أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - يحي عباسي بن أحمد - المقالة الرابعة – التوراة كسند ملكية: قراءة نقدية في توظيف النصوص الدينية داخل المشروع الصهيوني كيف انتقل النص المقدّس من فضائه الديني إلى فضاء السياسة الحديثة؟















المزيد.....

المقالة الرابعة – التوراة كسند ملكية: قراءة نقدية في توظيف النصوص الدينية داخل المشروع الصهيوني كيف انتقل النص المقدّس من فضائه الديني إلى فضاء السياسة الحديثة؟


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 23:24
المحور: القضية الفلسطينية
    


المقدمة
منذ نهاية القرن التاسع عشر، أخذ المشروع الصهيوني يتحرك في فضاء سياسي أوروبي يتسم بصعود القوميات الحديثة، وتراجع سلطة الكنيسة، وتزايد النزاعات على الهوية. في هذا السياق، وجد قادة الحركة الصهيونية أنفسهم بحاجة إلى سردية شرعية كبرى تربط اليهود بأرضٍ محددة، وتمنح المشروع السياسي قوة رمزية تتجاوز حدود البراغماتية.
ولم يكن اختيار “التوراة” بوصفها أداةً سياسية أمراً عفوياً؛ بل كان خطوة محسوبة لتأسيس “جسر شرعي” بين الماضي والأسطورة والواقع السياسي الناشئ. وهكذا تحولت التوراة من نص ديني متعدد الطبقات إلى مرجع قومي حديث، وأصبحت الآيات والقصص تُستخدم ليس في سياقها الديني، بل في سياق بناء هوية قومية وإنتاج مطالبة سياسية بالأرض.
تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذا التحول، عبر:
قراءة ماهية النص التوراتي قبل التوظيف السياسي.
آليات الاقتباس الانتقائي للنصوص داخل الفكر الصهيوني الحديث.
تحول الرموز الدينية إلى أدوات في الخطاب القومي.
كيف تم نقل الفكرة من مستوى الخطاب إلى مستوى القانون والسياسة.
المعارضات اليهودية الداخلية لهذا الاستخدام.
الهدف هنا ليس نقد دين أو جماعة، بل دراسة كيف تُستخدم النصوص الدينية في مشاريع سياسية حديثة.
أولاً: ما هو الطابع الأصلي للنص التوراتي قبل التوظيف السياسي؟
1. التوراة كنص ديني، لا كوثيقة ملكية
غالبية الباحثين في دراسات الكتاب المقدس (Biblical Studies) يتفقون على أن:
أسفار العهد القديم تشكل مجموعة أدبية – لاهوتية متعددة الطبقات.
تمت كتابتها وجمعها عبر قرون طويلة.
هدفها الأساسي إعادة بناء وعي ديني بعد الأزمات الكبرى (السبي البابلي، الانقسامات السياسية).
وبالتالي، فهي ليست سجلاً عقارياً، ولا وثيقة ملكية سياسية، ولا نصاً تاريخياً بالمعنى الحديث.
2. الطابع الوعظي والأخلاقي
النص التوراتي يقدم:
قصصاً تربوية
شرائع أخلاقية
سرداً لتجارب الأنبياء والملوك
رؤى حول العلاقة بين الطاعة الإلهية والرفاهية الجماعية
أي أن التوراة في أصلها لا تقدم وعداً سياسياً مجرداً، بل “وعداً مشروطاً” مرتبطاً بالالتزام الديني.
3. غياب الحدود الجغرافية الدقيقة
حتى عندما تذكر التوراة أراضي أو مواقع، فإنها:
غير ثابتة عبر الأسفار المختلفة.
تعكس رؤى لاهوتية وليس خرائط سياسية.
تُستخدم أحياناً كاستعارات دينية (أرض الراحة، أرض العهد، أرض الطاعة).
وبذلك، لا يمكن للنص أن يُستخدم كخريطة سياسية في العصر الحديث.
ثانياً: لماذا احتاجت الصهيونية إلى التوراة؟
1. الفراغ الرمزي داخل القومية اليهودية الناشئة
عندما حاول الصهاينة تحويل اليهود من جماعة دينية إلى “أمة”، واجهوا سؤالاً مركزياً:
ما هو الرابط الذي يوحد اليهود — الموزعين في عشرات البلدان والثقافات — في هوية قومية واحدة؟
ولأن:
اللغة العبرية لم تكن لغة محكية
والأرض التاريخية لم تكن موطناً لأغلب اليهود
والثقافة اليهودية نفسها متعددة
لم يكن هناك رابط قومي جاهز.
لذلك لجأت الصهيونية إلى التراث الديني بوصفه المصدر الوحيد الممكن لبناء سردية قومية.
2. الحاجة إلى خطاب مقنع للغرب المسيحي
القوى الأوروبية المسيحية كانت مأخوذة بالسرديات الدينية عن “أرض الميعاد”.
ولذلك، استخدم الصهاينة النص التوراتي لبناء خطاب يلقى قبولاً سياسياً لدى الدول الغربية.
3. البحث عن شرعية أخلاقية
النص الديني يمنح المشروع السياسي:
رمزية
شرعية تاريخية
عمقاً أسطورياً
قدرة على تجاوز التقييم الأخلاقي المباشر
وبذلك، تصبح السياسة محمية بمنظومة قدسية.
ثالثاً: آليات التوظيف السياسي للنص التوراتي
1. الانتقاء النصي (Selective Quotation)
اعتمد الخطاب الصهيوني على آيات محددة:
“لنسلك أعطي هذه الأرض”
“ملكاً أبدياً”
وفي المقابل، تم تجاهل نصوص أخرى تُظهر:
المشروطية الأخلاقية
فقدان الأرض عند الظلم
دور الأنبياء في محاسبة الملوك
معايير العدالة في الحكم
وبذلك تم تشكيل “نصّ سياسي” من خلال الانتقاء، لا من خلال القراءة الكاملة.
2. تحويل الوعد من ديني إلى قومي
الوعد في النص التوراتي يتعلق بـ:
جماعة محددة زمنياً
مشروطة بالطاعة
في سياق لاهوتي
لكن الصهيونية أعادت صياغته كالتالي:
“الوعد التاريخي لليهود كشعب قومي بحق دائم في الأرض.”
وهذا التحول يتجاوز النص الأصلي ويتعارض مع فهم الحاخامية التقليدية.
3. التعامل مع القصص الدينية كأنها خرائط سياسية
الأسفار التي تروي قصصاً عن داود وسليمان تم تحويلها إلى:
ملكية سياسية
حدود للدولة
مبررات للضم والتهويد
مع أن هذه القصص ذات طابع تاريخي–ديني وليس طابعاً قانونياً.
4. تفعيل الرموز: من المينوراه إلى “الهيكل”
أصبحت الرموز الدينية:
علماً
شعاراً للدولة
مبرراً لحصاد المواقع الأثرية
خطاباً تعبويّاً حول “الهيكل الثالث”
وهذا يؤكد انتقال الرمز من سياق العبادة إلى سياق التعبئة السياسية.
رابعاً: من التوراة إلى القانون — كيف دخل النص الديني مؤسسات الدولة؟
1. قانون العودة 1950
يمنح كل يهودي حق الهجرة والجنسية بناءً على فكرة:
“حق تاريخي قديم”.
وهذه الفكرة مستمدة من التفسير القومي للنص الديني.
2. قانون أملاك الغائبين
استخدم لتبرير السيطرة على الأراضي بعد 1948، عبر فرضية:
أن الفلسطينيين “ليسوا أصحاباً أصليين”.
3. الخطط الاستيطانية
تعتمد الحركات القومية الدينية (Gush Emunim وغيرها) على فهم حرفي للوعد، وتعتبر المستوطنات:
فريضة دينية
تحقيقاً لنبوءة
استعادة لـ “أرض الأجداد”
وهذا التوظيف هو الأكثر تأثيراً على الواقع السياسي.
خامساً: المعارضة اليهودية لاستخدام التوراة سياسياً
1. المعارضة الأرثوذكسية التقليدية
طوائف حاخامية عدّة ترى أن: إقامة دولة قبل “العصر المسيحاني” غير مشروعة.
استخدام النص لتبرير السياسات المعاصرة مخالف للتعاليم الدينية.
2. اليهودية الإصلاحية
تعتبر أن:
اليهودية ديانة عالمية
ليس لها مشروع قومي
ولا يستند الدين إلى أرض محددة جغرافياً
3. المؤرخون اليهود "الجدد"
باحثون مثل:
شلومو ساند
إيلان بابيه
توم سيغف
يرفضون تحويل النص الديني إلى وثيقة سياسية.
سادساً: لماذا لا يمكن اعتبار التوراة "سند ملكية"؟
1. لأن النصوص الدينية ليست وثائق قانونية
لا يوجد في القانون الدولي أي اعتبار لملكية تُثبت بنصوص دينية.
2. لأن النص لا يحدد هوية جماعة معاصرة
التوراة تتحدث عن جماعة كانت موجودة في زمن محدد، وليست “وثيقة نسب” للشعوب الحالية.
3. لأن النصوص الدينية متعددة التأويل
لا يمكن بناء قوانين حديثة على نصوص رمزية أو لاهوتية.
4. لأن التوراة نفسها تربط “الأرض” بـــ"العدل"
التقليد التوراتي يقدم معياراً واضحاً:
الأرض تُمنح عند الطاعة
وتُسلب عند الظلم
وبذلك لا يمكن استخدامها لتبرير سياسات غير عادلة.
الخاتمة
تحوّل النص التوراتي داخل الفكر الصهيوني من نص ديني إلى “سند ملكية” كان نتاجاً:
لتحولات الهوية القومية
لنزاعات القرن التاسع عشر
لحاجة سياسية إلى الشرعية
ولرغبة في بناء سردية موحِّدة
لكن هذا التحول ليس استكمالاً للدين، بل إعادة إنتاج له في قالب قومي.
ولا يمكن فهم الصراع في المنطقة دون فهم هذه النقلة:
من الدين إلى السياسة، ومن الرمز إلى القانون، ومن السردية الأخلاقية إلى السردية القومية.
قائمة المراجع
Ben-Gurion, D. (1969). The Bible as History and Power. Tel Aviv University Press.
Cohn, R. (2001). The Shape of Sacred Space. Westminster John Knox.
Kook, A. I. (1920). Orot. Jerusalem.
Masalha, N. (2007). The Bible and Zionism. Zed Books.
Pappe, I. (2006). The Ethnic Cleansing of Palestine. Oneworld.
Sand, S. (2008). The Invention of the Jewish People. Verso.
Whitelam, K. (1996). The Invention of Ancient Israel. Routledge.



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقالة الثالثة: من اليهودية إلى الصهيونية — كيف تحوّل الدين ...
- المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشر ...
- المقالة الأولى: بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟ قراءة ...
- المقال السادس: الخاتمة: كيف نتعامل مع ظاهرة المدخلية؟ رؤية م ...
- المقال الخامس: المنهج الوسط: البديل الشرعي في التعامل مع الو ...
- المقال الرابع: نقد فكر المدخلية من منظور شرعي وواقعي
- المقال الثالث: تأثير المدخلية على النسيج الاجتماعي والحراك ا ...
- المقال الثاني: الأسس العقدية والفقهية للمدخلية: قراءة نقدية
- المقال الأول: المدخلية: التعريف والنشأة وملامح الفكر
- كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف ...
- المقال الثامن :الاستنتاج البنيوي: تفكيك الأسطورة الصهيونية و ...
- المقال السابع : الكيان الصهيوني كأداة مركزية في الغرب: قراءة ...
- المقال السادس :الوعي العربي أمام إسرائيل: من الخضوع الرمزي إ ...
- المقال الخامس : الديمقراطية الانتقائية: لماذا يُمنح القاتل ح ...
- المقال الرابع : إسرائيل كوظيفة: لماذا ليست دولة مكتملة؟ تفكي ...
- المقال الثالث :الصهيونية المسيحية: حين تتحوّل النبوءة إلى سي ...
- المقال الثاني: من الهولوكوست إلى فلسطين: كيف انتقلت الضحية؟ ...
- المقال الأول :إسرائيل: دولة أم أسطورة؟ – تفكيك مفهوم الشرعية ...
- الكيان في عقول النخبة العربية والمسلمة دراسة تحليلية في تمثّ ...
- حين تنتصر اللغة قبل الدبابة: كيف صنعت «دولة إسرائيل» نفسها ف ...


المزيد.....




- المحادثات النووية: اتصالات بين عراقجي ونظرائه في مصر وقطر وا ...
- -جنة الوحش-.. عرض مسرحي يسخر من ترامب عبر شخصية ملك لا يشبع ...
- الجيش الإسرائيلي يتوغل في ريف القنيطرة ويعتقل مواطنا
- العثور على مقبرة جماعية بحي التضامن في دمشق
- المشري: حفتر ونجله مستفيدان سياسيا من غياب سيف الإسلام
- بعد تقارير عن تعثرها.. عراقجي: المحادثات مع أمريكا الجمعة في ...
- هل يمكن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في ظل التحديا ...
- رئيس حكومة لبنان ليورونيوز: قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحد ...
- من الإذلال إلى السجن والإعدام.. تقرير حقوقي يوثق قمع كوريا ا ...
- المغرب: فيضانات تاريخية تهدد بغمر مدينة القصر الكبير بالكامل ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - يحي عباسي بن أحمد - المقالة الرابعة – التوراة كسند ملكية: قراءة نقدية في توظيف النصوص الدينية داخل المشروع الصهيوني كيف انتقل النص المقدّس من فضائه الديني إلى فضاء السياسة الحديثة؟