صابر محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
التغييرات والتحولات التي طرأت على أولية و استراتيجية أمريكا في " الشرق الأوسط"
البعد العالمي
اولاً- فيما يتعلق بتقييم الوضع والدور العسكري التقليدي للأمريكان في المنطقة، وسحب قسم من قواتها.
مثلاً، سحب بعض قواتها من العراق وسوريا، وإبقاء قواعدها في دول أخرى، مثل قطر، الكويت، الإمارات، البحرين.
ثانيا- الاعتماد على الشركاء المحليين وحلفائهم في المنطقة ( Burden Sharing)، وكذلك على القدرات الاستخبارية والجوية والبحرية، وعدم التركيز على التدخلات العسكرية الكبيرة، مثلما كان سابقا في أفغانستان والعراق.
ثالثا - التمسك بمصالحها في المنطقة، وفرض هيمنتها، ولكن بطريقة غير مباشرة في إدارة النزاعات.
رابعا- محاولة تحويل وتسليم إدارة السجون والمعتقلين من القوى الإرهابية مثل داعش وغيرها، الموجودة في سوريا تحت إدارة ( قسد)، إلى جهات عراقية أو حكام محليين، وذلك بسبب تغيير أولوية استراتيجية أمريكا في المنطقة، وذلك من خلال التنسيق مع الحكومة العراقية، وحكومة الإقليم، عوضا عن تواجدها العسكري المباشر، ولكنها تبقى متمسكة بزمام إدارة الأمور في المنطقة.
خامسا- السعي لتوازن قواها في المنطقة، وذلك من خلال التركيز على مصالحها الإستراتيجيّة الكبرى، و عدم الخوض في تدخلات عسكرية طويلة الأمد، بحيث ترهق الميزانية الأمريكية، لكي تتجنب حدوث أو بروز اعتراضات داخلية في أميركا.
دور العامل الاقتصادي في تغيير هذه الأولوية والاستراتيجية الأمريكية
اولاً- لم تعد امريكا بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط، كما كان سابقا في السبعينات أو التسعينيات، لإنها أصبحت أكبر منتج للنفط الصخري والغاز، وان حماية النفط لم يعد مبرراً لمسألة التواجدات العسكرية الضخمة والمكلفة.
ثانيا- الضغوطات الداخلية للمزاج الشعبي في داخل أمريكا، والتي تعتبر من أهم الدوافع السياسية هناك، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها الجماهير العاملة والمضطهدة هناك، من حيث ارتفاع الأسعار، التضخم ، و قلة الاهتمام بالبنية التحتية، الخدمات العامة، بسبب الحروب الخارجية وسياسات الهيمنة، و المتعلقة بالمنافسة مع الصين، كل هذه العوامل التي قد تسبب تكاليف ضخمة ، ربما قد تتجاوز ترليونات الدولارات، من وراء سياساتها الخارجية هذه، والتي تسعى للحصول على مزيد من الأرباح وواردات النفط وعوائدها الاقتصادية.
ثالثا- كل هذه العوامل الاقتصادية والسياسية التي اتّبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة ما سمي ب" الشرق الأوسط"، أصبحت عبئا سياسياً كبيراً عليها في الداخل.
رابعا- ارتفاع معدل نمو الاقتصاد الأمريكي، بعد 2018، أدى إلى تغيير موازين القوى، وتغير معه "العدو " من معاداة "الإرهاب" سابقاً، إلى " الصراع مع القوى العظمى ".
وبالتالي أصبح التهديد الأول في الوقت الحاضر هو الصين، وروسيا، وان " الارهاب " احتل المرتبة الثانية، لأنه توجد هناك إمكانية لاحتواء هذه المنظمات الارهابية.
ولهذا فإن منطقة " الشرق الأوسط" لم تعد بعد ساحة للصراعات الأساسية .
وان تحويل هذه الاستراتيجية ، إلى استراتيجية تتعلق اولاً بالصين باعتبارها أهم دولة متصارعة مع الأمريكان من الناحية الاستراتيجية وإمكانية ممارسة هذا الصراع بطرق أخرى، من خلال السياسة الضريبية والاقتصاد بشكل عام، والتكنولوجيا، وكذلك الصراع على مواقع القوة داخل البحار، ومنها كذلك الصراع على تايوان.
كل هذا يعني بأن الأمريكان سوف يقومون بإعادة توزيع الموارد، وليس التراجع والانسحاب من العالم.
خامسا- فشل الولايات المتحدة في فرض الاستقرار بالقوة في دول العالم ، ومنها أفغانستان، العراق، ليبيا، وسوريا التي أصبحت مستنقعا مأساوياً معقداً.
سادساً - ولهذا السبب السابق الذكر، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، ربما تلجأ إلى إدارة الأزمات من خلال القوى المحلية السياسية، وتتحاشى حدوث انفجارات شاملة في المنطقة، وتكتفي بضربات محدودة، وأعطت المسؤولية الأولى إلى الحكام المحليين، وبإعطاء إسناد ودعم استخباراتي، وتدريبات عسكرية كغطاء سياسي، وليس من خلال خوض الحروب المباشرة بنفسها.
ولكنها سوف تقبل في النهاية بدور محدود وجزئي لروسيا، ودوراً محدوداً لإيران، مع السماح للصين اقتصادياً، بان تلعب دوراً معيناً.
سابعاً- إن التطورات الرأسمالية المتسارعة، وتمركز الرساميل بيد الأمريكان، حولت هذه السياسات الأمريكية واستراتيجيتها، إلى " إدارة الفوضى بدل السيطرة عليها "، وربما أصبحت تقارن بالانسحاب البريطاني من حيث الشكل، وذلك ليس بمعنى الانهيار وعدم القدرة التي أذاقتها بريطانيا في حينه، بل بمعنى اختيار استراتيجيات جديدة، وتوجيه الموارد وإعادتها بشكل آخر نحو الصراع مع الصين، وكذلك زيادة تكاليف التدخلات العسكرية في "الشرق الأوسط" أصبحت باهظة للأمريكان، ولهذا السبب بدأت بتقليص نفقاتها الخارجية في هذه المنطقة، لأنها لم تعد بعد ساحة حسم دولية.
وهو السبب الأساسي الذي جعل من الأمريكان ، ان يسعوا إلى إعادة التموضع، وذلك من خلال تغيير قواعد اللعب.
البعد المحلي في سوريا، و" الشرق الأوسط"
وكما هو معروف فإن الأزمات التي تمر بها الرأسمالية العالمية، وخصوصاً ما بعد الأزمة الاقتصادية في 2008، والفقاعات التي أحدثتها هذه الأزمة، والحرب الروسية - الأوكرانية التي سعت إلى فرقعة هذه الفقاعة الكبيرة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وبالتالي محاولة تحويل مسار هذه الحروب إلى منطقة " الشرق الأوسط" و سوريا خصوصاً، وذلك بعد سنة 2014، و رسم التوازنات الجديدة في هذه المنطقة .
وهذا كله يدل على أن روسيا لديها بعد دوراً رئيسياً، لكي يضمن بقاء النظام السوري، بالتنسيق مع تركيا وإيران ونفوذها البري، واستعادة نظام الدولة السورية بالقوة، ولكن الدور الأمريكي هنا يبقى فقط في إدارة الأزمة، ومنع تمدد الدولة الإيرانية الغير منضبط، وكذلك من خلال ورقة " مكافحة الإرهاب" .
- الأهداف والمبادئ الأساسية لأمريكا في سوريا
تتمثل هذه الأهداف والمبادئ الأساسية للسياسة الأمريكية واستراتيجيتها الجديدة في المنطقة على نقاط أساسية وهي : محاولة ضبط مساحة جغرافية ، " مكافحة الارهاب" ( الداعشي)، كما تدعي ، توخي الحذر لعدم الوقوع في مواجهة مباشرة مع روسيا وتركيا وإيران على السواء.
إن ترجمة هذه المبادئ والأهداف بدأت بالتنسيق مع النظام التركي قبل كل شيء، وخصوصاً بعد تغيير نظام الأسد، ووصول أحمد الشرع ( الجولاني) إلى السلطة في سوريا.
من هذا المنطلق فإن الأمريكان رآًو في القوات المسلحة الكردية فرصة ثمينة، لتجسيد وترجمة سياساتهم في المنطقة، لأن هذه القوى المسلحة الكردية ( قسد)، وحزبها الأم حزب العمال الكردستاني، لم تكن معادية للأمريكان ، وكانوا متوهمين ببناء دولة " ديمقراطية علمانية مدنية " في سوريا تحت سيطرة الحماية الأمريكية، ولم يكن لديهم طموح إقليمي واسع، وأنه من السهل والممكن التخلي عنهم عندما تتغير تكاليف هذا الدعم الموٌّقت، ولهذا استخدمتهم ( كأداة تكتيكية)، وليس كحليف استراتيجي .
كيف عالج الأمريكان صدمة تحول أولوياتهم في المنطقة، لحفظ ماء وجههم، ووجه شركائهم من الأكراد؟
بعد تغيير أولويات الأمريكان في المنطقة، وإعلانه بأنه لن يكون هناك وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في المنطقة، ولن يدعموا الانفصال، وكما ذكر توم باراك في منشور على منصة " اِكس" ( ان انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد " داعش" كعضو تسعين في أواخر عام 2025 غير بشكل جذري مبررات الشراكة الأمريكية مع " قسد" . مشيراً إلى انتهاء الدور الأساسي لها في مكافحة الإرهاب وتنظيم " داعش" .
وكما ذكرنا سابقاً، وبالرغم من تغيير أولوياتها، فإنها سوف تبقى تدير زمام الأمور العسكرية والسياسية والأمنية والمخابراتية في المنطقة.
وطريقة علاج هذه الصدمة وردود الأفعال التي تحدث من وراء هذا التغيير، وحفظ ماء وجهها، وكذلك إنقاذ القوات الكردية " قسد" وحزبها السياسي الأم، من ورطة الادعاءات الكاذبة التي كانوا يخدعون بها الجماهير المضطهدة الكردية، حول الديمقراطية البرجوازية .
ولكن الوقائع على الأرض، أثبتت عكس ذلك، وأنه لم يكن هناك قط أي قرار أو اتفاق استراتيجي بينهم وبين الأمريكان، بل كانوا فقط وسيلة و( اداة تكتيكية ) لمحاربة داعش، مقابل السماح لهم بإدارة هذه المنطقة، وحماية الآبار النفطية، حتى إشعار آخر، وكما أثبتت الوقائع بأن سياسة الايمان ب( الدولة الديمقراطية المدنية )، في ظل السيادة الأمريكية ، هو وهم من أوهام البرجوازية الوطنية الكردية ، داخل هذه المنظومة الرأسمالية ، التي لا تتماشى مع حقوق الجماهير العاملة و المضطهدة الكردية، والعربية ، وغيرهم من الشعوب والأقليات الأخرى.
إن حل هذا التناقض، وحفظ ماء وجوههم، ووجوه شركائهم من الأكراد، كان يتطلب تخطيطاً استخباريا وأمنيا واعلامياً، من قبل الأمريكان وحلفائهم الأكراد في سوريا وإقليم كردستان في العراق، من اجل تفادي هذه الصدمة، وهذه الفضيحة الكبرى، التي كشفت عمالة هذه الأحزاب القومية الكردية للأمريكان ، وتركيا، واسرائيل ، والغرب.
إن حل هذا التناقض، تجسد من خلال رسم سياسة مزدوجة، بصفتها مؤامرة شيطانية لتضليل الجماهير، وذلك للقيام بترتيب التظاهرات الجماهيرية، وإدارتها من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني، ووسائلهم الإعلامية، وبالتنسيق مع الحزب العمالي الكردستاني والقوات التابعة لها" قسد"، والذين أصبحوا تحت إمرة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
ومن اجل ان يساهم الجميع و بقوة، في خلق هذه التظاهرات، و تجنيد أفراد تنظيماتهم الحزبية في العراق وسوريا والمدن الكردية الأخرى، وفي البلدان الاوربية والأمريكية، وغيرها من اللوبي الكردي، وذلك لإظهار حجم الجماهيرية الكردية، على أنهم مؤيدون ل " روجأوا " وذلك سعياً منهم لمحو وإنكار الصراعات الطبقية وطمسها، والترويج لمسألة الميول الشوفينية والقومية الضيقة إن كان داخل صفوف الأكراد ، والعرب ، وترويج سياسة مضللة طبقية من قبيل، أن الشعب الكردي كلهم موحدون، تحت راية الأحزاب القومية الكردية، و أن الرأسماليين الكرد، هم أصدقاء الشعب، وهم ليسوا اعدائنا الطبقيون، بالعكس من ما يروج له الشيوعيون الماركسيون حقاً، كل هذه المسرحية و البانوراما السياسية المخادعة، تم ترتيبها من أجل امتصاص آثار الصدمة والنقمة الجماهيرية، لتفادي كشف حقيقة الأحزاب القومية الكردية، و حركاتهم المسلحة، بصفتهم عملاء وأعداء الطبقات العاملة والمضطهدة الكردية والعربية في المنطقة، من جهة ، ولإظهار حسن نية وصداقة الأمريكان لهم، في ظل هذا التحول السياسي الأمريكي في المنطقة، .
وكما قام مظلوم عبدي و مسعود البارزاني وبقية المسؤولين الأكراد بتقديم الشكر والامتنان إلى توم باراك وأمريكا، تركيا، إسرائيل، على أنهم مخلصين للشعب الكردي، وقدموا شكرهم وامتنانهم لمسألة إدارتهم الجماعية لهذه الخطة الجهنمية و الساحرة، في كيفية ترتيب الاندماج مع الجيش السوري، و ترويض المسلحين والجماهير المضطهدة للحيلولة من عدم إظهار أية معارضة أو نقمة، هؤلاء المسلحين الذين توهموا بحمل السلاح معهم، على مر التاريخ.
1/ 2 / 2026
#صابر_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟