر،بل يدخل عنصر جديد في التحليل وهو التمايز (العرقي)،أو النوع كعامل حاسم ينبغي على الماركسية أخذها بعين الإعتبار،وهنا يقول فانون"مايقسم العالم إنما هو أولاً إنتساب المرء أو عدم إنتسابه إلي نوع معين،إلي عرق معين...."⁴، وهذا لا يقلل من أهمية فكر فانون بقدر ما يزيد من قوته،فلا ماركس ولا أنجلز جزما يوماً بأن البناء الإقتصادي هو العامل الوحيد في حركة الصراع،ولايوجد طريق واحد للثورة.
جاء مراهنة فانون على قوى الريف والفلاحين،لاعتبار أنها قوى يمكن وصفها بأنها قوى ثورية،تساهم بقدر كبير في عملية التحرر الوطني، لأنها تدرك أن عملية تصفية الإستعمار لا تتم إلا بالكفاح المسلح، أما قوى المدينة دائماً تقف في موقع المتردد والمتشكك في جدوى الكفاح المسلح،ويرى فانون أن العامل الحاسم في تحديد خيارات كل قوة،هو تكوينها الثقافي وأين تكمن مصالحها الشخصية في البناء الاجتماعي،فقوى الريف والفلاحين حسب تحليله بعيدة عن التأثير الثقافي للاستعمار،ومصالحها الشخصية لا تلتقي مع المصالح الإستعمارية،وهذا ما يجعلها اكثر جذرية في مسألة التحرر الوطني.
بالعودة إلي محمود ود أحمد وسودانه المنكوب الآن، فقد فجعه هذا العنف العنيف بعد 6 أسابيع فقط من الاستقلال،في واحدة من أبشع الجرائم ليتوالى الجرائم من بعده زمناً بعد آخر إلي يومنا هذه،راحت أكثر من300 روح في هذه الحادثة التي عرفت بحادثة عنبر جودة .
وجودة هي مدينة صغيرة تقع جنوب محلية الجبلين في ولاية النيل الأبيض،تضم مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية،تسكنها قبائل متعددة،أغلبها من القبائل الرعوية التي لم تجاور المدينة الإستعمارية قط أو تذوق نعيمها،أنشئت بها مشروع ضخم بإسم "مشروع جودة الزراعي"حيث أنشأته شركة عبد المنعم الزراعي.
بدأت النزاع بين الإدراة المحلية للمشروع والمزارعين وتعود أسباب النزاع إلى أن جودة مشروع زراعي يتبع لشركة ومزارعوه هم أهل المنطقة ولكل نصيبه من عائدات الإنتاج وفقا لاتفاقات محددة بين الأطراف المتشاركة. ولم يقبض المزارعون حقوقهم في الثلاثة أعوام الأخيرة التي سبقت الكارثة. فطالبوا الإدارة بصرف مستحقاتهم. وتجمعوا من كل القرى التابعة للمشروع محتجين في جودة في يوم 16 فبراير. فأرسلت الحكومة قوة من الشرطة بقيادة صول من أبناء المنطقة اسمه السماني يوسف في محاولة للوصول لحل. وتطور التجمهر إلى اشتباك بين الشرطة والمزارعين سقط فيه قتلى من الجانبين بما فيهم قائد قوة الشرطة. وسقط من الجانب المزارعين سكرتير الاتحاد أبو شلاتين وشهداء آخرين من المزارعين.
حيث يوصف عبد الله علي إبراهيم هذه الأحداث فيقول:
"وحين وصلت أخبار الاشتباكات والقتل إلى كوستي سارعت الجهات الحكومية بإرسال قوة كبيرة تتبعها مجموعة من الشاحنات الثقيلة (قندرانات). بعد وصول القوة لموقع الحدث ألقت القبض على مجموعات كبيرة من المزارعين بلغوا نحو الثلاثمائة بعضهم لم يشترك في الإحداث. وزُج بهم على ظهور الشاحنات تحت الحراسة. وفى اليوم التالي 17 فبراير، وعند العاشرة ليلا، وقفت الشاحنات في داخل حامية كوستي. وتم إنزال الشحنة البشرية امام أحد عنابر الحامية. وتم دفعهم للدخول بقوة السلاح. فاكتظ بهم ذلك العنبر المسقوف بالزنك والخالي من النوافذ في يوم قائظ الحرارة. ولم يسمح لهم مطلقا بشرب الماء منذ القبض عليهم، وترحيلهم، وحبسهم وحتى صباح اليوم التالي. وثبت بأنهم تكدسوا وتلاصقوا بما لا يدع مجالا حتى للتنفس. وليس هناك فتحات لدخول الهواء. ولم تستجب قوة الحراسة لمناداتهم بالاستغاثة. وبعد مرور ساعتين بدأت الأنفاس تخمد. وعند الصباح مات الجميع عدا ثلاثة وضعوا أنوفهم عند فتحات صغيرة في حائط الزنك. أحد الناجين قال: إنه ظل يطرق الزنك بيده بينما كان الحارس يزجره. ونجح في خرق الجدار بسكين الشيء الذي مكنه من وضع انفه على الفتحة.
في صباح 18 فبراير1956 أمرت السلطات بحفر مقبرة جماعية كبيرة. وتم تجريد الجثامين من الملابس والأحذية ثم رموا بهم في تلك الحفرة. ومن ثم أهالوا عليهم التراب وانتهى كل شيء"⁵.
هذه الحادثة تكشف لنا الجانب الآخر من دولة ما بعد الإستعمار ونخبتها المتعالية المغتربة وكيف أنهم ينظرون إلي إبن الريف والفلاح،ينظرون لهم بعيون غربية كولونيالية لا نظرة أهل في وطن واحد وجمعتهم مصير واحد.وكأن فانون قد أخذ دارساته الميدانية منا.
لنرى هذا الحوار الغريب بين الضابط علي الفضلي وسكرتير إتحاد مزارعي النيل الأبيض حسب ماورد في كتاب عنبر جودة لحسن العبيد مدني..." ينبري الضابط المذكور (علي الفضلى) بمخاطبة سكتير الاتحاد قائلاً (أنا ما عارف أي إنفاق....إنتو رواعية غنم بس عملو ليكم مشروع وكمان عاوزين مطالب؟؟وعاوزين مدرسة وشفقانة وكمان انتو الواحد لو جاهو جواب يمشي القيقر قاطع مسافة خمسين ميل عشان يقروه ليهو ..يلا أمشي قدامي قبل ما أملاك نار!!"⁶ تأملو هذه النظرة الغريبة،انها نظرة كتشنر وغرودن نفسها،نظرة لا ترى في الفلاحين سوى أنهم مجرد رعاة لا يفقهون قيم الحداثة والدولة انهم غير متعلمين، هذا الضابط نموذج جيد للأنسان أسود بقناع أبيض،أنه إثر الكولونيالية وعنفها.
يمكن متابعة هذه الجدلية في مستويات متعددة (جدلية النخبة المغتربة والفلاحين) في أماكن مختلفة من السودان الشاسع، حيث نجد أن تجربة جبال النوبة وكفاحهم الطويل مع النخب الوطنية خير دليل على ذلك، حيث إنهم، وفي وقت مبكر، اكتشفوا هذه المأساة. وكما يشرح فانون في تحليله لظاهرة العنف، فإن المستعمِر يعتمد على العنف كوسيلة للحفاظ على السيطرة. تواصل البنية الكولونيالية التي تحكم دولة ما بعد الاستعمار هذا العنف، ولكن في شكل جديد موجه ضد مجتمعات مثل الفلاحين وأهل الريف في السودان. يظهر محمد عطا البطحاني، في كتابه "الإثنية السياسية في جبال النوبة"، كيف تم استغلال الإثنية السياسية لقمع سكان جبال النوبة والفلاحين بشكل عام. هذه السياسة لا تختلف عن سياسة الاستعمار الأوروبي التي وصفها فانون، حيث كانت تسعى إلى "تحطيم صور الحياة الاجتماعية" وفرض نظام الهيمنة. في السودان، نجد أن نفس هذا العنف الذي استخدمته السلطات السودانية في حادثة عنبر جودة قد تكرر في مناطق مثل جبال النوبة، حيث تم استهداف المجتمعات المحلية بطريقة مشابهة، إذ استخدموا كل صور العنف، حتى وصلت إلى درجة القصف بالطيران في قمعهم للقوى المطلبية التي نادت بحقوقها في الدولة الوطنية، مثل اتحاد جبال النوبة وتنظيم الكومولو وغيرها، في تكرار مأساوي لسلوك الاستعمار في قمع ثورة الفكي علي الميراوي والسلطان عجبنا والمك كوبانقو وغيرهم.

إذا ما راجعنا خطاب السلطة وطريقة تعاطيها مع القوى الاجتماعية في جبال النوبة، فهناك العجائب، هذا إلي غضينا الطرف عن لغة الانقاذ وتجربتها البائدة وعلى كل حال وإلي يومنا هذا ظل أهالينا في جبال النوبة رعايا من الدرجة الثالثة في دولة ما بعد الاستعمار وأمبيات في نظر الجنجويد حليف القيادة لحركتهم الشعبية ورغم أن المسألة بحاجة إلى تعميق أكثر،كونه ما يحدث الآن تطويراً للعنف الاستعماري وأخذه إلي مرحلة جديدة اعقد وأعنف من قبل.
وبالمثل في دارفور، التي مثلت فيها اليقظة الثورية الممتدة لأكثر من عشرين عاماً، ما بين كفاح مسلح واعتصام سلمي، أحد التعبيرات عن هذا الاشتباك. حيث نجد أن قوى الكفاح المسلح، مثل حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان 2003 والعديد من التنظيمات المسلحة في دارفور، إذا ما نظرنا إلى الخلفية الاجتماعية التي تسندها، نجد أنها قوى ريفية وفلاحية انضمت إلى هذه الحركات نتيجة للعنف والتهميش الذي تم ممارسته ضدهم بواسطة دولة ما بعد الإستعمار.
ولا تنحصر جدلية العنف و الصراع بين الفلاحين في النماذج المذكورة أعلاه بل تمتد في كل بقاع السودان من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها تمتد طول التاريخ وعرضها.
ويبقى المخرج الوحيد من البنية الكولونيالية لدولة ما الاستعمار هي الثورة الوطنية بشروط السودانين ،التي تستوعب الفلاحين وتضع لهم الاعتبار باعتبارهم قوى تحرر وطني غير ملوث بالوثن الاستعمار،حيث انه لا حركة وطنية بلا قوى ريفية وفلاحية ،كما أن هناك العديد من الفرص للنخبة الوطنية أن يتنازلوا عن إمتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية في سبيل بناء دولة وطنية مستقلة تشارك الجميع في صناعة قرارها.ولكن كي لا يؤخذ هذا الحديث بالتسطيح المتفشي هذه الأيام، الثورات الوطنية تخرج من داخل المجتمع وبشروط واقعها من القاعدة وليس من خارجها، لذلك من أراد ثورة وطنية فعليه بالطرق الشاقة التي تأتي من البناء الاجتماعي وليس كما يحدث الآن عبر البندقية المستأجرة التي رأها البعض طريقاً مختصراً فارتدو ،ردة لم يسبقها ردة.


المصادر:-
1_موسم الهجرة إلي الشمال/الطيب صالح ص⁷⁸
2_معذبو الأرض /فرانز فانون ص⁴⁷
3_معذبو الأرض/فرانز فانون ص⁴⁷
4_نفس المصدر ص⁶
5_في الذكرى الرابعة والستين لمأساة عنبر جودة (16-18 فبراير 1956)
/عبد الله علي إبراهيم فيسبوك.
6_عنبر جودة (وعشرين دستة من البشر)/حسن العبيدي ص³⁹



#خزامي_مبارك (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دارفور والحلم الفرانكفوني القديم المتجدد أو دارفور في أروقة ...
- في مقال الرفيق خالد كودي بخصوص بيان كوش: هل هو سوء رأي وخطل ...
- ثماني وثلاثون سنة وتسعة أيام على مذبحة الضعين! هل نحن حقاً ي ...
- ويسألونك عن الإسلاميين!
- مشروع السودان الجديد بين النظرية والتطبيق: عشرون عاماً على غ ...
- العلاقة بين إسلاموية المركوب وظاهرة عمسيب العنصري:
- انظروا كيف دشن حمدوك نفسه كمبرادورًا بدرجة رئيس وزراء!
- السودان الدولة والثورة والصراع الإجتماعي وفرص البقاء:
- عبد العزيز الحلو وحفلة نيروبي التراجوكوميدية من متى نصر اليا ...
- مرآة معكوسة الجوانب
- في فاشر السلطان الحكاية القادمة. ____
- الخطابات الانفصالية: طفل برأسين في جسد واحد أو -التحالف غير ...
- في تسمية الضحايا لجلادهم__ كلمة الجنجويد والذاكرة الشعبية
- حرب الخامس عشر من أبريل: صراع الجيش والدعم السريع أم غزو إمب ...
- خواطر وآمال
- في اليوم العالمي للمهاجرين
- لا يمكن بناء سودان خالٍ من الحروب إلا بالعلمانية:
- سؤال العلمانية في السودان
- النخبة المهزومة تلملم أطرافها من جديد لتصفية الثورة
- لا ثورة وطنية بلا قوى ريفية


المزيد.....




- Hands off Venezuela,
- Iran’s Currency Crisis Sparks Protests and Attracts Foreign ...
- Trump’s Board of Peace Is a Dystopia in Motion
- صوفيا ملك// الإبادة الصامتة
- حزب التقدم والاشتراكية يعزي في وفاة المرحوم الاستاذ عبّد الر ...
- حين يُختزل الصراع في جيل: عن يناير وجيل زد وكيف يُعاد إنتاج ...
- الديمقراطية» تحيي أحرار وشعوب العالم في حراكهم الدولي اليوم، ...
- شاهد.. وشم -أيقوني- يصبح رمزًا للمتظاهرين المناهضين لإدارة ا ...
- How Trump’s Spite Derailed a Manufacturing Boom
- عين على نضالات طبقتنا


المزيد.....

- [كراسات شيوعية]اغتيال أندريه نين: أسبابه، ومن الجناة :تأليف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - خزامي مبارك - ومع اقتراب ذكرى مذبحة عنبر جودة أو -عفوية الفلاح السوداني الذي فضح عنف البنية الكولونيالية لدولة ما بعد الاستعمار