أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - تشكيل الوعي في العصر الرقمي














المزيد.....

تشكيل الوعي في العصر الرقمي


نهاد السكني

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


د. نهاد رفيق السكني

في عصر الإعلام الاجتماعي والبروباغندا الرقمية، لم يعد التأثير حكرًا على السياسيين أو المثقفين التقليديين. اليوم، يستطيع أي صانع محتوى تيكتوكر أو يوتيوبر .. الخ من المسميات ، مهما كان مستواه التعليمي أو الثقافي، أن يصل إلى ملايين البشر، وأن يؤثر في وعيهم، بل أحيانًا أن يتفوّق في حضوره وتأثيره على أصحاب القرار أنفسهم.

لم يعد العلم أو التاريخ أو الفلسفة وحدها تصنع النفوذ، ولم يعد العمق أو التوثيق معيارًا للتأثير. المعيار الحقيقي بات القدرة على جذب الانتباه، وتحريك العاطفة الجماهيرية، واستثمار الفراغ الفكري أو الأخلاقي لدى الجمهور. في هذا السياق، يمكن لفيديو قصير أو منشور صادم أن يحجب جرائم كبرى، ويصنع رموزًا زائفة، ويحوّل أحداثًا مصيرية إلى تفاصيل هامشية، بينما يبقى الجمهور أسير خطاب يُدار من خلف الستار، دون أن يدرك من يحرّك الخيوط.

غير أن هذا الصعود السريع لأي صانع محتوى لا يحدث في فراغ، ولا يعتمد فقط على وعيه أو صدق فكرته أو حتى مهارته. ما يرفعه أو يُسقطه فعليًا هو الخوارزميات؛ أنظمة تُقدَّم بوصفها محايدة، لكنها في الواقع تعمل وفق تعليمات دقيقة، وأجندات واضحة، وحدود صارمة لما يُسمح له بالانتشار وما يجب دفنه.

تجاوز هذه الخوارزميات اليوم صار أصعب من تجاوز معبر رفح: أسلاك شائكة، نقاط تفتيش رقمية، حواجز خفية، وكاميرات لا تتعرّف على الوجوه فقط، بل على الكلمات والنوايا والسياقات. ما يُسمح له بالوصول إلى الجمهور ليس ما هو الأصدق أو الأعمق، بل ما يخدم منطق السوق، ويُبقي الجمهور في حالة استهلاك دائم، وانفعال مستمر، دون وعي حقيقي.

الأخطر من ذلك، أن هذه القواعد لا تُطبَّق دائمًا بالتساوي. فالمحتوى الذي قد يُعدّ مخالفًا لسياسات المنصات في سياق معيّن، يمكن أن يُمرَّر ويُضخَّم إذا خدم رواية بعينها. هكذا رأينا كيف تُمرِّر الخوارزميات موادًا مرئية تخدم سرديات القوة وتعيد إنتاج صورة “غزة كقوة عظمى” أو تزيّف السياق، حتى لو كانت في وضع طبيعي كفيلة بإغلاق صفحات كاملة، أو حظر حسابات فورًا. لكن طالما أن هذا المحتوى يصبّ في مصلحة إسرائيل، أو يخفف من وطأة جرائمها، تصبح المعايير أكثر مرونة، والرقابة أكثر تساهلًا.

أما الأفكار التي تهدد هذا النظام، أو تكشف اختلاله الأخلاقي والسياسي، فتُحاصر في الظل، تُخنق بصمت، أو تُدفن تحت سيل من التفاهة المصنّعة بعناية. وهكذا، لا تتشكّل الجماهير عفويًا، بل يُعاد هندستها رقميًا، وفق ما تقرره خوارزميات لا يراها أحد، لكنها تحكم الجميع.

في هذا المشهد، لم يعد السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك الخوارزمية الأذكى. فالقوة اليوم لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بالقدرة على التحكم بما يراه الناس، وما يُخفى عنهم، وما يُعاد تدويره حتى يصبح “حقيقة” غير قابلة للنقاش. تضخيم قدرات غزة، أو شيطنتها، أو تفريغ معاناتها من معناها، ليست أخطاء عشوائية في نظام رقمي معطوب، بل نتائج منطقية لمنظومة تعرف تمامًا ما تفعل، ولمن يديرها من خلف الشاشات.
هكذا يُعاد تشكيل الوعي الجمعي: ليس عبر القمع المباشر، بل عبر الإغراق، الانتقائية، وإدارة الغضب. يُسمح لبعض الروايات أن تتضخم، حتى لو خالفت الواقع أو سياسات المنصات نفسها، بينما تُحاصر روايات أخرى لأنها تهدد التوازن الذي يخدم القوة. في النهاية، لا يصبح الجمهور ضحية الكذب فقط، بل شريكًا غير واعٍ في إعادة إنتاجه، وهو يظن أنه يختار، بينما كل الخيارات مُرتّبة سلفًا.



#نهاد_السكني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثبات الانفعالي في زمن الاستفزاز الرقمي: حين يصنع الذكاء ال ...
- الدولار الضعيف، هندسة ترامب العكسية للعولمة: كيف يريد ترامب ...
- البصمة الوراثية… ملامح السيادة القادمة في دولة فلسطين
- الجدي لا يلعب على تيس… درس القوة والسيطرة الرقمية
- احتلال إيران: طهران تحت الإدارة الرقمية الصامتة
- عصر «القلاع الرقمية»: ليلة سقوط طهران
- من برلين 1945 إلى غزة 2026: هل يُعاد رسم «الخطوط الصفراء»؟
- لا كل من خرج عن القطيع بطل ولا كل من صمت جبان
- رحلة إلى شبرا من السلام… مغامرات جمع الأجرة على الطريق الدائ ...
- لماذا تتمدّد القاهرة شرقًا وغربًا وجنوبًا… وتتوقف شمالًا؟ قر ...
- الإنسان بين العلم ووهْم المركزية : حتى لو انقرض البشر… ستستم ...
- تحليل الذكاء البشري: الخريطة الجينية، التحدي البيئي، وإرادة ...
- غزة بين الجوع والركام… والرحلة الغامضة من مطار رامون إلى نير ...
- الإمبراطورية اليابانية بين التاريخ والنهضة: ما الدروس الواقع ...
- الذين يعودون مع اكتمال القمر
- وزارة الصحة الفلسطينية: خطوات نحو رقمنة النظام الصحي وتعزيز ...
- سُرّة العالم التي لا تسقط، غزة… المدينة التي تُولد من رمادها
- الديكتاتورية الرقمية: حين يرى إيلون ماسك الحقيقة التي يريدها
- دور الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية في تشغيل المتحف ال ...
- الديكتاتورية الرقمية: بين الخوارزميات والجماهير


المزيد.....




- وحدات من الداخلية السورية تدخل إلى القامشلي بموجب الاتفاق مع ...
- أخبار اليوم- مسؤول سوري: السعودية ستستثمر مليارات الدولارات ...
- اوكرانيا - روسيا : محادثات على وقع المسيرات
- القراءة.. كيف تساعد في تحسين صحتنا العقلية والنفسية؟
- القوات الحكومية السورية تدخل إلى مدينة القامشلي ذات الغالبية ...
- الجيش السوداني يكسر حصار كادوقلي في جنوب كردفان
- المغرب: القصر الكبير... مدينة مهجورة غادرها سكانها هربا من خ ...
- أردوغان يصل الرياض لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمي ...
- قمة الويب 2026: الصوت هو مستقبل التحكم في الذكاء الاصطناعي
- قرار إسرائيلي جديد يستهدف أراضي القدس ويهدد باقتلاع سكانها


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نهاد السكني - تشكيل الوعي في العصر الرقمي