أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك















المزيد.....

في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 15:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في زمن التيه العربي: أسئلة المعنى والوعي والمصير المشترك

* البشير عبيد

لا يمكن النظر إلى اللحظة العربية الراهنة بوصفها مجرّد تتابع أزمات أو اضطرابات ظرفية، بل بوصفها حالة تاريخية مركّبة، تتقاطع فيها السياسة بالثقافة، والتاريخ بالوعي، والواقع بالتصوّر. نحن إزاء زمن لا تتحدد ملامحه فقط بما ينتجه من وقائع، بل بما يكشفه من عجز عن الفهم، ومن ارتباك في تفسير الذات والعالم. هنا، لا تصبح العاصفة استعارة بلاغية عابرة، بل إطارًا ذهنيًا عامًا، نرى من خلاله الأشياء، ونفكّر داخله، ونقيس به قدرتنا على الاستمرار والمعنى.
ما يلفت الانتباه في هذا السياق ليس كثافة الخطاب بقدر ما هو هشاشته المعرفية. الأسئلة تُطرح بكثرة، لكنها نادرًا ما تُستكمل. المفاهيم تتردّد، لكنها لا تُفكَّك ولا تُراجع. اللغة حاضرة بكثافة، غير أنّ المعنى يتآكل تحت وطأة التكرار والاستعمال الاستهلاكي. وهنا يبرز السؤال الإشكالي المركزي: هل نعيش أزمة وقائع، أم أزمة وعي بكيفية إدراك هذه الوقائع وتأويلها؟ وهل ما نعانيه هو انسداد في السياسة وحدها، أم انسداد أعمق في الخيال التاريخي، وفي القدرة على إنتاج معنى جامع يتجاوز اللحظة؟

العاصفة كزمن طويل لا كلحظة طارئة

حين تتوالى الأزمات دون أن تُنتج وعيًا جديدًا، تتحوّل من أحداث استثنائية إلى بنية زمنية ممتدّة. لا يعود الانهيار مفاجئًا، ولا الصدمة محفّزة للتفكير، بل يصبح الاضطراب حالة شبه طبيعية، ويتحوّل الاستثناء إلى قاعدة غير معلنة. في مثل هذا السياق، تفقد المفاهيم قدرتها على الإضاءة، وتتحوّل اللغة إلى أداة توصيف عاجزة عن النفاذ إلى العمق، فيما يتراجع التفكير التحليلي أمام ضغط اللحظة وإلحاح الحدث.
العاصفة، بهذا المعنى، ليست فقط ما يقع في الواقع، بل ما يقع في الذهن أيضًا. إنها لحظة يُصاب فيها التفكير بالتشظي، ويعجز عن الربط بين الأسباب والنتائج، وبين الماضي والحاضر، وبين التجربة والمعرفة. لقد جرى التعامل مع التاريخ العربي الحديث في كثير من الأحيان بوصفه سلسلة من الإخفاقات المنفصلة، لا بوصفه مسارًا متصلًا له منطقه الداخلي، وتحولاته، وتناقضاته. وبهذا، ضاع البعد التراكمي للتجربة، وحلّ مكانه وعي مناسباتي لا يرى إلا اللحظة، ولا يفكّر إلا تحت ضغطها.
السؤال الإشكالي هنا لا يتعلّق فقط بتوصيف الأزمة، بل بطريقة التفكير فيها: هل نمتلك تصورًا تاريخيًا متماسكًا لما نعيشه، أم أننا نتحرّك داخل زمن بلا ذاكرة تحليلية، نعيد فيه الأخطاء نفسها بأسماء جديدة، وبالآليات ذاتها؟

مأزق الوعي: حين تفقد الأسئلة وظيفتها المعرفية

أحد أخطر تجليات العاصفة يتمثّل في ما أصاب الوعي العربي من إنهاك وتآكل. لم يعد الوعي فضاءً مفتوحًا للتفكير الحر، بل أصبح في كثير من الأحيان ميدانًا لتنازع يقينيات متقابلة، كلّ منها يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، ويُقصي ما عداها. في هذا المناخ، تفقد الأسئلة براءتها المعرفية، وتتحوّل من أدوات كشف إلى أدوات تموضع، أو إلى شعارات مضمَرة تحمل أجوبتها سلفًا.
لقد تراجع السؤال بوصفه مغامرة فكرية، لصالح خطاب يطمئن أكثر مما يفسّر، ويكرّر أكثر مما يكتشف. وغالبًا ما يُنظر إلى الشكّ باعتباره تهديدًا، وإلى التعقيد بوصفه عجزًا عن الحسم. هكذا، يُصاب الوعي بالانغلاق، ويفقد قدرته على التمييز بين ما هو بنيوي وما هو عارض، وبين ما هو تاريخي وما هو ظرفي.
المشكلة هنا ليست في غياب النقاش، بل في تسطّحه المعرفي. كثير من الحوارات السائدة تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها، باللغة ذاتها، وبالنتائج ذاتها، دون أن تجرؤ على مساءلة المسلّمات التي تنطلق منها. وهنا يصبح السؤال الإشكالي ضرورة لا ترفًا: هل نملك وعيًا نقديًا قادرًا على تفكيك ذاته، أم أننا نكتفي بتجاور مواقف لا تلتقي عند أفق معرفي مشترك؟

تفكّك المعنى بين الأمة والتاريخ والهوية

من أكثر المفاهيم التي أصابها الإنهاك في زمن العاصفة مفهوم “الأمة”. لم يعد هذا المفهوم إطارًا جامعًا للتجربة التاريخية الحيّة، بل تحوّل في كثير من السياقات إلى رمز عاطفي، أو إلى مرجعية انتقائية يُستدعى منها ما يخدم اللحظة، ويُهمَل منها ما يربك السردية السائدة. هكذا، جرى فصل الأمة عن تاريخها الحي، وتحويلها إلى صورة ذهنية جامدة، لا تُنتج وعيًا بقدر ما تُنتج حنينًا أو شعورًا دائمًا بالفقد.
العلاقة بين الأمة والتاريخ لم تُفكَّر غالبًا بوصفها علاقة نقدية، بل بوصفها علاقة تمجيد أو إنكار. إمّا ماضٍ مثالي يُستدعى بلا مساءلة، أو تاريخ يُدان جملةً ويُحمَّل مسؤولية الحاضر. في الحالتين، يغيب التفكير التاريخي بوصفه أداة للفهم، ويحلّ محلّه خطاب وجداني لا ينتج معرفة، ولا يساعد على تجاوز المأزق.
السؤال هنا ليس عن الماضي في ذاته، بل عن طريقة قراءته وتأويله: كيف يمكن لأمة أن تتقدّم، وهي لم تحسم بعد علاقتها بتاريخها، ولم تتعامل معه باعتباره تجربة بشرية مركّبة، فيها الإنجاز كما فيها الإخفاق، وفيها الدروس كما فيها الأخطاء؟.

اللغة والمفاهيم: حين يتقدّم اللفظ ويتراجع المعنى

لا تقلّ أزمة اللغة خطورة عن أزمة الوعي، فاللغة ليست أداة محايدة، بل الحاضنة الأولى للفكر، ومرآة لطريقة إدراك الواقع. في زمن العاصفة، تتعرّض اللغة إلى استهلاك مفرط، فتتآكل المفاهيم من كثرة التداول، وتفقد الكلمات قدرتها على الإشارة الدقيقة. تُستعمل المصطلحات الكبرى بلا تدقيق، وتُحمَّل بأكثر مما تحتمل، أو تُفرَّغ من مضمونها النقدي.
حين تفقد المفاهيم صرامتها، يصبح الحوار مستحيلًا، لأن الأطراف لا تتجادل حول أفكار، بل حول ألفاظ متشابهة بمعانٍ مختلفة. وهنا تتعمّق القطيعة المعرفية، ويتحوّل النقاش إلى جدل دائري لا ينتج معرفة ولا يفتح أفقًا. إن أزمة اللغة هي في جوهرها أزمة تفكير، لأن الفكر لا يمكن أن يتجاوز حدود اللغة التي يفكّر بها.
السؤال الإشكالي في هذا السياق هو: هل نمتلك اليوم لغة قادرة على حمل تعقيد تجربتنا التاريخية، أم أننا أسرى معجم مستهلك يعيد إنتاج العجز نفسه؟

سؤال الإمكان: التفكير كفعل إنقاذ للمعنى

في قلب هذا المشهد المربك، لا يبدو سؤال الإمكان سؤالًا عمليًا مباشرًا، بل سؤالًا فكريًا بالأساس. الإمكان لا يبدأ من المشاريع الكبرى، بل من استعادة القدرة على التفكير خارج القوالب الجاهزة، وعلى طرح الأسئلة التي لا تبحث عن إجابات سريعة، بل عن مسارات فهم أعمق وأكثر صبرًا.
التفكير، في زمن العاصفة، ليس ترفًا ثقافيًا، بل فعل مقاومة ضد التبسيط، وضد اختزال الواقع في ثنائيات مريحة. إنه محاولة لإنقاذ المعنى من التآكل، وإعادة الاعتبار للوعي بوصفه شرطًا لأي تحوّل تاريخي. لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يقوم على أرضية معرفية هشة، أو على وعي خائف من الشك، أو على لغة عاجزة عن التعبير.
ربما لا نملك اليوم أجوبة حاسمة، لكننا نملك ما هو أثمن: القدرة على إعادة فتح الأسئلة. والسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا، لا بحثًا عن طمأنينة زائفة، بل عن أفق تفكير جديد: هل نريد فهم العاصفة، أم الاكتفاء بالتكيّف معها؟ وهل ما زال لدينا الاستعداد للدفاع عن المعنى بوصفه شرطًا للنجاة، لا مجرد ترف فكري؟

* كانب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي /الصهيوني.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...
- مواطنون لا رعايا : من أجل جمهورية ديمقراطية إختماعية تونسية ...
- محور المقاومة العربية : استراتيجيات الصمود و مسارات التاثير ...
- غزة و التحولات الإقليمية..حدود القوة و إمكانات التغيير
- الأمة العربية بين الوعي و المقاومة : صراع التاريخ و الخيارات ...
- شهادة نعتزً بها و تدفعنا إلى الأمام...
- الحبكة المقدسة : الدين في السينما الغربية
- السياسة و اللحظة الحاسمة : بين الإدراك التاريخي و القرار الج ...
- انيسة عبود ..بين النعنع البرًي و صدى الروح الأدبية
- الذكرى الثانية لطوفان الأقصى : سقوط الأسطورة الصهيونية و صعو ...
- هاني بعل الكنعاني لصبحي فحماوي بين التاريخ و الأسطورة و الهو ...


المزيد.....




- في تايوان.. تأكد من أن أموالك جديدة في رأس السنة القمرية إلي ...
- الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف من القوات الأمريكية
- مع لقطات من طفولتها وكلمات من قصائده.. محمد بن راشد يصف زوجت ...
- اعتداء جنسي ضدّ الأطفال: شهادات حقيقية لشباب يحوّلون الألم إ ...
- -منشور ترامب العنصري عن عائلة أوباما شكّل جرس إنذار للبعض-- ...
- ماذا نعرف عن الجماعة الجهادية المتهمة بمحاولة اغتيال أحمد ال ...
- ترامب في صدارة التقييم.. استطلاع يكشف رأي الإسرائيليين في رؤ ...
- تقارير استخباراتية: زعيم كوريا الشمالية يمهّد الطريق لابنته ...
- أرقام تبعث على القلق.. اختفاء 50 ألف قطعة سلاح في ألمانيا
- ما ردود فعل السلطات الإيرانية على زيارة نتنياهو إلى واشنطن و ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك