جاسم نعمة مصاول
(Jassim Msawil)
الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 09:07
المحور:
الادب والفن
أصدر الكاتب والباحث الكندي من أصل لبناني الدكتور علي منير حرب، خلال الأشهر القليلة الماضية، كتابه الجديد " قبل أن تغيب الشمس: قضايا في الثقافة " في كلٍّ من بيروت ومونتريال.
يتناول الكتاب أزمة الثقافة العربية وما واجهته خلال العقود الأخيرة من تحديات عميقة، متوقفًا عند دور المثقف العربي، وحدود فعله، وحالات النكوص التي أصابته، وما آلت إليه الثقافة واللغة العربية في ظل أزمة ما تزال مفتوحة حتى يومنا هذا.
وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه القراءة السريعة محاولةً لوضع القارئ العربي أمام الأسئلة التي يثيرها الكتاب، وإشراكه في التفكير بما تواجهه ثقافته ولغته بوصفهما ركيزتين أساسيتين في تشكيل هويته.
في شتاءٍ خانق البرودة، من أيام شباط عام 2013، كانت الثلوج تلفّ مونتريال بردائها الأبيض حين قصدتُ مقرّ جريدة الأخبار المونتريالية، هناك التقيتُ للمرة الأولى الأخ والصديق العزيز الدكتور علي حرب، الذي كان يشغل منصب مدير التحرير آنذاك. ما إن وقعت عيناي عليه وتحدثتُ معه حتى لمستُ فيه حضورًا فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا فريدًا، يحمل هموم الأمة في قلبه، ويتأمل بتوجّس في انتكاساتها المتلاحقة، ويرصد التحوّلات العالمية التي تركت أثرًا بالغًا في مسارها ومستقبلها.
وبصدقٍ أقول: شعرتُ أنّني أمام كنزٍ معرفي لا يُقدَّر بثمن، ورافدٍ فكري لا يمكن التفريط به؛ فمن معين فكره نستطيع أن ننهل ما يثري الثقافة العربية في بلاد المهجر ويشدّ أزرها. ومن هناك بدأت علاقتنا وتحاورنا وعلى فترات متباعدة أحيانًا، بسبب ظروف عملي طيلة هذه السنوات.
إذن يطُلُ علينا الباحث الدكتور علي حرب من بستانه الفكري في آخر إصدار له بهذا المؤَلف الرائع عن مأساة الثقافة العربية وأزمتها وأزمة المثقفين العرب... هي صرخة في وديان هذه المأساة وكأني به يطلقُ صرخةً عاليةً: أين ذهب المثقفون العرب؟ ونحن نعيشُ أسوء أزمة ثقافية مرت على الامة العربية منذ قرون... اضطرب الزمن لدينا وأصابتنا المرارة في النفوس لأن الثقافة العربية في محنة... ويمكن لنا القول ان سبب انهيار الامة العربية هو نتيجة انهيار ثقافتها، ويُخطئ من يظن أننا في عصر ازدهار، إننا في الحقيقة في عصر المجد المتداعِ، والسبب هو ابتعادنا عن الثقافة العقلانية، لذا اصابنا الخمول واختفاء الابداع، وساد الارهاب الفكري الحكومي والطائفي وتم وضع المثقفين الحقيقيين وراء القضبان او ملاحقتهم وبعضهم فضّل الاختباء عن عيون السلطة، والاغلبية اختارت المنفى الاجباري.(( أنقل لكم حادثة طريفة ومؤلمة في الوقت نفسه: قام سجين عربي بطلب كتابًا معينًا من ادارة السجن للمطالعة، واعطاهم أسم الكتاب... ردت عليه ادارة السجن بأن الكتاب المطلوب غير موجود، لكن إذا أردت المؤلف فهو عندنا)).
هناك تهميش للثقافة في جميع الاوساط العربية إذ يتم ايقاف الشغف الفكري نتيجة سيطرة السلطة- الدولة على الحياة الفكرية والثقافية وتوجيهها بما يخدم مصالحها للبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة رغم أنها تدعي بدعم الثقافة، وهذا بعيد عن الواقع لأن السلطة انتجت ثقافة سلطة فقط، فضلاً عن إننا نعيش في عصر الارهاب الفكري الذي أنتج مجتمعات يسودها الجهل.
إن النخب الثقافية المعاصرة أبعد ما تكون عن اتخاذ موقف يجبر السلطة على تغيير مساراتها بما يخدم الواقع المجتمعي في جميع المجالات وخاصة الثقافة. وغالبًا ما يتم اقامة ندوات او مهرجانات ثقافية لا صلة لها بالواقع المر الذي تمرُّ به الثقافة، بل بهدف امتاع الذات.
أن السلطة تنظر الى محتوى الثقافة والافكار بقدر كبير من عدم المبالاة أو الشك والريبة، وينحصر اهتمامها باستعمال الثقافة لتحقيق هدف منفصل تمامًا عن محتواها الداخلي، أو خوفًا من تسمم أفكار العامة حسبما تفكر هذه السلطة القمعية.
تمتلك الافكار القوة التي تساعد في ايجاد عالم ثقافي أفضل، إذ إن عمل المثقفين يبقى مهمًا، ولابد للمفكرين عندما يتم تجريدهم من رسالتهم أو مشروعهم أو رغبتهم في اعتناق المعرفة ونشرها، أن يستنكروا ذلك بصوتٍ عالٍ وأن لا يهادنوا السلطة في إجراءاتها، وعدم تخليهم عن دورهم بوصفهم حماة للحقيقة.
يقدّم لنا الدكتور علي حرب في كتابه "قبل أن تغيب الشمس" قراءة فكرية وثقافية موسعة، مركّزًا على ثنائية اللغة والثقافة العربية بوصفهما محور الهوية ومفتاح النهضة الممكنة. ينطلق العرض من التأكيد على أن العربية ليست مجرّد وسيلة للتواصل بل وعاء حضاري حمل التراث الديني والأدبي والعلمي عبر العصور، وامتلك قدرة اشتقاقية وبلاغية جعلته حيًّا ومتجدِّدًا.
يتتبع الكتاب جذور العربية السامية وخصوصية بنيتها، ودورها في نشأة الشعر الجاهلي ثم ازدهارها مع نزول القرآن الكريم، ما جعلها لغة عالمية للفكر والمعرفة خلال العصور الإسلامية.
يمكنني أن أشير هنا إلى ما أورده غابرييل غارسيا ماركيز حول العربية إذ وصفها بأنها: لغة أخلاق وآداب ستعود الإنسانية إليها لاستعادة القيم المفقودة أمام طغيان المادة مشيرًا إلى أن دراسته للعربية جعلته يشعر أن لفمه عقلًا. وهذا ما يعكس مكانتها الرمزية والإنسانية كما يُبرز الكتاب دور اللغة العربية بوصفها مصدرًا بنيويًا للثقافة العربية، فهي منظومة معرفية ورمزية صنعت الوعي والهوية، وحفظت التراث الشفهي والنصي، وأسهمت في إنتاج الأدب والفنون والخط والشعر والمقامات،ويتوقف عند أثرها في تشكيل الانتماء الجماعي داخل العالم العربي وفي المهجر، وتحويلها إلى وسيط للعلم والترجمة في العصر الذهبي الإسلامي.
يستعرض الكتاب كيف حافظت العربية على حضورها رغم ضغوط العولمة والازدواج اللغوي، بفضل قابليتها للتكيّف والإلهام في الأدب والترجمة والبحث. ويختتم هذا الجزء بالتأكيد على أن اللغة بقيت وعاءً للذاكرة والإبداع رغم محاولات التهميش، وهو ما أشار إليه أيضًا المستشرق بروس إنغام الذي قادته جمالية الخط العربي للبحث في الشرقيات.
المحور الثاني يتناول أزمة الثقافة والمثقفين العرب، مبينًا أن الثقافة في العالم العربي تعيش حالة من التعثّر المزمن نتيجة القيود السياسية والاجتماعية، وضَعف المؤسسات وهجرة العقول، وغياب البيئة الداعمة للنقد الحر والإبداع، إذ يشير في صفحات الكتاب إلى أن المثقف كثيرًا ما يتحوّل إلى تابع للسلطة أو مراقب عاجز عن التأثير، رغم وجود تجارب عربية ناجحة تثبت إمكانية النهوض الثقافي إذا وُفرت شروط الحرية والمؤسسات الفاعلة. الأزمة – كما يوضح النص – ليست في غياب الطاقات بل في غياب المشروع الذي يوازن بين الأصالة والانفتاح.
يتوسع الكتاب في مناقشة جدلية الجذور والترجمة بوصفها معضلة ثقافية ممتدة منذ العصر العباسي، حين أُدخلت الفلسفة والعلوم الأجنبية إلى الثقافة العربية ونتج تفاعل بين المحلي والوافد ويطرح السؤال كيف نحافظ على الأصالة دون انغلاق، وننفتح دون ذوبان؟ التمسك بالجذور يمنح الشرعية والهوية، والترجمة تفتح باب الحداثة والمعرفة لكن الخلل في العصر الحديث ظهر حين طغى أحد البعدين على حساب الآخر، ما عطّل مشروع النهضة وفي ظل العولمة الرقمية، تبرز مبادرات عربية في الترجمة ودعم المحتوى العربي كأمثلة لإعادة التوازن بين الهوية والتفاعل مع المعرفة العالمية.
أما تجديد الثقافة العربية وتنزيهها فيُطرح بوصفه ضرورة لمواجهة الجمود والتبعية والانغلاق، من خلال إعادة قراءة التراث قراءة نقدية، وتحرير الخطاب من الخرافة والانغلاق، وتطوير التعليم والبحث العلمي والإعلام، والانفتاح على الثقافات دون التفريط في الخصوصية.الهدف هو تأسيس نهضة عربية معاصرة تُبنى على وعي نقدي وهوية مرِنة.
وينتقل الكتاب إلى تمييز الحداثة عن التحديث، حيث تُختزل الثانية في تغييرات شكلية في المؤسسات والتقنيات، بينما الحداثة رؤية فكرية وقيمية أعمق تقوم على الحرية والعقلانية والإنسانية. ويشير إلى أن العالم العربي شهد ظاهرة "تحديث بلا حداثة" بسبب استيراد أنماط خارجية دون تأسيس ثقافي وفكري يضمن استدامتها، مما خلق فجوة بين الشكل والمضمون وأعاق النهضة الحقيقية، ويؤكد على أن الجمع بين التحديث المؤسسي والحداثة الفكرية شرط للنهوض، مع استلهام التجارب العالمية دون قطيعة مع الهوية.
في الخاتمة نستنتج من النص أن قراءة كتاب الدكتورعلي حرب تقدّم تشخيصًا شاملًا لواقع الثقافة العربية ومشكلاتها المتراكمة، وتسلّط الضوء على أزمة مزدوجة يعيشها المثقف بين سلطة قمعية ونخبة عاجزة. في المقابل، تبقى اللغة العربية القلب الحي الذي يحفظ الهوية والذاكرة، لكنها مهددة بالتهميش ما لم يُستعاد دورها. ويدعو النص إلى تجديد الثقافة ضمن توازن بين الأصالة والترجمة، والعقلانية والانفتاح، بما يمكّن من بعث مشروع نهضوي قائم على النقد والمعرفة، ويفرض في الختام قناعة بأن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتها على استعادة دورها الإبداعي والإنساني، والانخراط في الحداثة بوعي يُعيد للعقل العربي فعاليته في إنتاج المعنى والحضارة.
أرجو ان أكون قد وُفقت في عرض أهم محاور هذا الكتاب المُميز في رسم الطريق نحو نهضة ثقافية عربية حقيقية تتفاعل مع ثقافات الشعوب الاخرى لإغناء الحضارة الانسانية الخالية من التسلط والاستغلال وتتجسد فيها الحرية والحوار الهادئ والعقلانية مع الحفاظ على خصوصية ثقافة كل شعب.
#جاسم_نعمة_مصاول (هاشتاغ)
Jassim_Msawil#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟