أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقليمية















المزيد.....

الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقليمية


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 13:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



* البشير عبيد

في عالم عربي وإقليمي يعصف به العنف السياسي، والصراعات الداخلية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تتجلى المواطنة الحقة كعنصر أساسي في بناء الدولة الحديثة. المواطنة ليست مجرد بند دستوري أو ورقة قانونية، بل هي عقد أخلاقي واجتماعي يربط الفرد بالمجتمع والدولة، ويؤسس لعلاقات متبادلة قائمة على الحقوق والواجبات، بعيدًا عن الانقسامات الطائفية والمذهبية التي تقوض أسس الدولة.
إن الدول العربية تواجه اليوم تحديات مركبة ومعقدة، فقد شهدت عقودًا من الصراعات الداخلية، تدخلات خارجية متعددة الأطراف، وأزمات اقتصادية عميقة تزيد من معدلات الفقر والبطالة، وتضعف قدرة المؤسسات على الاستجابة لاحتياجات المواطنين. في هذا السياق، تظهر المواطنة الفاعلة كعنصر حاسم في تحصين الدولة، وتعزيز استقرارها، وبناء مؤسسات قوية قادرة على الصمود أمام الصدمات الداخلية والخارجية.
تعد المواطنة أيضًا أداة ثقافية وفكرية، إذ لا يمكن للدولة أن تفرضها بالقوانين وحدها، فهي تتطلب وعيًا جماعيًا وثقافة مشتركة تعزز الانتماء الوطني والاحترام المتبادل، وتخلق أساسًا للحوار السياسي والاجتماعي البناء.

المواطنة بين النظرية والتطبيق

المواطنة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي تجربة عملية تتجسد في الالتزام بالقانون، والمشاركة في الحياة العامة، واحترام حقوق الآخرين، والمساهمة في التنمية المستدامة. الدول التي نجحت في ترسيخ هذا المفهوم بنت آليات فعالة للعدالة الاجتماعية، مؤسسات قوية، وسيادة القانون، مما أعطاها القدرة على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية بمرونة وكفاءة.
على سبيل المثال، تجربة بعض المدن العربية التي أسست لجمعيات أهلية محلية تساهم في تنظيم التعليم المجتمعي، وحماية البيئة، ورعاية الفئات الضعيفة، أظهرت أن المواطن الذي يشعر بالانتماء ويُمنح دورًا فاعلًا في المجتمع يصبح شريكًا حقيقيًا في بناء الدولة وصيانة مؤسساتها.
في المقابل، الدول التي غاب فيها مفهوم المواطنة، أو كانت مظللة بالانقسامات الطائفية والأيدلوجية، سرعان ما وجدت نفسها غارقة في الفوضى والهشاشة، حيث تتفشى مظاهر الفساد، وتضعف العدالة، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ما يجعل الدولة عاجزة عن أداء دورها في حماية المواطنين وتحقيق التنمية المستدامة.

تجارب عربية وإقليمية

لبنان يمثل نموذجًا حيًا لفهم التحديات الواقعية في بناء الدولة والمواطنة. الانقسامات الطائفية والسياسية العميقة تجعل الدولة في حالة هشة، لكن المجتمع المدني والمبادرات الفكرية والسياسية لعبت دورًا جوهريًا في بناء جسر بين الانقسامات وتعزيز العدالة والمواطنة. على سبيل المثال، مؤسسات محلية غير حكومية نجحت في تنظيم برامج تعليمية وتمكين الشباب، ما ساعد في خلق مساحة للتواصل بين الفئات المختلفة وتقوية الروابط الاجتماعية.
تونس بعد الثورة تجربة أخرى ملهمة، حيث أدت المشاركة السياسية الفاعلة في الحياة العامة إلى تعزيز قيم المواطنة، وإيجاد توازن بين الحقوق الفردية والواجبات الوطنية، وهو ما ساهم في الحفاظ على استقرار نسبي خلال مرحلة حرجة من تاريخ الدولة. برامج التنمية المحلية والمبادرات الشبابية لعبت دورًا مركزيًا في تعميق مفهوم الانتماء الوطني والمواطنة العملية.
في المقابل، دول الخليج العربي تقدم نموذجًا مختلفًا، حيث أدى الاستثمار الكبير في التنمية الاقتصادية، التعليم، العدالة الاجتماعية، والبنية التحتية إلى تعزيز الولاء الوطني وتقليل الانقسامات، حتى في بيئات متعددة الجنسيات والثقافات. هذه التجارب توضح أن المواطنة ليست مجرد شعار، بل استراتيجية عملية لبناء الدولة وصيانتها.

المواطنة والتنمية المستدامة

المواطنة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. الدولة التي تضمن حقوق المواطنين الأساسية، مثل الصحة والتعليم والعمل، تعزز الثقة بين الحكومة والشعب، وبالتالي تزيد من الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
على النقيض، غياب العدالة والمساواة يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية، زيادة الاستقطاب، وانتشار الفساد، ما يضع الدولة أمام أزمة وجودية تهدد قدرتها على الصمود.
المواطن الفاعل يصبح شريكًا في التنمية المستدامة، حيث يساهم في:
المشاركة في اتخاذ القرار وصياغة السياسات العامة
دعم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والمبادرات المحلية
حماية الموارد العامة وضمان استدامتها للأجيال القادمة
أمثلة عملية تظهر أن المدن التي قامت ببرامج إشراك المواطنين في التخطيط العمراني والخدمات العامة شهدت تحسّنًا كبيرًا في جودة الحياة، وتقليل النزاعات الاجتماعية، وزيادة التعاون بين المواطنين والدولة.

الدولة والمجتمع المدني

يلعب المجتمع المدني والإعلام الحر والفكر النقدي دورًا جوهريًا في ترسيخ المواطنة، فهو يشكل شبكة دعم للقيم الوطنية، ووسيطًا رقابيًا يكشف التجاوزات ويقوي المؤسسات. في لبنان وفلسطين ومصر، المجتمع المدني يدعم الحقوق والحريات، ويراقب الأداء الحكومي، ويعزز الشفافية والمساءلة، مما يضفي مصداقية على الدولة ويقوي ثقة المواطنين فيها.
عندما يشارك المواطن في المبادرات المجتمعية، والحملات البيئية، وبرامج التعليم والتدريب المهني، فإن الدولة تكسب قاعدة صلبة من الدعم الاجتماعي والولاء الوطني، وهو ما يجعل المؤسسات أكثر قدرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

المواطنة والاستقرار السياسي

الدولة التي تبني مفهوم المواطنة بعمق تمتلك قدرة أكبر على الصمود أمام التدخلات الخارجية، فهي قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، وتحقيق توازن بين مختلف الفئات داخل المجتمع. المواطنة الحقة تفرض على الفرد الالتزام بالقوانين واحترام الآخرين، بينما تمنح الدولة حقوقه الأساسية، الحماية، والمشاركة الفعلية في صنع القرار.
في السياق العربي، نلاحظ أن الدول التي عززت المشاركة المدنية والشفافية، مثل بعض التجارب في المغرب وتونس، استطاعت تخفيف حدة النزاعات، وتحقيق توافق وطني أكبر، وضمان استقرار مؤسسي نسبي، ما يؤكد أن المواطنة الفاعلة ليست خيارًا بل ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة واستقرارها.

استشراف المستقبل

مع التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تصبح المواطنة أداة استراتيجية لبناء دولة قوية ومستقرة. الدول التي تعزز العدالة والمواطنة، وتضمن مشاركة فعالة للمواطنين، تمتلك القدرة على مواجهة الأزمات، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الانتماء الوطني.
التعليم والثقافة وقيم المجتمع المدني تشكل أدوات مهمة لغرس مفهوم المواطنة، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتوطيد روابط الانتماء بين الأفراد والدولة. الدولة الحديثة القائمة على المواطنة الحقة، العدالة، والمؤسسات القوية تتمتع بمصداقية داخليًا وقدرة على حماية مصالحها على الصعيد الخارجي.
بناء الدولة الحديثة في زمن الصراعات الإقليمية يعتمد على عمق المواطنة، متانة المؤسسات، وقوة المجتمع المدني. الدولة التي تنجح في خلق مجتمع من المواطنين الفاعلين والمثقفين والملتزمين ستكون أكثر قدرة على الصمود وتحقيق التنمية والاستقرار، بعيدًا عن الانقسامات، وقادرة على المضي قدمًا نحو سيادة حقيقية واستقلال وطني شامل.
المواطنة ليست مجرد واجب على الفرد، بل مسؤولية متبادلة بين الدولة والمجتمع، حيث تقدم الدولة الحقوق والحماية، بينما يلتزم المواطن بالمشاركة الفاعلة في تعزيز الوطن وحماية مؤسساته. هذا التوازن هو ما يجعل الدولة الحديثة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتحقيق تنمية مستدامة وعدالة اجتماعية حقيقية.

- كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...
- مواطنون لا رعايا : من أجل جمهورية ديمقراطية إختماعية تونسية ...
- محور المقاومة العربية : استراتيجيات الصمود و مسارات التاثير ...
- غزة و التحولات الإقليمية..حدود القوة و إمكانات التغيير
- الأمة العربية بين الوعي و المقاومة : صراع التاريخ و الخيارات ...
- شهادة نعتزً بها و تدفعنا إلى الأمام...
- الحبكة المقدسة : الدين في السينما الغربية
- السياسة و اللحظة الحاسمة : بين الإدراك التاريخي و القرار الج ...
- انيسة عبود ..بين النعنع البرًي و صدى الروح الأدبية
- الذكرى الثانية لطوفان الأقصى : سقوط الأسطورة الصهيونية و صعو ...
- هاني بعل الكنعاني لصبحي فحماوي بين التاريخ و الأسطورة و الهو ...
- الجمهورية الممكنة..من الرعوية إلى المواطنة
- من يقاوم الهزيمة لا يخشى النهايات
- غزة في زمن الإبادة : شهادة على العجز الدولي و صمود الإنسان


المزيد.....




- -يسير مع بطريق-.. البيت الأبيض ينشر صورة معدلة لترامب في غري ...
- شاهد.. سيارة تصطدم بمكتب بيع التذاكر داخل مطار ديترويت بأمري ...
- من أوروبا إلى الصين.. ماذا تكشف إستراتيجية البنتاغون الجديدة ...
- الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يبلغ مستواه الأعلى ...
- مفاوضات في أبو ظبي لإنهاء الحرب في أوكرانيا وروسيا تشترط انس ...
- في اليوم العالمي للتعليم.. خيام بغزة تُقاوم الجهل وتنتصر للأ ...
- رضا بهلوي: الملايين هتفوا باسمي وأريد تشكيل مستقبل إيران
- -هاشتاغ- يرصد تفاعل المنصات من -مجلس السلام- إلى تيك توك
- أهم التحديثات لبرامج أدوبي المدعومة بالذكاء الاصطناعي
- عاجل| قائد القوات البرية للجيش الإيراني: سندافع عن إيران حتى ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقليمية