|
|
أيام الفاطمي المقتول
حكمت الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 20:47
المحور:
الادب والفن
*الجثة التي تفكر: قراءة علائقية فوكويّة في رواية نزار شقرون "أيام الفاطمي المقتول".. بقلم: حكمت الحاج *
** صدرت مطلع هذا العام 2025، رواية جديدة للكاتب التونسي نزار شقرون بعنوان “أيام الفاطمي المقتول” عن دار "صفصافة" للنشر والتوزيع بمصر، بالاشتراك مع دار “مسكلياني” للنشر والتوزيع بتونس، بواقع ثلاثمائة واثنتين وخمسين صفحة، وهي الخامسة له بعد أربع روايات سابقة صدرت للكاتب على مدى العقدين الماضيين، هي على التوالي الزمني: “بنت سيدي الرايس” – الدوسري للنشر، البحرين 2010. “الناقوس والمئذنة”–دار جامعة حمد بن خليفة، قطر 2017. “دم الثّور: الباب المفقود في كليلة ودمنة”- دار الوتد (قطر)، دار الفارابي (لبنان) 2019. “زول الله في رواية أخت الصّفا”- دار مسكلياني، تونس 2022.
ويستطيع القاريء، مهما كانت مشاربه، أن يكتشف بمجرد الانتهاء منها أنه أمام رواية "مهجنة" تنتمي لنوع الروايات السردية التأملية ما-بعد-الحداثية. تمزج بين السيرة الذاتية المتخيلة، والميتافيزيقيا، والخيال السياسي، مع نبرة فلسفية وتأملية. وبإبحار أكثر غوصا في السرد المعاصر ومفاهيمه النقدية، نستطيع الزعم أن “أيام الفاطمي المقتول” تنتمي إلى ما بعد الواقعية، وتحديدًا ضمن تيار الواقعية السوداوية الغرائبية (Dark Speculative Realism) الممزوجة بنَفَس ديستوبيّ وتأويلي معاصر. كما تظهر فيها عناصر من الرواية الوجودية السياسية، ومن الفنتازيا النقدية، وأحيانًا الواقعية السحرية الداكنة، لكن بإطار رمزي سياسي ثقيل الظلال. بطل الرواية أو الشخصية الرئيسية فيها هو “المختار الفاطمي”، شخصية ذات أبعاد مركبة: فهو باحث في التاريخ، وإمام سابق، ومثقف يحمل إرثًا دينيًا وشخصيًا معقّدًا. ولعل من أهم صفاته أنه حائر، تأملي، مسكون بالذاكرة، حساس تجاه العدالة، مشبع بروح نقديّة لاذعة، ممزق بين الإيمان والشك، ويميل إلى الفهم الكوني للمعنى. بعد موته المفاجئ –الغامض– يبدأ سرد الرواية من منظور “الروح”، حيث يتابع مختار تفاصيل ما يحدث له بعد وفاته. وتقوم الحكاية أو الخُرَّافة داخل الرواية هذه على فكرة “العودة الروحية من الموت”، إذ يجد البطل نفسه يراقب كيف تتعامل السلطات والمجتمع مع جثمانه، بينما تكشف الرواية تدريجيًا خيوط مؤامرة غامضة تقف خلف وفاته. يقتبس المؤلف نزار شقرون من الشاعر محمود درويش عبارة دالة يصدر بها روايته، لكنها، أي العبارة، تشي بدقة غريبة بمعمار الرواية برمته: «لَمْ يَعُد أحدٌ من الموتى ليخبرنا الحقيقة». وتأخذ الحبكة بالتصاعد من سرد تأملي داخلي (شبه صوفي) إلى تحوّل بوليسي سياسي ساخر، إذ نكتشف أن البطل قد يكون اغتيل أو أُخفيت حقيقة وفاته بسبب ما يعرفه من أسرار، لتنتهي الرواية وهي تفتح أفقًا وجوديًا وأسئلـة كبرى عن الحقيقة، السلطة، الهوية، والانتماء. تعتمد الرواية على راوٍ داخلي ضمني –ربما هو روح البطل نفسه– وهو راوٍ جزئي العلم في البداية، ثم يتسع إدراكه تدريجيًا ليقترب من الراوي كلي العلم، أو العليم، حين يطلّ على تفاصيل ما بعد موته. لكنه ليس “كليّ العلم” تمامًا، إذ يحتفظ بالتوتر بين المعرفة والجهل، وبين الداخل والخارج. فبعد موته ودفنه، يتملى الراوي-البطل في شاهدة قبره ويقرأ: (الله أكبر، ضريح المغفور له مختار الفاطمي، المولود في 26 جانفي 1978 والمتوفّى في 17 ديسمبر 2012، تغمده الله بواسع رحمته).
عندما فكرت في مقاربة هذه الرواية نقديا، تساءلت بيني وبيني، عَمَّا هي المدرسة النقدية المعاصرة الأقرب إلى تناول هذه الرواية بالنقد والتحليل؟ فوجدت، كما سيجد غيري، أن الأقرب إليها هي مدرسة النقد الثقافي ما بعد الكولونيالية، مع إمكانات غنيّة لتطبيق نظرية الجسد السياسي (biopolitics)، ونظرية “الذات المنقسمة” في السرد السيكولوجي. كما تصلح الرواية أيضا لمقاربة تعتمد النقد “الفوكوي/ الدولوزي” حول آليات السلطة والمراقبة، وكذلك من خلال نقد الذاكرة والسرد الشفاهي في سياق الانهيارات الاجتماعية ونظريات البايوبوليتيكس. وما بين المدرستين أعلاه، آثرت الثانية، وذلك لقربها أكثر مني، ولأنه لم يسبق لي من قبل أن استعنت نقديا بمدرسة النقد الثقافي بأطيافها الواعدة، مع اعترافي بقوة اكتساحها لفضاء النقد في عالمنا العربي راهنا.
إذن، ستهدف هذه “المحاولة” مني إلى “قراءة” رواية “أيام الفاطمي المقتول” للكاتب التونسي نزار شقرون من خلال منظور نقدي شبكي يجمع بين العلائقيات الجمالية ومفاهيم السلطة، والمراقبة، والسياسة الحيوية كما قدّمها ميشيل فوكو. وتفترض الدراسة أن هذه الرواية تتجاوز الأشكال السردية التقليدية لتتحوّل إلى فضاء جمالي تفاعلي يُعاد فيه تشكيل العلاقة بين السياسة والشعر، بين الموت والسرد، بين السلطة والتمثيل. فالجثة في هذا النص ليست نهاية، بل هي نقطة انطلاق تأملية، وموقع مقاومة وتوتر جمالي وسؤال معرفي.
ففي عالم تتقاطع فيه الحقول النظرية وتتداخل فيه الأجناس الأدبية وتنهار الحدود القديمة بين ما هو سردي وما هو فلسفي، تبرز الحاجة إلى إعادة تأمل النص الأدبي من زاوية لا تكتفي بالتحليل البنيوي أو التفكيكي، بل تسعى إلى كشف الحقول العلائقية التي ينشئها النص داخل تجربته القرائية. من هذا المنظور، تبدو رواية أيام الفاطمي المقتول نادرة الحدوث، من حيث اعتمادها مقاربة وجودية جمالية تعيد موضعة السرد العربي ضمن أسئلة الحياة والموت والسلطة والهوية، على نحو يتجاوز حدود الأنواع، ويفكك الخطابات، ويفتح إمكانات جديدة للتلقي النقدي. الرواية ليست فقط عن شخصية ماتت في ظروف غامضة، بل هي عن الجسد كأثر، كدليل، كأداة تفكيك، وكمنصة مقاومة. مختار الفاطمي لا يتحدث بصفته شهيدًا أو بطلاً تقليديًا، بل باعتباره “ميتًا واعيًا”، يؤسس لرؤية سردية مغايرة، تتحرك من الداخل نحو الهامش، ومن القبر إلى المشهد السياسي. هنا تتحول الجثة إلى راوي، والسرد إلى طقس استعادة رمزي، يفضح أشكال الرقابة، القمع، والإقصاء. تُقرأ الرواية من خلال عدستين متداخلتين: الأولى هي علائقيات نيكولا بوريّو، التي ترى الفن تفاعليًا، متجسدًا في العلاقات البشرية لا في المنتجات المنجزة، والثانية فوكويّة، ترى في الجسد مسرحًا للسلطة، وفي الموت مساحة يُعاد فيها تنظيم الحياة الرمزية للإنسان. يتيح هذا الاقتران فتح النص على تأويلات متعددة: بين الفن والنظام، بين الحياة كمجال للمراقبة، والموت كموقع للاحتجاج الجمالي. وهنا، في سياق القراءة، يجب أن يستوقفنا فصل الرواية الأول ومفتتحها الذي يحمل عنوانا بالبنط العريض يقول “لا أذكر أنّي بُعثتُ”، لينبئنا العنوان الشارح بالحرف العادي أننا في “المدينة البيضاء” وبالتحديد في العام 2030 من التقويم الميلادي. ولكن هذا التاريخ ليس بعيدا، فبيننا وبينه خمس سنوات فقط، مما يزيل من أمامنا أية نية لإدراجها ضمن روايات “المستقبل” الكارثية، ومع ذلك، ترفض هذه الرواية التراتبية الزمنية بشدة، وتنأى بنفسها عن الحبكة الصلبة، فتبدو كما لو أنها تركيب بصري/سردي مفتوح. الجثة التي تُوضع في الصندوق لا تغلق المعنى، بل تفتحه. إنها الجثة/النص، الجثة/المرآة، الجثة/الفضيحة. نقرأها لا كعلامة على الغياب، بل كعودة قسرية إلى المركز. فمختار يعود، لا ليعيش، بل ليُحاكم، لا ليتحدث، بل ليسائل الجميع عن صمتهم، عن تدبير موتٍ تمّ داخل نظامٍ يُشبه المختبر الأمني أو الطقس الطّبي. والجثة في هذا السياق ليست مجرد موضوع للسرد، بل هي سردٌ مضاد. ففي مشاهد التشريح، والتحقيق، والدفن، تتكرر ثيمات السلطة الحيوية التي يصفها فوكو: الجسد لا يُدفن إلا وفق نظام، ولا يُكشف إلا بموافقة، ولا يُبكى عليه إلا حين تسمح السلطة بذلك. ومثلما تُدار الحياة عبر الطب، تُدار الجثث عبر التشريح المؤسسي، حيث تصبح المعرفة الطبية أداة قمع. وفي المقابل، تُنتج لنا الرواية خطابًا علائقيًا حيث القارئ ليس مستهلكًا للحدث، بل مشاركًا في بنائه. إذ لا يقدَّم المعنى كشيء ناجز، بل كعلاقة. العلاقة بين القارئ والجثة، بين الصوت والصمت، بين النص والسلطة. هكذا تتحول الرواية إلى “تجهيز جمالي” يجعل من التلقي فعلًا تأويليًا لا نهاية له. وهذا ما يجعل من مختار الفاطمي ليس بطلًا، بل شبكة سردية تتقاطع فيها الأسئلة: من يملك الحق في تسمية الموت؟ من يقرر مراسم الدفن؟ من يحق له البكاء؟ ولماذا تتشابه المشرحة والثكنة والسجن؟ ليست رواية أيام الفاطمي المقتول محاولة لتفسير الموت، بل هي تمرين جمالي على مقاومة صمته. هي نصٌّ يُقرأ بوصفه مساحة تأويلية مفتوحة، تُقارب السلطة من مكان الجثة، لا من موقع العقيدة أو البيان. وهي، في جوهرها، احتجاج وجودي ناعم، يرفض أن يكون الموت نهاية، ويعيد الجثة إلى المسرح لا بوصفها رمزًا، بل باعتبارها بنية لغوية وحسّية وأخلاقية. الرواية هذه (مثلما هو مطلوب من كل رواية متقنة) تنجح في مهمتها لأنها لا تبرر، ولا تخضع لسلطة السرد الكلاسيكي، بل تقاومه عبر بناء صوت ميت، يفضح حياة زائفة. إنها رواية الميتاسرد عن الجثة المفكرة، التي تمزج التأمل بالتحليل، والسياسي بالجمالي، والسردي بالفلسفي، وتعيد إلى القارئ حريته في المعاينة، والتفسير، والشك. ولعلّ القيمة الجمالية القصوى لهذا النص أنه لا يقترح أجوبة، بل يحرّض على أسئلة. أن يحول التابوت إلى منبر، وأن يُعيد ترتيب العلاقة بين الحي والميت، بين الجثة الدفينة والجثة المفكرة، بين الكاتب والقارئ، بين الرواية ومؤسسات الحياة. وفي ذلك، تتجلى أهم وظائف الأدب: لا أن يُطمئن، بل أن يُقلق. اسمحوا لي الآن أن أختم قائلا: إن رواية “أيام الفاطمي المقتول” للتونسي نزار شقرون ليست رواية لكي تُقرأ، بل هي رواية تدعو القاريء ليُشارك في كتابتها عبر تلقٍّ متوتر، علائقي، سياسي، وشاعري. إنها نص ميتاسردي ينتمي إلى زمن ما بعد الحقيقة، حيث الحقيقة تُشرح وتُلفّ بقماش الكفن، وتُحجب في صندوق.
إشارات:/ ** نزار شقرون، أيام الفاطمي المقتول، رواية، دار صفصافة للنشر والتوزيع، مصر، دار مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس 2025.
ملاحظة:/ ** نشر المقال في مجلة "الأقلام" الفصلية الثقافية الصادرة ببغداد، ضمن مواد العدد الثاني منها في يوليو تموز لسنة 2025.
#حكمت_الحاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دعاء البرء والعواطف
-
أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا بعيون ألمانية
-
المولوي
-
قصتان وجيزتان عن الألم
-
مرآة لخداع قدم الورد
-
قراءة في تجسسات لاشعورية
-
رواية جديدة أخرى عن العراق: -لحم- دافيد سزلاي
-
من يسكب الهواء في رئة القمر
-
الحرب، وما أدراك
-
نهر عناقنا المكسور
-
صورة العراق في الرواية الإنكليزية المعاصرة
-
قل مرحى لمنفى آتٍ يا رفيق
-
ثلاثون مثقالا من الزمن
-
أوزماندياس
-
الأنهار التي تصغر
-
كوضع السيف في موضع الندى
-
النص الهجين بين القصة القصيرة وقصيدة النثر
-
فوق الغيم في غرفة مليئة بالقصص والحكايا
-
عندما تكتبُ الكردية شعراً، يُصلّي الوردُ معها بلغتين
-
رسالة فلسفية شعرية.. تراكتاتوس فيلوسوفيكو بويتيكوس
المزيد.....
-
نقابة المهن التمثيلية في مصر توقف مسلسلا وتمنع عرضه في رمضان
...
-
الأضخم في تاريخه.. 6 ملايين زائر مع ختام معرض القاهرة للكتاب
...
-
صور|تحضيرات معرض -المدى- الاستثنائي لدعم ثقافة القراءة
-
6 روايات في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية
...
-
فساتين بزهور ثلاثية الأبعاد وسلاسل معدنية وريش..فنانة أمريكي
...
-
جائزة -غرامي 2026- لكتاب الدالاي لاما تثير غضب الصين
-
رواية -أصل الأنواع-.. القاهرة في مختبر داروين
-
الدب الذهبي المحاصر.. كيف همّش مهرجان برلين أفلام غزة؟
-
خمسون دولارًا مقابل مشاهدة فيلم ميلانيا ترامب؟
-
عائلة الفنانة هدى شعراوي تكشف تفاصيل صادمة حول مقتلها ومحاول
...
المزيد.....
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|