أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سوزان ئاميدي - ثرثرة مُسيَّرة














المزيد.....

ثرثرة مُسيَّرة


سوزان ئاميدي

الحوار المتمدن-العدد: 8555 - 2025 / 12 / 13 - 12:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين افتُتح أول مقهى في لندن عام 1652 لم يكن ذلك إعلاناً عن ولادة فضاء حر كما يُحب أن يُصوَّر لاحقاً، فالمجتمع آنذاك لم يكن أقل خضوعاً للسلطة مما هو عليه اليوم والرقابة لم تكن غائبة بل كانت حاضرة بطرق أكثر فجاجة ومع ذلك لم ينتظر الناس إذناً بالحوار ولم يفترضوا أن السلطة راعية له بل تعاملوا مع النقاش بوصفه حاجة عملية ومصلحة مشتركة قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
من هنا لم تتحول المقاهي إلى ساحات صدام، بل إلى فضاءات تنظيم بطيئة، هادئة، يصعب الانتباه إلى أثرها في لحظته لكنها راكمت نفوذاً لم تستطع الدولة لاحقاً تجاهله. تحولت هذه المقاهي من أماكن لاحتساء القهوة إلى مؤسسات غير رسمية أعادت تشكيل الاقتصاد والفكر والسياسة، لا لأن القهوة منبّهة بل لأن الإنجليز التقطوا مبكراً أن اليقظة الذهنية إن لم تُنظَّم تتحول إلى ضجيج . كُسرت الحواجز الطبقية وتخصصت المقاهي حسب المهن وتحوّلت أحاديث التجار في مقهى جوناثان إلى نواة سوق مالية وتحولت نقاشات البحّارة في مقهى لويد إلى أساس صناعة تأمين عالمية، فيما عملت المقاهي بوصفها شبكة معلومات تُتداول فيها الأخبار والرسائل بسرعة فاقت ما عرفته أوروبا آنذاك ،وحتى عندما حاول الملك تشارلز الثاني إغلاق هذه المقاهي، لم يكن ذلك دفاعاً عن النظام العام بل خوفاً من أن الحوار المنظم صار قوة يصعب ضبطها، ومع ذلك تراجع لأن ما تحوّل إلى مؤسسة لا يُلغى بمرسوم .
لكن استحضار هذه التجربة لا يعني إنكار الواقع الراهن أو الرومانسية تجاه الماضي ، فاليوم ، حتى لندن نفسها لم تعد كما كانت والمجتمعات الحديثة لم تعد تُمنع من الحوار بقدر ما تُغرق به. الفضاء العام لم يُغلق، بل فُتح على اتساعه حتى فقد المعنى ، وأصبح النقاش متاحاً بلا حدود لكنه موجَّه ، مُسَيَّر ، سريع الاستهلاك ، تُحدده الخوارزميات أكثر مما تحدده الحاجة المجتمعية . على منصات التواصل ينجذب الجمهور بشكل أكبر إلى المواضيع السطحية، ويتجمع حولها كأنها الحدث الأكبر، بينما تُهمل الأفكار العميقة ، والنقاشات الهادفة ، والمبادرات التي قد تصنع مستقبلاً .
الشباب اليوم كثيرون منهم يستهلكون الحوار بلا أثر وينحدرون في أخلاقهم وسلوكياتهم ويتوقف التغيير عند حدود التعليق والإعجاب ، بينما يحتاج المجتمع إلى تراكم الأفكار وتحويلها إلى مسارات واضحة ومستدامة . لم يعد الخطر في إسكات الأصوات ، بل في تفريغها من الأثر ، بحيث يُقال كل شيء ولا يتغير شيء .
وهنا يبرز الفارق الجوهري الذي يهم المجتمع الكوردي اليوم . نحن لا نعاني من نقص في الكلام ولا من غياب المنصات ، بل من غياب التنظيم . نجتمع جسدياً دون نقاش حقيقي ونتجادل رقمياً دون تراكم ، فتتكرر الأفكار ، يُستهلك الغضب ، ثم يُعاد إنتاج المشهد ذاته .
المشكلة ليست أن السلطة لا تسمح ، فالسلطة لم تكن يوماً شرطاً للنهضة ، بل أن الحوار يُستهلك بوصفه تنفيساً لا مسؤولية ، ورأياً لا مشروعاً ، وردّ فعل لا مسار .
لم تصنع القهوة نهضة لندن، كما لن تصنع وسائل التواصل نهضة أي مجتمعً. ما يصنع الفرق هو القدرة على تحويل اليقظة إلى بنية والكلام إلى إطار والاختلاف إلى قوة منظمة. التاريخ لا يقول إن الحرية تُمنح بل إن الوعي الذي لا يُنظَّم يُهدر ، والحوار الذي لا يتحول إلى مؤسسة يبقى ضجيجاً مهما بدا واسع الانتشار . وفي عالم مُسَيَّر أكثر من أي وقت مضى ، لا تكون المشكلة في قلّة المنابر ، بل في غياب الإرادة لتحويل الكلام من لحظة عابرة إلى أثر باقٍ .



#سوزان_ئاميدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لو انقلبت المعادلة …لماذا يُسمح بضرب كوردستان ويُحرَّم ردّها ...
- حين تتحول الرواتب إلى أداة ضغط …قراءة جديدة في إرث المالكي م ...
- حين تتحول المتعة إلى بديل عن السعادة في ظاهرة علاقات الفتيات ...
- الرئيس بارزاني: إعادة النظر في سايكس-بيكو فرصة لاستقرار العر ...
- التوزيع غير العادل للمقاعد بين بغداد وكوردستان تعداد مشوَّه ...
- بدل أن تكون هيئة تحرير الشام جارة لتركيا فليكن الكورد هم الج ...
- إلى المرشحين الكورد للبرلمان العراقي
- من سايكس–بيكو إلى وعد بلفور… لماذا يُثير أي تحرك بريطاني الق ...
- المدخلية في العراق بين الولاء للسلطان وتغييب القانون
- إلى المجتمع الدولي… انتظار الكورد الطويل… استقرار يُقدَّم وح ...
- من السليمانية إلى أربيل ..معركة الانتخابات ورهانات الاستقرار
- جيرار شاليان رحل جسداً وبقي حيّاً في ذاكرة الكورد
- مؤتمر الحسكة وتحديات المستقبل السياسي للكورد في سوريا
- إبادة الكورد… جريمة تتكرّر وصمت دولي لا يتغيّر
- مظلوم عبدي بين واشنطن وأنقرة: هل تنقلب أمريكا على شريكها الك ...
- من حرق البنادق إلى صناديق السياسة… ماذا تعني حرق السلاح لدى ...
- إيران ومعاهدة عدم الانتشار في ميزان التهديد والعزل
- لماذا فشلت النخبة الشيعية في قيادة الدولة العراقية؟
- إيران بين المشروع النووي وتصدير الأزمات ،حين يدفع الشعب ثمن ...
- كندا تحت الضغط وصراع العملاقين يهدد مستقبلها الاقتصادي


المزيد.....




- الإمارات تنفي ما يتم تداوله بشأن -زيارة نتنياهو أو استقبال و ...
- نتنياهو زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران والتقى بن زايد ...
- سويسرا تبحث عن بديل أوروبي أو آسيوي لـ-باتريوت- الأمريكي
- طفل تونسي يتوج بطلا عالميا للحساب الذهني
- فرنسا تحقق في تدخل شركة إسرائيلية بالانتخابات المحلية
- مكتب نتنياهو يكشف قيامه بـ-زيارة سرية- إلى الإمارات خلال الح ...
- قرقاش: العلاقات العربية الإيرانية -لا يمكن أن تُبنى على المو ...
- ترامب يصل الصين في زيارة نادرة، وملفات التجارة وإيران وتايوا ...
- -لا ترقى الى المعايير الدولية-.. فولكر تورك يطالب إسرائيل بإ ...
- فنزويلا الولاية 51.. -أمريكا أولا- تتوسع نفطيا


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سوزان ئاميدي - ثرثرة مُسيَّرة