إياس الساموك
باحث في القانون الدستوري
الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 22:47
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
عندما تنصّ الدساتير على مبدأ الفصل بين السلطات، فإنها تُقرّ بوجود هيئات تمارس كلٌّ منها سلطةً محددة، ولا تتجاوز حدود اختصاصاتها. فهناك هيئة مختصة بالتشريع، وأخرى بتنفيذ ما يُشرَّع، وثالثة تفصل في المنازعات، تمارس كلٌّ منها مهامها وفقاً لمقتضيات هذا المبدأ.
ووجود تعاون بين السلطات في الأنظمة البرلمانية لا يعني أن تحلّ إحداها محلّ الأخرى، وإنما يقتصر على أوجهٍ من التعاون المتبادل التي حدّدتها الدساتير ونظّمت حدودها.
وإلى جانب هذه السلطات التي توصف بالتقليدية، عرفت الدساتير جهةً مختصة بالرقابة الدستورية بوصفها من مقومات الدولة القانونية أيضاً، وذلك بمسميات مختلفة مثل المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري أو المحكمة الاتحادية العليا. وقد حدّدت الوثيقة الدستورية لكلٍّ من هذه الجهات اختصاصاتها على نحوٍ دقيق.
وبما أن جهة الرقابة الدستورية تتولى مهمة الرقابة على الدستور بوصفه القانون الأعلى في البلاد، فمن باب أولى أن تلتزم هي الأخرى حدود اختصاصها، وألا تمتدّ إلى مساحات تتجاوز ما رسمه لها الدستور.
فعندما تتمادى سلطة ما في خرق الدستور، فعليها ألا تنتظر من القضاء الدستوري أن يتجاوز حدوده لتصحيح مسارها أو أن يمارس نوعاً من الوصاية عليها أو العمل نيابة عنها، بل يتعين عليها أن تتحمل مسؤوليتها أمام الرأي العام، ولا سيما إذا كانت من الهيئات المنتخبة.
وفي المقابل، تقع على الناخب مسؤولية الإدراك والوعي والفهم الكامل بأن ممثليه قد ينحرفون في ممارسة السلطة أو يسيئون استخدامها، وأن بعض صور مساءلتهم تقع ضمن مسؤوليته الديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع.
فالقضاء الدستوري هيئة دستورية أسوةً بغيرها من الهيئات، يمارس اختصاصاتٍ حدّدها الدستور، في إطار ولايته المرسومة، ولا يملك التوسع فيها أو التحول إلى جهة مُنشِئة لنصوص دستورية تُضفي على نفسها صلاحيات جديدة.
وعليه، فليس كل خرقٍ للدستور يتولى القضاء الدستوري إيقاع الجزاء عليه، ما لم يمنحه الدستور ذلك الاختصاص صراحةً.
ومن الصحيح أن للقضاء الدستوري بُعدين في عمله: بُعداً قانونياً يتمثل في تطبيق أحكام الدستور وصون سموّه، وبُعداً ذا طبيعة سياسية، بمعنى مراعاة السياقات العامة وتداعيات أحكامه على النظام الدستوري والمصلحة العامة.
غير أن هذا الاعتبار لا يبرر تجاوز حدود ولايته، بل يجب أن يظلّ في إطار الضوابط والأسس التي رسمها الدستور ذاته.
وفي هذا المقام، يحسنُ الاستشهاد بما أورده الدكتور أحمد كمال أبو المجد في دراسته (الرقابة على دستورية القوانين)، إذ يقول: "ولهذا لا نرى بداً في نهاية هذا البحث من أن نحذر من كل صيحة ترتفع منادية بالتوسع في ممارسة الرقابة على القوانين، والخروج بها من نطاقها القانوني الأصيل، إلى مجالات تقحم القضاء- بوعي أو بغير وعي- في إشكالات سياسية ودستورية مع غيره من السلطات".
باحث دكتوراه في القانون الدستوري
#إياس_الساموك (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟