أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - كل الغياب يعود الا انت














المزيد.....

كل الغياب يعود الا انت


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8547 - 2025 / 12 / 5 - 09:04
المحور: الادب والفن
    


حين يقول الشاعر محمود درويش : "سأنتظرك غداً، فإن لم تأتِ… فكل الأيام غدٌ حتى تعود" فهو لا يعلن موعداً بقدر ما يكشف عن حالة وجودية تُسمّى الانتظار الكامن؛ ذلك الانتظار الذي لا ينتهي، والذي يتحوّل فيه الزمن من تعاقب ساعات إلى دائرة مغلقة لا بداية لها ولا نهاية. هنا يصبح الغد ليس يوماً في التقويم، بل مساحة نفسية يعيش فيها القلب معلّقاً بين الرجاء والخذلان، بين وعود الروح وصدأ الغياب.
الانتظار في جوهره ليس ضعفاً كما يرى البعض، بل هو فنّ المقاومة الهادئة. من ينتظر لا ينسى، ومن لا ينسى يثبت أن في داخله جذوة لا تنطفئ مهما تراكمت فوقها رماد الأيام. هذا النوع من الانتظار يحمّل الغائب مسؤولية غير معلومة؛ كأنه يقول له: أنا أثبت لك أن الزمن كلّه ملكك، وأن الغياب مهما طال لن يدفعني إلى بابٍ آخر. إنه نوع من الوفاء الممزوج بالعناد العاطفي، حيث يصبح القلب دولة مستقلة لا تعترف بتقويم غير تقويم محبوبها.
لكن في العمق، هناك شيء آخر يحدث. الإنسان الذي يعلّق روحه على "غدٍ" مؤجّل يعيش حالة صراع داخلي بين عقلٍ يعرف أن الانتظار مرهق، وقلبٍ يعرف أن الفقد أكثر إيلاماً. لهذا يتشبث بالغد؛ لأن الغد وعد، والوعد أرحم من الحقيقة، والخيال أدفأ من مقاعد الوحدة الباردة.
الغد في هذا القول ليس زمناً… بل مهرباً. مهرب من مواجهة النهاية، من الاعتراف بأن بعض البشر حين يرحلون لا يعودون. لذلك يُعيد العاشق تشكيل الزمن بحسب عاطفته، كمن يصرّ على أن الشمس ستشرق من نافذته حتى لو قررت السماء غير ذلك. إنها محاولة بليغة لإعادة ترتيب الكون حتى لا يسقط القلب في فراغ الحقيقة.
وهناك بُعد آخر.. الانتظار الطويل يجعل الإنسان يرى نفسه بوضوح أكثر. فكل دقيقة تمضي بلا عودة الغائب هي درس إضافي في الصبر، وامتحان إضافي للكرامة، وجرح صغير في رخام الروح. ومع ذلك، هناك شيء جميل في هذا الألم… شيء يجعل الإنسان أكثر شفافية، أكثر إحساساً، وأكثر قرباً من ذاته. كأن الغياب ينحتنا ويعيد تشكيلنا ويجعلنا نكتشف كم نحن ضعفاء، وكم نحن أقوياء في الوقت نفسه.
إن قولك يشبه رسالة غير مكتوبة: " أنا لا أخشى الزمن، لكن أخشى غيابك فيه." أو كأنه اعتراف خفي: " إن حضوري معلّق بحضورك، وإن روحي لا تعمل إن لم توقدها خطواتك."
في النهاية، الانتظار ليس موقفاً… بل حالة شعرية. وحين يتحوّل الإنسان إلى قصيدة، يصبح الزمن مجرّد هامش يكتب عليه القلب ما يشاء. وهكذا، يصبح الغد قابلاً للتمديد إلى ما لا نهاية… فالعاشق الحقيقي لا ينظر إلى الساعة، بل إلى الطريق الذي قد يظهر فيه من يحب.
وعندما يعود الغائب —إن عاد— سيكتشف أنه لم يعد إلى شخص، بل عاد إلى كونٍ كامل كان ينتظره.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دعينا نلتقي
- انتم الخراب الذي يمشي على قدمين
- رفض تاريخي آخر: لماذا تبتعد المرجعية عن لعبة الكراسي؟
- ماض لن يعود .. كوجه جميل غادره الضوء
- أحملك بقلبي وأدفنك بصمتي
- جمال الموت
- أجمل المحطات
- دروع الإبداع… حين صار الوهم أعلى من الحقيقة
- جريح الثقة لا يُشفى
- لا تمنح الحقيقة كاملة .. انهم لن يفهموك !!
- بين الثائر والطاغي شعرة
- لقد كانت معركة عظيمة كلفتني قلبًا بأكمله
- ظل الآخر
- قلب مسافر عاشق
- رحيل في منتصف الطريق
- السيادة.. ليست علماً يرفرف ولا نشيداً يصدح
- خرابٌ تحت قبّة الجامعة: حين يتحوّل الجهل إلى لقبٍ أكاديمي
- عندما تتحوّل الكتابة إلى مطرقة لا ترحم
- الكتابة واشكالية المتلقي
- في المسافة بين إنسانيتهم… و ( انسانيتنا )


المزيد.....




- ترجمة الذكاء الاصطناعي متهمة بإغراق محتوى ويكيبيديا بالهلوسة ...
- شاهد.. ردة فعل ميسي بعد تلقيه هدية غير متوقعة من فنانة مكسيك ...
- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون: -سنقوم ...
- الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال ...
- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - كل الغياب يعود الا انت