أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات















المزيد.....

اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 15:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اليسار العربي: مراجعة موجعة في الوعي والخيارات

* البشير عبيد

لم تكن أزمة اليسار العربي وليدة اللحظة، ولا نتيجة ظرف سياسي عابر أو إخفاق انتخابي محدود، بل هي حصيلة تاريخ طويل من الاختلالات البنيوية في الوعي والخيارات والمسارات. أزمة تراكمت ببطء، وتغذّت على سوء الفهم المتبادل بين الفكرة والواقع، ثم انفجرت دفعة واحدة مع التحولات العاصفة التي شهدها العالم، فوجد اليسار العربي نفسه مكشوفًا، مرتبكًا في الرؤية، ومعزولًا عن المجتمع الذي ادّعى يومًا تمثيله والدفاع عن مصالحه. ولم يكن هذا العزل مفروضًا من الخارج وحده، بل شارك اليسار ذاته في صناعته، حين أخطأ في قراءة شروط الفعل التاريخي، وتجاهل تعقيدات المجال العربي سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
منذ نشأته، لم يتكوّن اليسار العربي بوصفه استجابة عضوية للحاجات المحلية، بل جاء في جزء كبير منه انعكاسًا لصعود اليسار العالمي، وخصوصًا التجربة السوفييتية، التي تحوّلت من مصدر إلهام نظري إلى مركز وصاية فكرية وسياسية. هذا الارتباط المبكر بالمركز أنتج وعيًا تابعًا، وأفضى إلى تبنٍ غير نقدي لمواقف دولية لم تكن منسجمة مع السياق العربي ولا مع تاريخه الاستعماري الخاص. وقد تجلّى ذلك بوضوح في التعامل الإشكالي مع القضايا الوطنية والقومية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حين بدت مواقف بعض الأحزاب اليسارية العربية ملتبسة أو منفصلة عن الوجدان الشعبي، ما أحدث شرخًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا، وأسهم في تآكل الثقة التاريخية بين اليسار والجمهور، وفتح المجال أمام قوى أخرى لاحتكار خطاب التحرر والمقاومة.
إلى جانب هذا الارتهان الخارجي، وقع اليسار العربي في مأزق ثقافي عميق تمثّل في القطيعة مع المجال الديني والحضاري لمجتمعاته. فبدل أن يتعامل مع الدين بوصفه بنية رمزية وتاريخية حاضنة للمعنى، ومجالًا للصراع الاجتماعي والثقافي، اختار في كثير من تجاربه مواجهته بخطاب إقصائي أو اختزالي، متأثرًا بنموذج حداثي مادي صارم لا يراعي الخصوصيات التاريخية للمجتمعات العربية. هذا الخيار لم يؤدِّ إلى علمنة المجتمع، بل إلى عزل اليسار نفسه، إذ بدا في نظر قطاعات واسعة قوة ثقافية متعالية، تنظر إلى الناس من علٍ، وتخاطبهم بلغة لا تشبه أسئلتهم ولا مخاوفهم ولا تمثّلاتهم للعدالة والكرامة.
اقتصاديًا، تكشّفت الأزمة بوضوح أكبر. فقد استعار اليسار العربي أدوات تحليل صُمّمت لاقتصادات صناعية متقدمة، أو لتجارب اشتراكية مركزية، في حين أن الواقع العربي كان – ولا يزال – محكومًا ببنى زراعية وريعية، واقتصادات تابعة، وأنماط إنتاج هجينة ومشوّهة. هذا الخلل العميق بين الأداة والواقع جعل البرامج اليسارية عاجزة عن تقديم حلول تنموية قابلة للتحقق، وبدا خطابها الاقتصادي أقرب إلى بيان نوايا أخلاقي منه إلى مشروع اقتصادي اجتماعي متكامل، قادر على معالجة الفقر، والبطالة، والتفاوت الجهوي، والارتهان للأسواق الخارجية.
ومع مرور الزمن، تحوّل اليسار العربي إلى ظاهرة نخبوية بامتياز. نخب فكرية وسياسية وثقافية تتداول خطابها داخل دوائر مغلقة، وتعيد إنتاج مفاهيمها في فضاءات معزولة عن هموم المجتمع اليومية. هذا الاغتراب المتبادل – اغتراب النخب عن الناس، واغتراب الناس عن اليسار – كان من أخطر مظاهر الأزمة، لأنه أفقد المشروع اليساري قاعدته الاجتماعية، وحوّله إلى قوة رمزية محدودة التأثير، عاجزة عن تحويل السخط الاجتماعي إلى فعل سياسي منظم.
وتتعمق هذه الأزمة حين نتأمل فشل اليسار العربي في بناء تحالفات تاريخية واسعة. فبدل السعي إلى جبهات اجتماعية عريضة تجمع العمال، والفلاحين، والطبقة الوسطى، وقوى التحرر الوطني، انغلق اليسار في صراعاته الداخلية، وانشطر إلى تنظيمات صغيرة متناحرة، تتنافس على الشرعية الأيديولوجية بدل التنافس على تمثيل المصالح الاجتماعية. هذا التفكك الذاتي حرم اليسار من لعب دور تاريخي في لحظات التحول الكبرى، وترك الساحة لقوى أكثر تنظيمًا وأشد بساطة في خطابها.
ولعلّ المفارقة الأشد إيلامًا تكمن في عجز اليسار عن تحويل شعاراته الكبرى – العدالة، المساواة، التحرر – إلى وقائع ملموسة حين أُتيحت له فرص التأثير أو المشاركة في السلطة. ففي لحظات الاختبار، بدت بعض التجارب اليسارية أسيرة الخطاب الأيديولوجي، أو متورطة في مساومات أفقدتها مصداقيتها، أو عاجزة عن إدارة التوتر الدائم بين المثال والواقع. وهنا، لم يعد الفشل سياسيًا فحسب، بل أخلاقيًا أيضًا، لأن الفجوة بين القول والفعل اتسعت إلى حد يصعب ترميمه.
داخليًا، لم تكن البنى الحزبية اليسارية أقل إشكالًا. فقد أعادت كثير من هذه التنظيمات إنتاج أنماط سلطوية تناقض خطابها النظري: زعامات مغلقة، غياب تداول القيادة، ضعف الديمقراطية الداخلية، وتقديس التاريخ التنظيمي على حساب النقد والمراجعة. هذه البنية المغلقة ساهمت في نفور أجيال شابة، وجعلت اليسار يبدو كقوة سياسية هرِمة، غير قادرة على التجدد أو مخاطبة تحولات المجتمع.
ثم جاء الانكسار الأكبر مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي. لم يفقد اليسار العربي حينها حليفًا دوليًا فقط، بل فقد مرجعيته الرمزية، ومعها كثيرًا من يقينياته الفكرية. في عالم تقوده العولمة الرأسمالية والنيوليبرالية، عجز اليسار العربي عن فهم التحولات الجديدة: صعود الفردانية، تفكك الطبقات التقليدية، انتشار العمل الهش، اقتصاد المنصات، وتحوّل الدولة الوطنية نفسها. بدا كأنه يواجه عالمًا جديدًا بأدوات قديمة.
ولا تكتمل المراجعة دون مساءلة علاقة اليسار بالدولة. فقد ظل متأرجحًا بين رفض راديكالي يرى الدولة أداة قمع مطلقة، وبين اندماج نفعي داخل مؤسساتها بحثًا عن شرعية أو نفوذ. في الحالتين، فشل في بلورة تصور لدولة وطنية ديمقراطية ذات بعد اجتماعي، قادرة على الجمع بين السيادة، والعدالة، والحريات، والتنمية المتوازنة.
كما أخطأ اليسار حين تعامل مع المجتمع بوصفه كتلة جاهزة للتسييس، متجاهلًا تعقيد البنى الثقافية والرمزية والذاكرة الجمعية. فالفقر لا ينتج وعيًا ثوريًا تلقائيًا، والظلم لا يتحول إلى فعل سياسي منظم دون خطاب يفهم لغة الناس، ويخاطب رموزهم، ويعترف بتناقضاتهم. هنا تحديدًا فشل اليسار في إنتاج سردية كبرى بديلة، قادرة على منافسة السرديات الدينية أو الليبرالية أو الشعبوية.
ومع ذلك، لا يمكن إعلان نهاية اليسار العربي بسهولة. فالأزمات العميقة تحمل في طياتها إمكانات كامنة للتجديد، شرط امتلاك شجاعة النقد الذاتي، والتخلي عن الأوهام، وإعادة التفكير في الأسئلة الكبرى. يسار جديد يعيد وصل السياسة بالمجتمع، ويصالح الحرية مع العدالة، ويجعل من القضايا الوطنية والقومية، وفي مقدمتها فلسطين، اختبارًا دائمًا لصدقيته الأخلاقية والسياسية.
إن المراجعة الموجعة التي يحتاجها اليسار العربي اليوم ليست جلدًا للذات، ولا حنينًا إلى ماضٍ منقضٍ، بل فعل شجاعة فكرية وتاريخية. مراجعة تضع التجربة في سياقها، وتحررها من القداسة، وتفتح أفقًا جديدًا للفعل السياسي والاجتماعي.
تلك هي المراجعة الموجعة في الوعي والخيارات:
إما بداية مسار جديد،
أو الخاتمة الثقيلة لتجربة لم تنجح في مصالحة الفكرة مع الواقع.

* كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...
- مواطنون لا رعايا : من أجل جمهورية ديمقراطية إختماعية تونسية ...
- محور المقاومة العربية : استراتيجيات الصمود و مسارات التاثير ...
- غزة و التحولات الإقليمية..حدود القوة و إمكانات التغيير
- الأمة العربية بين الوعي و المقاومة : صراع التاريخ و الخيارات ...
- شهادة نعتزً بها و تدفعنا إلى الأمام...
- الحبكة المقدسة : الدين في السينما الغربية
- السياسة و اللحظة الحاسمة : بين الإدراك التاريخي و القرار الج ...
- انيسة عبود ..بين النعنع البرًي و صدى الروح الأدبية
- الذكرى الثانية لطوفان الأقصى : سقوط الأسطورة الصهيونية و صعو ...
- هاني بعل الكنعاني لصبحي فحماوي بين التاريخ و الأسطورة و الهو ...
- الجمهورية الممكنة..من الرعوية إلى المواطنة


المزيد.....




- رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام
- ما الذي يجري في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟ مراسل CNN يشر ...
- وُجدت جثتها داخل حقيبة سفر.. جريمة مروّعة تهزّ مصر وتكشف فش ...
- أسطول عالمي جديد: 100 قارب وآلاف الناشطين يبحرون لكسر حصار غ ...
- أخبار اليوم: إجلاء أكثر من 140 ألف شخص تحسبا للفيضانات في ال ...
- هل يشتعل القرن الإفريقي في خضم التنافس الإماراتي السعودي؟
- لماذا نُقلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من إسطنبول إلى مسق ...
- نتنياهو يحذر من -تعاظم- قوة الجيش المصري
- تقرير: نتنياهو طلب مراقبة ومنع تعاظم قوة الجيش المصري
- إيران.. تعيين علي شمخاني أمينا لمجلس الدفاع


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات