هدى الخباني
صحفية.
(Houda El Khoubani)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 02:08
المحور:
الصحافة والاعلام
إعدامُ الذاكرة
الصحفية: هدى الخباني | يقين 24
تلفظُ أحياء "البحيرة" و"كشبار" و" الأنجليز" أنفاسها الأخيرة تحت وطأة قرارات الإخلاء المتسارعة، مخلفةً وراءها آلاف الأسر في مواجهةٍ مزدوجة مع صقيع الشتاء وضياع الهوية.
يتجاوز هذا المشهد الدرامي حدود الهدم المادي ليجسد إشكالية تحديث يكتفي بتفريغ الفضاء من إنسانه وتاريخه، محولاً المدينة القديمة إلى هيكل صامت يفتقر إلى الروح والذاكرة الجماعية.
وفي قراءةٍ للممارسات الحضرية الفضلى، نجد أن مدينة لشبونة البرتغالية واجهت في أحياء "ألفاما" شبح التداعي ذاته الذي يهدد أحياء البيضاء اليوم، لكنها اختارت قانون الإحياء الحضري كبديل استراتيجي للهدم والترحيل القسري.
حفز هذا التوجه القطاع الخاص على الترميم مع صون الصبغة الشعبية، مما حول تلك الأحياء من بؤر للهشاشة إلى الوجهة السياحية الأولى في أوروبا، مع الإبقاء على السكان الأصليين كحراسٍ فعليين لذاكرة المكان.
وهو التوجه الذي تكرّسهُ أيضاً القوانين الصارمة في برشلونة الإسبانية، حيث يُمْنع هدم البنايات التاريخية حتى المتهالكة منها، وتُلزم المؤسسات بإعادة التأهيل الهيكلي الشامل.
ويكشف هذا التباين مع الواقع البيضاوي عن إصرار محلي على اعتبار المحو الشامل هو الحل الوحيد للبنايات المصنفة ضمن خانة الخطر، في وقت يثبت فيه العالم أن الترميم الذكي يمثل استثماراً اقتصادياً رابحاً يفوق في عوائده منطق الإزالة.
ما تشهده المدينة القديمة اليوم ليس مجرد إصلاح عمراني تقني، بل بتر لشبكة اجتماعية واقتصادية معقدة.
وتؤكد المصادر الحقوقية والجمعوية أن تشريد الأسر في ذروة الشتاء لا يمس الحق في السكن فحسب، بل يمتد أثره لتبديد الرأسمال اللامادي للمدينة؛ فالسائح الوافد على الدار البيضاء لا يبحث عن واجهات زجاجية مكررة، بل ينقب عن "روح كازابلانكا" القابعة في تلك الجدران التي تُسوى بالأرض بدعوى التحديث.
وبينما تفرض المعايير الدولية إشراك الساكنة والحرفيين كعناصر فاعلة في أي تأهيل حضري، تُختزل المقاربة المحلية في منح مُهل إخلاء ضيقة واستخدام وسائل ضغط تفضي إلى نزوح اجتماعي نحو الهوامش.
لا يعالج هذا المسار معضلة السكن بقدر ما يكرس قطيعة تاريخية بين المواطن وفضائه، واضعاً العاصمة الاقتصادية أمام الاستمرار في سياسة الإسمنت والرماد التي تُنهي قصة المكان، أو التحول نحو فلسفة الإحياء المستدام التي تجعل من صون التراث والنسيج البشري محركاً حقيقياً للتنمية، أسوة بالنماذج العالمية التي نجحت في تطويع الزمن لصالح المستقبل.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟