أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوجمعة الدنداني - المسرح البلدي / قصة















المزيد.....

المسرح البلدي / قصة


بوجمعة الدنداني

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 18:11
المحور: الادب والفن
    


لم ينتبه المارّة امام المسرح البلدي الى وجود سلالم طويلة موضوعة على واجهته، بعضهم كعادته يطلب السلامة، هذه منطقة معروفة بكثرة الاجتماعات والتجمعات لذا يسرع ولا يكلف عينيه النظر حتى لا تزني مع من هم ضد السلطة، وبعضهم يلوّح بعينيه بعيدا دون أن يركز في معنى ما، بل لعله يبحث عن شابين متعانقين ليسب السلطة في سره التي أفسدت أخلاق الناس، وبعضهم جلب انتباهه المشهد فقال لصديقه إنهم يجيّرون واجهة المسرح فيرد صديقه انه لا يستحق منذ فترة قريبة رايتهم يبيضونه انه الفساد.
ولا أحد رفع رأسه ليقرا الليلة عرض مسرحية ( إرهابي وربع) للمسرحي رؤوف بن يغلان.
كان يمسك الشبان بما يشبه الفأس أو ازميل وكانوا يضحكون. قال أحدهم من أين سنبدأ، وهو يغمز بعينه، ووضع الفأس في مستوى ملتقى الفخذين وضرب بقوة فانفتح جرح وسال دم كثير ومرر يديه على الفخذين، قال صاحب اللحية الطويلة والمدببة سأبدأ من هنا ووضع المسحة في مستوى النهدين وضرب فطار نهد وتناثر على الأرض أما الثالث فقال يا الله على هذه الشفاه وانحنى يقبل الشفتين ثم غرس فيهما ازميله وظل يحرّكه الى ان فتح ثقبا اخذ يتسع الى ان طمس الأنف والعينين والرأس.
واجهة المسرح تشوهت بعد ما كانت تضم لوحة فنية جميلة ملائكة طائرة على أحصنة، ملائكة عارية بكل براءتها وجمالها. أحد المارة وقف وقال اسمع صهيل حصان وظل يدور بحثا عن مصدر الصوت.
بعد أن أتموا جريمتهم نزلوا وحملوا السلالم وتركوا الواجهة شبيهة بالمغارات والحفر التي ستجد الوطاويط والدود مسكنا لها. سمع المارة صهيلا بحثوا عنه ولم يتبينوا مصدره، كانت الأحصنة قد نكست رأسها وأخذت في البكاء.
نزل الهاشمي من سيارة فارهة وحوله مجموعة مدججة بالسلاح وارتقى درجات المسرح واستوى أمام المدخل الرئيسي ورفع يده اليمنى فسطعت أشعة الشمس الغاربة في الساعة المذهبة وفي الخواتم التي ملأت أصابعه وقال الحمد لله الذي أتم علينا نعمته وهدانا وما كنا لنهتدي ،وحملنا من آخر الدنيا من بلاد الكفار ، لنعيد إلى هذه البلاد إيمانها ونطهّرها من الرجس والأزلام والأصنام وقد بدأنا بهذا المبنى فأزلنا الصور والرسوم الفاضحة المنكرة والمستوردة من بلاد الغرب الكافر كخطوة أولى في اتجاه إزالة هذا المبنى الفاسق الذي عرضت فيه كل المنكرات من فسق وفجور ورقص وعراء وتشبه بالذات الالاهية .
توقفت حركة المرور، توجه الجرّار المحمّل إلى ساحة المسرح، رفع السائق مؤخرة الجرار فتدافعت كتب ولوحات واسطوانات.
جاء جرار آخر وكب تماثيل ابن خلدون ومعلم هارمايون وقطع اثار وتحف بديعة وأواني فخار وحلي ونقود ولوازم عبادة ومنحوتات خشبية تعود لآلاف السنين.
وجرار آخر حمل كل الفسيفساء من مختلف المتاحف وصبها.
وجرار آخر حمل مجسّمات لأجساد فنانين وفنانات وراقصين وراقصات ومطربين ومطربات.
لم ينتبه المارة إلا واحدا صفّق وتزحلق، وهو يضحك، في كتاب معالم الطريق لسيد قطب الذي ألقاه الهاشمي في طريقه وكاد رأسه يرتطم لولا هذه المرأة التي حالت دونه والجدار.
تقدّم الهاشمي وقال هذا كتاب أغاني الحياة لابي القاسم الشابي الى النار وهذا الطاهر الحداد وهذا ميشيل عفلق ومنيف الرزاز وهذه لوحة نجا المهداوي وهذا محمد علي الحامي بشحمه ولحمه وهذا مسرح عزالدين المدني وهذا المتنبي وهذه الحان القرفي وهذا صوت لطفي بوشناق وهذه أبحاث محمود الذوادي و كتب طه حسين وهذا شريط صب الرش لسمير الحرباوي وهذه كتب محمد الطالبي ويوسف الصديق ، وهذا كتاب ماركس ، و كتب حمة الهمامي وهذا تقرير لجنة بشرى بلحاج حميدة ومرجعيات الإسلام السياسي لعبد المجيد الشرفي وهذه كتب فراس سواح الخ وسحب من خلفه لوحة هيباتيا للرسام تشارلز كينجسلي والقى بها فوق كومة الكتب واللوحات والأشرطة الموسيقية والسينمائية .
(...وسقطت هيباتيا وسط الجموع بعد مطاردة عنيفة فتقهقر الناس الى الخلف كانت وحيدة تجري هاربة من المسيحيين ، لا تجد منفذا ولا مهربا ، الدولة تخلت عنها عن العالمة الفيلسوفة وتركوها لغطرسة رجال الدين ، تهالكوا فوقها نزعوا ثيابها تركوها عارية ربطوها الى الخيول وجروها الى الكنيسة ، قطعوا شارع الحبيب بورقيبة جيئة وذهابا والناس تشاهد سلخ جلد هيباتيا ، دمها يسيل ورأسها وعقلها موضع الفلسفة والرفض بدا يتفتت والمخ داسته أقدام الهمجية وجسمها أكله الإسفلت والتراب والكلاب ، ودخلوا بها إلى الكنيسة وهناك قطعوها مزقا وجمعوها في أكياس بلاستيكية والقوا بها إلى جانب لوحة تشارلز ، هذه اللوحة التي جسدت عنف التعصب ضد الحرية... .)
وخرج من جوانب المبنى شباب ملثم وفي ثياب سوداء كالغربان محملين ببراميل من البنزين وسكبوها على جبل الفكر والثقافة.
ثم دخل المبنى.
اشجار باب بحر تحفل كل مساء بالطيور ، تأتي من كل صوب ، تتواعد هنا قبالة مبنى المسرح تطير وتحط فوق المبنى وعلى المدارج وفوق رؤوس المنحوتات والاحصنة والمارة ، اليوم لم تغادر اعشاشها ، ظلت مستكينة خاضعة لا بدة في اعلى الاشجار تطل بعينيها كأنها لا ترى في المارة الا صيادين بأسلحتهم ، كان اليوم جميلا ومع ذلك ماتت العصافير في اعشاشها من الخوف والرعب ، هل شاهدت الاسلحة وهي تدخل المسرح ، ام شاهدت التماثيل وهي تتشوه ، ام توقعت انهيار المبنى في اي لحظة فغنت في صمتها لحن الموت .
طلب الهاشمي من الجمهور الحاضر مغادرة القاعة .
دبّ الهلع في الناس واضطربوا الا قلة استمسكت بمكانها وصاحوا فيه لن نغادر ، وقف فتحي العكاري وقال لن نغادر التحقت به جليلة بكار والمنصف ذويب وكمال التواتي وتوفيق الجبالي ورؤوف بن عمر وحمادي المزي وانطلقت حملة فايسبوكية ، واضاءت الهواتف عتمة تونس وتقاطر الناس من كل مكان خرجت مية الجريبي من قبرها ولينا بن مهني والطاهر الهمامي والصادق الهيشري وجورج عدّة والمنصف السويسي وشوقي الماجري والحبيب المسروقي والحبيب شبيل وعزالدين قنون وجليلة عمامي وصالح القرمادي وعمر خلفة وتوفيق بكار و جلبار النقاش وجورج عدة وتنادى محمد الصالح فليس وعمر الماجري وراضية النصراوي والهادي قلة ومحمود طرشونة وعثمان بن حاج عمر وجلول عزونة والحبيب الكراي ومقداد بن مالك وعلي بن جدو
وهبت نقابات التعليم العالي والثانوي والابتدائي
ووصلت طائرة تقلّ الحبيب السالمي وبوبكر العيادي وخالد النجار ومرسيل خليفة ومحمود درويش ومريد البرغوثي ونزيه أبو عفش
وصرخ حسن بن عثمان ولسعد بن حسين اليوم امر وغدا خمر
ووصل في قطار المساء محمد عمار شعابنية ومحمد الخالدي وعبد الجبار العش وآدم فتحي ومحمد على اليوسفي وشكري لطيف وناجي الخشناوي.
وخرجت من الاحياء الشعبية اعداد مهولة من النساء والكهول والشيوخ والشباب و المعطلين عن العمل .
شكّل الصحافيون في مقرهم وفدا أقصي منه من كانت عليه شبهة التعاطف مع الارهاب.
الجمعيات مثل { مانيش مسامح } و { الاتحاد العام التونسي للطلبة } و {الطليعة الطلابية العربية } تنادت واحتلت الشوارع المحيطة بالمبنى .
الممثلات وقفن في المنتصف بين المدخل الرئيسي للمسرح والمدارج وكن يصرخن {لا للظلام لا للاسترقاق ياعصابة السرّاق} وكانت واضحة اصوات وحيدة الدريدي وسلمى بكار وفاطمة سعيدان
بيان اتحاد الصناعة كان باهتا والكثير من الجمعيات صمتت والتلفزة الوطنية كانت تبث شريط واسلاماه واذاعة الزيتونة تشرح تاريخ المسرح البلدي الذي بناه الكفّار عندما تراجع المسلمون.
اتحاد الشغل أصدر بيانا فتهاطل على المسرح العمال حتى ضاق شارع الثورة بالناس.
تواتر خبر على الفاسبوك نشره محمد نجيب كحيلة يقول ان مجاميع عديدة مسلحة نزلت من جبال سمامة والكاف وجندوبة ومن مغاوير مطماطة والتحمت بمجاميع اخرى قادمة من ليبيا وحطت طائرات قادمة من ليبيا وتركيا مدججة بالسلاح، هل هي الحرب ؟.
وقف محمود بلعيد وفي يده قصته الحرب، قال لن اغير في محتوى قصتي بالأمس نحارب الامية والجهل واليوم نحارب ايضا الامية والجهل والارهاب والفقر والتهريب والترهيب. هكذا الابداع حي في كل وقت وحين.
جمعية نساء ديمقراطيات شكلن حزاما طويلا وسط الشارع المار امام المبنى ومنعن مرور السيارات. وانطلقت مجموعة من الفتيات في رقصات تعبيرية تحت اشجار الشارع الهادر بقيادة الفنانة سهام بلخوجة .
نوافذ العمارات والمطاعم والمقاهي المحيطة بالمسرح فتحت وانطلقت اناشيد واغاني متنوعة.
تقاطر شباب الملاعب حاملين المشاعل.
انتصبت فرقة الوطن العربي بقيادة الاستاذ عبد الرحمان العيادي في مواجهة تمثال ابن خلدون الذي احاط به الشباب من كل جهة رافعين الاعلام والمشاعل خوفا من محاولا ت الهدم.
مجاميع بشرية هادرة يخرج من وسطها موكب ضخم، صرخ الشباب انه موكب عليسه وكانت محاطة بماغون ويوغرطة وحنبعل والكاهنة وعقبة ابن نافع.
احاطوا بالمبنى وشكلوا حزاما متينا ووجد الهاشمي نفسه ومجموعته بين حزامين واحد فوق الركح يتقدم لمحاصرته والثاني من خارج المبنى يتقدم.
وبدأ الضغط، جموع عزلاء امام مجموعة مدججة بالسلاح ماذا يمكن ان تفعل؟ هل الايمان وحده يكفي ؟ المجموعة بدأت تستشعر الخطر حتى وان اطلقت الرصاص فهناك من سينجو وسيقعون في المصيدة ، علت الاصوات اصوات بالتكبير واصوات بالحرية وبدأ الالتحام وانفتحت الابواب والنوافذ وتدفق الالاف .
صرخ شاب انه يومهم الاخير ونادى المخرج نصر الدين السهيلي على مساعده لابد ان نوثق لهذه اللحظات انها الثورة الحقيقية، انها الثورة الثقافية التي تأخرت كثيرا.
في غمرة الفوضى والالتحام والصراخ وأزيز الرصاص، انطفأ النور على البلاد كافة.
2014



#بوجمعة_الدنداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجميلة والوحش / قصة
- حمار الشعب / قصة
- في ذكرى الثورة 14 جانفي : درس التاريخ
- من قتل الكلب ؟ قصة
- من كوة الطفولة / قصة قصيرة
- دعوة / قصة
- قصص قصيرة
- ارتداد / قصة
- انا لست لي مسرحية
- فوق سماء القاهرة
- مظلة
- حزب الله والعروبة وايران
- اعلان ضياع
- اقترب اكثر من القصيدة
- ورقة مقتطعة من كتاب إغاثة الامة بكشف الغمة للمقريزي قصة
- - المعلم -
- قصيدتان
- الم يكن ممكنا لو جئت قبل الان
- ميشال عفلق والعروبة والاسلام السياسي
- لعبة


المزيد.....




- انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة
- كتاب -المتفرّج والوسيط-.. كيف تحولّ العرب إلى متفرجين؟
- حين تُستبدل الهوية بالمفاهيم: كيف تعمل الثقافة الناعمة في صم ...
- فيلم -الجريمة 101-.. لعبة القط والفأر بين المخرج والممثلين
- في اليوم الأول: غزة تُحاكم مهرجان برلين السينمائي 76
- جوانب من القيم الأخلاقية والتجارية في كتاب -حكم وأمثال في ال ...
- 8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد عقدة.دمنهو ...
- عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصر ...
- -محرقة آل مردوخ-.. كيف دمّر إمبراطور الإعلام كل ما أحب في سب ...
- -ملكة القطن- السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائي


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوجمعة الدنداني - المسرح البلدي / قصة