أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جابر احمد - الاقتصاد الأحادي في إيران: من القمة إلى أزمة النظام الراهنة















المزيد.....

الاقتصاد الأحادي في إيران: من القمة إلى أزمة النظام الراهنة


جابر احمد

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 00:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من زاوية علم الاقتصاد السياسي، تُعدّ إيران نموذجًا كلاسيكيًا لما يُعرف بـ«الاقتصاد الأحادي»؛ أي الاقتصاد الذي يعتمد في إدارة شؤونه الأساسية على مصدر واحد ووحيد هو إنتاج النفط. فعلى امتداد العقود الماضية، ارتبط ازدهار الاقتصاد الإيراني وارتفاع قيمة العملة الوطنية بشكل شبه مباشر بمستوى إنتاج النفط وأسعاره في الأسواق العالمية، بينما كان أي تراجع في هذه العوامل كفيلًا بإغراق البلاد في أزمات تضخمية ونقدية خانقة.

النفط والدولة الريعية قبل 1979

شهدت إيران خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي معدلات نمو مرتفعة، غير أن هذا النمو لم يكن نتاج تطوير بنيوي أو تنويع اقتصادي، بل كان انعكاسًا مباشرًا لارتفاع أسعار النفط عالميًا. إلا أن الثروة الهائلة التي تدفقت إلى خزينة الدولة آنذاك لم تُستثمر في بناء اقتصاد إنتاجي مستدام، بل جرى توجيه الجزء الأكبر منها إلى التسلّح، وتوسيع الجهاز البيروقراطي، وتعزيز الدولة الريعية. ونتيجة لذلك، اتّسعت الهوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، وتفاقمت التفاوتات الاجتماعية.

وفي سبعينيات القرن الماضي، ومع تعمّق هذه الهوة الطبقية، تزايد نشاط الأحزاب اليسارية والقوى الوطنية الداعية إلى ردم الفجوة الاجتماعية وتحسين أوضاع المجتمع. وفي هذا السياق، اتخذ الشاه قرارًا ببيع النفط وأخذ ثمنه نقدًا بدلًا من المعدات العسكرية، ما أثار غضب القوى الغربية. تزامن ذلك مع اندلاع احتجاجات واسعة ضد نظام الشاه. ولمنع انتقال الحكم إلى أيدي القوى الوطنية واليسارية، ساند الغرب حراك رجال الدين وساعدهم على الوصول إلى السلطة. وهنا يتبدّى بوضوح كيف لعب النفط دورًا محوريًا في إسقاط نظام الشاه، ليس فقط كعامل اقتصادي، بل كأداة في توازنات الصراع السياسي الدولي.

من الثورة إلى إعادة إنتاج الاقتصاد الأحادي

المفارقة أن القوى التي عارضت النظام السابق – بمختلف أطيافها اليسارية والدينية – التقت حينها على شعار العدالة الاجتماعية لاستقطاب الفئات المهمّشة التي شكّلت الغالبية العظمى من المجتمع. وقد نجحت هذه القوى في إسقاط النظام، لكنها سرعان ما ورثت بنيته الاقتصادية نفسها بكل خصائصها الريعية والتسلطية، ورفعت شعار «لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية»، من دون إحداث قطيعة حقيقية مع نموذج الاقتصاد الأحادي.

ومع تبنّي نهج تصدير الثورة، والانخراط في صراعات إقليمية ودولية وحروب خارجية، جرى إهمال التنمية الاقتصادية الداخلية. واتجه النفط الإيراني تدريجيًا نحو الشرق، ولا سيما الصين، حيث بيع بأسعار متدنية، من دون توظيف عائداته في مشاريع تنموية حقيقية. وبدلًا من ذلك، جرى تسخير هذه الثروة لأغراض سياسية ومشاريع خارجية تحت شعار «تصدير الثورة»، إلى جانب التركيز على التسلّح والتدخلات الإقليمية. وقد أسفر هذا المسار عن تعميق الفجوة الطبقية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وتفشّي الفساد على نطاق واسع، فضلًا عن مصادرة الحريات العامة وتشديد القيود الاجتماعية تحت غطاء بعض تفسيرات أحكام الشريعة.

العقوبات وتفكك الأساس النقدي

ثم جاءت العقوبات الدولية وتراجع كفاءة أدوات استخراج النفط لتُفاقم الأزمة. توقّفت مشاريع التنمية، وانهارت العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، ودفع الغالبية العظمى منهم إلى حافة الفقر، في ظلّ انسداد الأفق السياسي وتآكل الثقة العامة.

الصدع النقدي في قلب طهران

تتجلّى ذروة هذا المسار الانحداري اليوم في الأزمة النقدية غير المسبوقة التي شهدتها طهران مؤخرًا. ففي غضون أربع وعشرين ساعة فقط، سجّل سوقا الذهب والعملات أرقامًا قياسية تاريخية، بالتزامن مع تنفيذ الحكومة ما وصفته بـ«الجراحة الكبرى» في النظام النقدي.

تجاوز سعر سكة «الإمامي» حاجز 168 مليون تومان، وقفز الدرهم الإماراتي إلى قناة 41 ألف تومان، وهو ما دفع دولار طهران إلى مشارف 150 ألف تومان، في حين تجاوز اليورو 173 ألف تومان في السوق الحرة. وقد كشفت هذه التطورات عن عجز الأسعار الإدارية عن مجاراة واقع السوق، خصوصًا مع تحوّل حوالات دبي إلى مرجعية فعلية لتسعير الريال الإيراني.

وفي الوقت الذي حاولت فيه الحكومة تقليص الفجوة عبر تقريب سعر الدولار في مركز المبادلة إلى حدود 131 ألف تومان، سلكت السوق الحرة مسارًا معاكسًا تمامًا، ما عمّق حالة القلق وعدم الاستقرار. كما أن صعود أسعار الذهب لم يكن ناتجًا عن طلب استهلاكي حقيقي، بل عن هلع نقدي وسلوك قطيعي لدى صغار المدّخرين الساعين لحماية مدّخراتهم من تآكل العملة.

وقد أدّى هذا الوضع إلى شلل جزئي في بازار طهران، ليس لأسباب سياسية مباشرة، بل لعجز التجّار عن تعويض بضائعهم وفق أسعار الصرف الجديدة، ما يشير إلى أن الأزمة النقدية بدأت تضرب قلب منظومة توزيع السلع.

من الاحتجاج على الحريات إلى المطالبة بإسقاط النظام

في هذا السياق، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن الاحتجاجات الشعبية. فانتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» مثّلت في بداياتها مطالبة جزئية بالحريات الاجتماعية ورفع الظلم عن المرأة، إلا أن التجربة أثبتت لغالبية الإيرانيين أن النظام غير قابل للإصلاح. ومع استمرار السياسات نفسها، خرجت الجماهير اليوم بصورة أكثر تنظيمًا وشمولية، رافعةً شعار إسقاط النظام، بعدما أدركت أنه يقود البلاد نحو الهاوية اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

آفاق المستقبل: إصلاح مستحيل أم انفجار مؤجّل؟

إن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام الإيراني اليوم لا يقتصر على إدارة أزمة نقدية عابرة، بل يتمثل في أزمة بنيوية شاملة: اقتصاد أحادي، عملة منهارة، فجوة طبقية متسعة، شرعية سياسية متآكلة، ومجتمع لم يعد يثق بوعود الإصلاح.

وفي ظل غياب إرادة حقيقية لتغيير النموذج الاقتصادي، واستمرار الاعتماد على الأدوات الأمنية بدل الحلول التنموية، تبدو آفاق المستقبل قاتمة. فإما تحوّل جذري يعيد بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية عادلة ضمن نظام ديمقراطي جمهوري لا مركزي علماني، مع أخذ الحيطة والحذر من تكرار تجارب سقوط الأنظمة الإيرانية السابقة، أو استمرار التدهور وصولًا إلى انفجار اجتماعي–سياسي واسع قد يضع حدًا لهذا المسار التاريخي الطويل من الاقتصاد الريعي والأزمات المتكررة.



#جابر_احمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحالف شعوب الإيرانية الفدرالية يرحب بقرار الاتحاد الأوروبي إ ...
- انتهت اللعبة: بيان موسوي وصدى الاحتجاجات في إيران
- بيان صادر عن الائتلافين السياسيين: “التضامن الشامل من أجل ال ...
- نظام ولاية الفقيه واستخدامه مختلف الأوراق لوقف الاحتجاجات ال ...
- نظام ولاية الفقيه ومبرّرات قمع المتظاهرين
- تصاعد الغضب الشعبي في الأهواز: احتجاجات واسعة وإطلاق نار وقم ...
- مقتل 27 مواطنًا على يد قوى الأمن الإيرانية، بينهم 5 أطفال، و ...
- نظام ولاية الفقيه يستثمر أموال الشعوب خارج الحدود ويخسرها
- منظمة الشعوب غير الممثلة في هيئة الأمم (NPO) تصدر بيانًا حول ...
- أحزاب كردستان إيران تعقد اجتماعًا وتصدر بيانًا صحفيًا هامًا
- بيان صادر عن منظمة حقوق الإنسان الأهوازية بشأن الحكم بالإعدا ...
- الحراك الشعبي ضد نظام ولاية الفقيه يدخل مرحلة جديدة
- نقل السجين الأهوازي عبد الله الحيدري إلى المشفى أثر تدهور حا ...
- اللغة العربية: من جذور الكتابة الأولى إلى لغة عالمية رسمية
- الاعتقالات التعسفية تطال عددًا من المواطنين العرب في حي المل ...
- إقليم الأهواز بين التهميش المتعمّد وتغيير النسيج السكاني
- اليوم العالمي لحقوق الإنسان: مناسبة للتذكير بالكرامة الإنسان ...
- المذهب واللغة الفارسية: المشروع الثقافي الجديد للسياسة الإير ...
- انتهاكات حقوق الإنسان في الأهواز ومسؤولية المجتمع الدولي
- يوم الاستقلال الفنلندي… يوم ذو معنى وامتنان


المزيد.....




- فرنسا: تبني ميزانية الدولة لعام 2026 بشكل نهائي والحكومة تتج ...
- بينها ملكة النرويج المقبلة... شخصيات جديدة تظهر في وثائق حدي ...
- إعادة فتح مـعـبـر رفـح: أي فـاعـلـيـة فـي ظـل الـقـيـود؟
- تـرامـب: أي تـنـازلات سـيـقـدمها الإيرانـيـون لأمـريـكـا؟
- -شبكات-.. الأمن السوري في الحسكة وانهيار تاريخي للذهب
- ما عوامل نجاح اتفاق الحكومة السورية وقسد؟
- محللان: اتفاق دمشق وقسد يمضي قدما لكنه يظل قيد الاختبار
- معكم عراقجي من طهران.. قصة الهاتف الإيراني الذي لا يتوقف عن ...
- لبيد: إسرائيل متحدة ضد إيران
- محادثات إيران وأميركا المرتقبة.. من يقودها وأين قد تُعقد؟


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جابر احمد - الاقتصاد الأحادي في إيران: من القمة إلى أزمة النظام الراهنة