أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود التجديد















المزيد.....

اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود التجديد


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


اليسار العربي في زمن الانكسار العالمي: أزمة الدور وحدود التجديد

* البشير عبيد

في زمن التغيّرات المتسارعة والتحولات العالمية العميقة، يواجه اليسار العربي أزمة غير مسبوقة، ليس فقط في أدواته التنظيمية أو خطاباته التقليدية، بل في جوهر دوره السياسي والثقافي والاجتماعي. فالعالم الذي صاغ مرجعياته النظرية وأدواته النضالية لم يعد كما كان، الرأسمالية نفسها تحوّلت، الدولة الوطنية تبدّلت أدوارها، وتفكّكت أشكال الصراع الاجتماعي الكلاسيكية، مما يجعل من السؤال عن الدور الحقيقي للّيسار العربي سؤالًا وجوديًا: كيف يقرأ الواقع اليوم، وبأي أدوات، وبأي أفق؟
منذ نهاية الحرب الباردة، دخل النظام العالمي مرحلة هيمنة نيوليبرالية متطرفة، لم تعد فيها السوق مجرّد فضاء اقتصادي، بل أيديولوجيا شاملة تعيد إنتاج السلطة والمعنى والوعي الاجتماعي. النيوليبرالية اليوم لا تكتفي بإعادة توزيع الثروة لصالح القلّة، بل أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها، وحوّلت السياسة إلى إدارة تقنية، والدولة إلى وسيط لخدمة رأس المال، والإنسان إلى فرد منعزل، يتحمّل وحده مسؤولية مصيره. في هذا السياق، تُفرّغ مفاهيم العدالة والحرية والديمقراطية من مضمونها الاجتماعي لتصبح شعارات إعلامية لا تعكس الواقع.
هذا التحوّل البنيوي أصاب الأرضية الفكرية للّيسار العربي في صميمها. فجزء كبير من خطاب اليسار ظلّ يتعامل مع الرأسمالية بوصفها نظام إنتاج تقليدي، في حين أنها اليوم نظام مالي وريعي يهيمن على الإعلام والثقافة والوعي الاجتماعي. وبينما كان يُفترض باليسار تطوير أدواته التحليلية لمواجهة هذه التحولات، ظلّ جزء منه أسير مقولات جاهزة، أو متشبّثًا بنماذج تنظيمية تقليدية لم تعد صالحة للتطبيق في سياق العالم المعاصر.
تاريخيًا، ارتبط تشكّل اليسار العربي بسياق مزدوج: مقاومة الاستعمار، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية داخل الدولة الوطنية الناشئة. وقد منح هذا التلاقي شرعية واسعة للّيسار، وجعله فاعلًا مركزيًا في السياسة والثقافة، وموضع ثقة جماهيرية واسعة في الفضاء العام. غير أن الدولة الوطنية نفسها، في كثير من السياقات العربية، تحوّلت من أفق محتمل للتحرر والتنمية إلى جهاز لإدارة التبعية، وضبط المجتمع، وإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية. هذا التحوّل وضع اليسار أمام مأزق نظري وسياسي عميق: كيف يمكن نقد الدولة دون الوقوع في الفراغ السياسي، وكيف يمكن الدفاع عن المجتمع دون امتلاك أدوات بديلة فعّالة؟
في هذا السياق، بدا موقف اليسار من الدولة متردّدًا. من جهة، لم يعد قادرًا على اعتبارها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن جهة أخرى، لم ينجح في بناء أشكال تنظيمية واجتماعية بديلة. وبدل الانخراط في نقد جذري لبنية السلطة والاقتصاد، انجرف جزء من اليسار إلى خطاب إصلاحي عام، أو معارك رمزية لا تمسّ جوهر علاقات القوة. هذا التردد انعكس أيضًا على قدرته على التفاعل مع التحولات الاجتماعية الجديدة، خاصة صعود الهويات الجزئية وانتشار الفردانية، وتفكك المجتمعات المدنية التقليدية، ما خلق فراغًا استغله خصومه السياسيون والاجتماعيون.
تعمّقت الأزمة مع موجات الاحتجاجات العربية في العقد الأخير، التي كشفت هشاشة البنى التنظيمية، وضعف حضور اليسار في الفئات الاجتماعية التي طالما ادّعت تمثيلها. صحيح أن الاحتجاجات عبّرت عن غضب اجتماعي عميق ورفض واسع للظلم والفساد، لكنها أظهرت أيضًا غياب مشروع يساري متكامل قادر على تحويل هذا الغضب إلى مسار تحرري مستدام. وبين قوى السلطة التقليدية، وقوى السوق المعولمة، وصعود الشعبوية الجديدة، وجد اليسار نفسه أكثر مراقبًا منه فاعلًا.
أزمة اليسار العربي ليست تنظيمية فقط، بل تشمل أيضًا وعيه ودوره التاريخي. فقد تغيّرت طبيعة الصراع الاجتماعي. لم تعد الطبقة العاملة تتشكّل في فضاءات إنتاج واضحة المعالم، ولم تعد علاقات الاستغلال قابلة للرصد بسهولة. الاقتصاد غير المنظم، والعمل الهش، والبطالة المقنّعة، واقتصاد المنصات الرقمية، أعادت تركيب البنية الطبقية بطرق معقدة تتطلب أدوات تحليلية جديدة، ومفاهيم مرنة لفهم الوعي الطبقي في ظل تحولات اجتماعية معاصرة.
إلى جانب ذلك، يواجه اليسار أزمة ثقافية وفكرية. فقد نجحت النيوليبرالية في تفكيك القيم الجماعية، وتحويل مفاهيم التضامن والعدالة إلى قضايا أخلاقية فردية، معزولة عن سياقها الاجتماعي والسياسي. وفي ظل هذا المناخ، تراجع دور المثقف النقدي، وحلّ مكانه مثقف تبريري أو تقني يفسّر الواقع دون مساءلته، ويكتفي بإعادة إنتاج السائد، بدل تحديه. هذه الأزمة الثقافية لا تقل أهمية عن الأزمات التنظيمية والسياسية، فهي تؤثر مباشرة في قدرة اليسار على تشكيل وعي جماهيري قادر على مقاومة التفكك الاجتماعي.
كما أن الأزمة أعمق، فهي تشمل الأفق النظري للّيسار. كثير من التحليلات الاقتصادية والسياسية التقليدية لم تعد كافية لفهم تحولات السلطة، وطرق إعادة إنتاج الامتيازات، ودور المؤسسات الإعلامية في تشكيل الرأي العام، ومحدودية الديمقراطية التمثيلية في مواجهة المنطق النيوليبرالي العالمي. ومن هنا، يحتاج اليسار إلى تطوير خطاب جديد يربط بين التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية في إطار رؤية شاملة وقادرة على التغيير.
مع ذلك، فإن الحديث عن أزمة اليسار لا ينبغي أن يتحوّل إلى خطاب يأس. فالتاريخ يُظهر أن لحظات الانكسار الكبرى غالبًا ما تحمل إمكانات للتجديد. فالعالم اليوم يعيش حالة انكشاف عميق: اتساع الفجوة الطبقية، تآكل منظومات الحماية الاجتماعية، انهيار سرديات التقدّم الخطي، وازدواجية صارخة في الخطاب الحقوقي الدولي. هذه التناقضات تعيد طرح السؤال الاجتماعي بقوة، وتكشف محدودية النظام النيوليبرالي في تقديم إجابات مستدامة.
هنا، تبرز أمام اليسار العربي فرصة تاريخية لإعادة بناء ذاته، شريطة أن يجرؤ على نقد نفسه دون مواربة، وأن يتخلّى عن وهم استعادة الماضي لصالح ابتكار أفق جديد للفعل السياسي والاجتماعي. أفق لا يقوم فقط على الحزب التقليدي، ولا يذوب في الحركات الاحتجاجية العابرة، بل يربط بين التنظيم والوعي، وبين السياسة والثقافة، وبين المحلي والعالمي، في إطار مشروع تحرّري متكامل.
إن تجديد اليسار يبدأ بإعادة طرح الأسئلة الكبرى: من نمثّل؟ ما طبيعة الصراع الذي نخوضه؟ وكيف يمكن الربط بين معارك الخبز والكرامة، ومعارك الحرية والسيادة؟ دون هذه الأسئلة، سيبقى اليسار أسير نقدٍ دائري، أو حنينٍ عقيم إلى زمن لم يعد ممكنًا استعادته.
في عالم يزداد قسوة وعدمية، يبقى السؤال الاجتماعي مفتوحًا، وينتظر من يملك الشجاعة الفكرية والسياسية لحمله من جديد. واليسار العربي، إن أراد استعادة دوره التاريخي، مطالب اليوم بأن يكون أقلّ صخبًا وأكثر عمقًا، أقلّ شعارات وأكثر ابتكارًا، وأن يعيد بناء المعنى قبل أن يسعى إلى استعادة النفوذ
لا يستطيع اليسار العربي بكل تعبيراته الفكرية و السياسية ان ياخذ مكانه الطبيعي و الريادي و التاريخي دون الذهاب إلى اقاصي الحلم السياسي المرتبط تحديداً ببوصلته المركزية , الدفاع بلا هوادة عن الأفق الاجتماعي للدولة في سياق حكم ديمقراطي تعددي و منظومة حقوقية صلبة و ترسيخ ثقافة التنوير و المواطنة الكاملة ..

- كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...
- مواطنون لا رعايا : من أجل جمهورية ديمقراطية إختماعية تونسية ...
- محور المقاومة العربية : استراتيجيات الصمود و مسارات التاثير ...
- غزة و التحولات الإقليمية..حدود القوة و إمكانات التغيير
- الأمة العربية بين الوعي و المقاومة : صراع التاريخ و الخيارات ...
- شهادة نعتزً بها و تدفعنا إلى الأمام...
- الحبكة المقدسة : الدين في السينما الغربية
- السياسة و اللحظة الحاسمة : بين الإدراك التاريخي و القرار الج ...
- انيسة عبود ..بين النعنع البرًي و صدى الروح الأدبية
- الذكرى الثانية لطوفان الأقصى : سقوط الأسطورة الصهيونية و صعو ...
- هاني بعل الكنعاني لصبحي فحماوي بين التاريخ و الأسطورة و الهو ...
- الجمهورية الممكنة..من الرعوية إلى المواطنة
- من يقاوم الهزيمة لا يخشى النهايات


المزيد.....




- تحولت العربة الى كتلة لهب.. لحظة اشتعال قطار ركاب أوكراني اس ...
- الكرملين: محادثات أمريكا وروسيا وأوكرانيا ستُستأنف في أبوظبي ...
- عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر تتعرض لهجوم بمادة مجهولة خلا ...
- -لأسباب أمنية-: إسرائيل تمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة ر ...
- -البطريق الوحيد- ... الحقيقة على مذبح الترند
- الحكومة الإسبانية تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير ...
- ماكرون يستقبل رئيسي وزراء غرينلاند والدانمارك
- ترامب يعتبر انتخاب نوري المالكي -خيار سيئ للغاية-
- نوري المالكي: نرفض رفضا قاطعا التدخل الأمريكي
- إسبانيا: الحكومة تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غيرنظ ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود التجديد