أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة: ... ضريبة على الحب وعلى الفلافل














المزيد.....

قصة قصيرة: ... ضريبة على الحب وعلى الفلافل


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 09:14
المحور: الادب والفن
    


في ذلك الصباح البغدادي الذي يغلي بالرطوبة والضجيج، كانت أمعائي تقود انقلاباً عسكرياً ضد وقاري وثباتي، وصراخ الجوع فيها يتردد كصدى في أزقة "الحيدرخانة", لم يكن أمامي سوى الرضوخ لسلطان الجوع، فاتجهتُ صوب عربة فلافل ابوعلي يغطيها غبار الشارع وبريق الأمل، وقلتُ لصاحبها بلهجة الواثق: "عمي.. لفة فلافل بالعمبة، وكثّر الزلاطة, بلكي نحرك همومنا".
نظر إليّ البائع بنظرةٍ تجمع بين العطف والشماتة، وقال وهو يرفع كفّيه كأنه يلقي خطبة عصماء: "يا عيوني، اللفة اليوم شبت نار , يا عزيزي الحكومة حطت "ضرايب" على التجار، والتاجر ذبّها براسنا، وإحنا ذبيناها براسك.. اللفة غلت يا أستاذ!". دفعتُ الثمن وأنا أشعر أنني لا أشتري أقراص حمص مقلية، بل أستثمر في سبائك ذهبية، والتهمتها بمرارة من يبتلع كرامته مع "العمبة" التي تقطر على قميصي.

قررتُ الهروب من حرارة الموقف صوب "شارع الرشيد"، ذلك الشارع الذي يختصر تاريخنا المكلوم. رفعتُ يدي لـ "تكتك" يترنح بين السيارات كأنه راقص باليه في حلبة مصارع,. حين وصلنا، صدمتني الأجرة التي تضاعفت بقدرة قادر.
• "يا وليدي، شنهي القصة؟ الأجرة كانت بنص هذا السعر!"
أجابني السائق وهو يمسح عرقاً يمتزج بزيت المحرك: "يا أستاذ، الحكومة رفعت البنزين، والتكتك صار يصرف ذهب مو نفط.. إحنا مسيرين لا مخيرين ، والجيب صار مثل المنخل، ما يمسك شي".

نزلتُ أمشي بكسر خاطر، حتى وجدت صديقي "علاء بيدياف" هكذا نطلق عليه لكثرة قراءاته للكتب الالكترونية، ذلك الرجل الذي يحمل في عينيه حزن المخطوطات القديمة. سحبتُه من ياقة يأسه إلى "مقهى الأسطورة"، حيث الدخان يروي قصص العاطلين والحالمين. طلبتُ له استكان شاي هسى ان يرمِّم ما تبقى من أعصابه، وسألته: "ما بالك يا علاء؟ وجهك يقطع رزق الماشي والراجع!".
تنهد تنهيدة كادت تطفئ نار الشاي التي يغلي عليها، وقال بصوت مخنوق: "أبوها يا صديقي.. فسخ الخطوبة. قال لي بالحرف الواحد: عمي، بنتي مو ارخص من باقي البنات, يقول إن المهر الذي اتفقنا عليه صار عتيق , ولا يتماشى مع التضخم وقرارات الحكومة الحكيمة. المهر يجب أن يُضرب في اثنين، أو تذهب لتبحث عن ابنة حلال على قد فلوسك ".
ضحكتُ ضحكةً تشبه البكاء، وقلت له: "يا علاء، في بلدي، حتى نبضات القلب أصبحت تخضع لضريبة القيمة المضافة، والفقراء مثلي ومثلك لا يملكون سوى أن يحبوا في السر، ويجوعوا في العلن، وينتظروا رحمةً لا تمر عبر قرارات الحكومة".

وضعتُ يدي على كتف "علاء" المثقلة بخيبات العصر الرقمي وضريبة العاطفة، ونظرنا معاً إلى بخار الشاي وهو يتصاعد ليمتزج بدخان "النراجيل" في فضاء المقهى المتهالك، كأن أحلامنا هي الأخرى تتبخر وتستحيل دخاناً لا يُمسك. كان الصمت بيننا أبلغ من أي احتجاج، صمتٌ يختزل حكاية وطنٍ يركض فيه المواطن وراء رغيف الخبز، بينما يركض الرغيف وراء "سعر الصرف".
أدركتُ حينها أننا لسنا سوى أرقام في معادلة لا تقبل القسمة إلا على "الكبار"، وأن مشاعرنا وأمعاءنا وحتى ذكرياتنا في شارع الرشيد، باتت سلعاً تُعرض في مزاد السياسات المتقلبة. لم نعد نملك من أمرنا شيئاً سوى تلك الضحكة المجبولة بالمرارة، التي نطلقها في وجه الأزمات كلما اشتد الخناق، لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا على قيد الحياة، حتى وإن كانت حياة "بالدين".



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟
- العراق في قلب طريق الحرير
- قرارات حكومية ظالمة بحق الموظف الجامعي
- فندق امريكي خمس نجوم في الحسكة للدواعش
- علة تراجع ترامب عن تهديده
- أمريكا تدق طبول الحرب العالمية الثالثة
- تأخر الرواتب مصيبة فقط على محدودي الدخل
- قصة قصيرة: لوحة صامتة
- أسباب ارتفاع أسعار البيض في العراق
- الكيان الصهيوني وإثيوبيا يضعان خطة ضد مصر
- أزمة الحصول على بيت في العراق
- روسيا تنتصر, وأمريكا تذل أوروبا
- الحب وحده لا يكفي في زمن الجميني
- الانتخابات طريقنا لإصلاح الواقع
- مؤتمر العريش بين خبث نتنياهو وطموحات ترامب
- لماذا المشاركة بالانتخابات مهمة جدا؟
- الموناليزا في باب المعظم
- صوتك يبني .. المشاركة بالانتخابات هي الحل
- قمة الدوحة والتحديات الكبيرة
- فريقنا الكروي نحو مشنقة الثورة


المزيد.....




- تركيا تحظر حفلات موسيقى الميتال في إسطنبول بسبب القيم المجتم ...
- بمشاركة سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.. تركي آل الشيخ يكشف عن ال ...
- الكشف عن سبب وفاة الممثلة الشهيرة كاثرين أوهارا
- تسجيل جديد يهزّ الرواية الرسمية: من صعد إلى زنزانة إبستين لي ...
- فيلم -سكفة-.. توثيق سينمائي لمعاناة طفلتين في غزة يحصد جوائز ...
- -سكفة-.. فيلم فلسطيني يروي معاناة طفلتين شقيقتين خلال حرب غز ...
- اختبارات اللغة والتجنيس.. عمليات احتيال واسعة ومنظمة تهز ألم ...
- باللغة العربية.. هكذا علّقت صفحة -أمير وأميرة ويلز- على لقاء ...
- نقش على رخام غزة.. فنانون يوثقون ذاكرة الشهداء لمواجهة النسي ...
- الذكاء الاصطناعي يكتب الرواية: هل بدأ عصر السرد الآلي؟


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة: ... ضريبة على الحب وعلى الفلافل