أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم زهوري - الشامان الصغير















المزيد.....

الشامان الصغير


ابراهيم زهوري

الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 10:09
المحور: الادب والفن
    


إلى كل الذين اهتزت مشاعرهم في تلك الساعة

لا تلومه الأشرعة
ولا القطوف عند نومه منازل .

إن تلك الحادثة كانت السبب وراء إبتلاء أمي بمرض القلب وأنه حلف يمينا ً بأن لايُدخِل ديك حبش مرة أخرى إلى البيت ذلك ما أخبرني به أبي لاحقاً .

في مشفى الرازي الحكومي في مدينة حلب بكيت كثيراً إلى درجة الإختناق ليس من تأثير الألم الفظيع الناتج عن عملية خياطة لئم الجرح أسفل ذقني بأكثر من عشرة قطب أو غُرز دون تخدير موضعي بل من وضع رأسي عنوة تحت دفق شلال صنبور الماء عندما تطلب الأمر غسل الدم المسفوح المتخثر ..
عندئذ كانت جميع أطراف جسدي الهش تشترك في نوبة إرتعاش تعبر عن حقها في تنفس الهواء .

في الغرفة الكبيرة مجموعة أسرة حديدية بيضاء وكان نصيبي سرير الزاوية من جهة اليمين محاذاة الباب حيث جاورت طفلاً ريفيا ً لا يشبهني من حيث إكتنازه المفرط ، لايتكلم أبدا غير غمغمات ألم ٍ وأنين تتصاعد طوال الوقت مثل شخير متكرر كلما علا شهيقه أو هبط زفيره ، سقط أو بالأحرى وقع هو الآخر لكن في قدْرٍ كبير من مربى الورد الجوري المغلي الذي تشتهر في تحضيره كل من أرياف حلب و حواضرها حيث يبدو جسم الولد المحروق المكتنز مكتظا ً بالدمامل المتناثرة على كافة أنحاء جسده الذابل المنهك مثل تلال كثبان الرمل .

جاءني الكثير من أهلي وجيراني ، وخلال كل فترة متقطعة من إستراحة القادر على التعافي أستغل ما لدي من وقت للتجوال في البهو الواسع وغرفه المتعددة أتمسك بثوب أمي وأمشي أقلد خطواتها النبيلة مع دعوات الرضى التي تنسجها روح حكمة غابرة وأعراف عاطفة جليلية وفوقها نصيحة ما .. تفتتت عبث طيات المجهول وتكسر رتابة الحال الطارئ الذي أعيش فيه ملتاعا ً في متاهات هذا المكان الكبير النشط الذي يجمع أصنافاً من البشر يسترسلون بريق جواهر حكاياتهم العجيبة كشريط تسجيل سينمائي ملون مع نصف الحياة حينا ً ونصف الموت أحياناً أخرى .

ترفعني ذراعي أمي عاليا ً خفيفاً متألقاً مثل ريشة ما نحو نافذة عريضة مطلة على الشارع العام _ تماما ً كما حملتني بعد لحظة إنقاذي من السقوط المرعب بفضل جهود بعض شباب الحارة الميامين الذين فزعوا ونزلوا البئر مسرعين لانتشالي من غياهب براثن العدم و فورا ً حرص بعضهم الآخر على الركض باتجاه مكتب الهاتف القريب و طلب بإلحاح ٍ وقور حضور سيارات طوارئ النجدة الحمراء تعلو سقفها الأمامي صفارة الإنذار وضجيجها المدوي وسط ترقب حشود الناس المتجمعين حول المكان وتصفيقهم الشديد بعد معرفتهم يقينا ً أنني خرجت حيا ً _ هكذا كنت أتشبث بإطار الرخام الناعم أراقب تحرك القطار الطويل وهو يعبر أحياء المدينة باتجاه الشرق يشد عرباته الكثيرة من خلفه كأنه خيط غليظ مشدود ، وأنا أتنفس هواء المدينة منهمكا ً أرى مجموعات من المارة يتجمهرون قاصدين مهرجان معرض حلب الدولي في فترة العصر من وقت لآخر .

في تلك اللحظة المدهشة زارني كلّ من الجار الطيب والقريب الودود و مرة أخرى في زيارة أحدهم فزت بما هو أفضل من تزاحم الناس المتعبين وتراحمهم الإنساني المكلوم وبعيداً عن تهيج حساسية إستنشاق رائحة الكحول الطبي المنتشرة هنا وهناك .
كان الرجل بهيا ً في إطلالته .. حسن المنظر مألوفا ً و دافئا ً ورائحة ثيابه المطرزة من مسك وعنبر كأنه خارج للتو من نعيم الفردوس رغم أنني لاأعرفه كانت خطواته هادئه وواثقة مثل من يمشي على غيمة حلم .. هكذا خُيِّل إلي وتحديداً لحظة دخوله من باب الغرفة الواسعة إلى موضع سريري عند الزاوية حيث تبقعني أشعة الشمس بظلالها وأتعتق برحيق قدومه ، يضع كف يده اليمنى و يمسد شعر رأسي الكث يحدثني و يردد بصوت شجي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ، يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ ‏"‏ اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا ‏"‏‏.
وهنا لأول مرة تهتز مشاعري الإيمانية البريئة من أعماقها وتستيقظ ، تنبثق عارمة مثل عريشة العنب في باحة دارنا تتدفق كلها دفعة واحدة تجاهه جياشة مثل شلال موسيقى هادئة وتغلبني نوبة إشراق ملتهبة من إستعادة الوعي وغيابه لأرد له تحية السلام بلا حرج تدعمها طمأنينة المقبل على فرص الحياة بعد النجاة مما ذكرني بنفس الحالة من فزع ٍ و تسليم عندما كنت أطير وأسقط في هاويتي وأغيب عن الوعي في منتصف المسافة تقريبا ً بين الضوء والعتمة مما مكن الهواء كله من نزع ثيابي لأستقر في حفرتي شبه عاري .

والأهم من ذلك كله نهم شهيتي المفتوحة لتناول أقراص طبق الكباب الحلبي التي يحملها بين يديه الكريمتين ووضعهم دفعة واحدة في حضني حيث تفوح رائحة شوائه في عموم الغرفة الفسيحة إلى أن جاء الشرطي بزيه الصارم يزنر خصره مسدسا ً حربياً و يحمل بين يديه دفتراً عريضا ً و قلم ، يسألني عن سبب الواقعة وكيف حصلت ومن هو ذلك الولد المأفون الذي دفعني وألقاني في غياهب الجب و هرب ، كنت نحيلا ً بما يكفي ليبتسم لي تعاطفا ً وأنا عاجز عن الكلام بسبب ضغط الضمادة المشدودة على ذقني وكأنها لحية بيضاء من القماش ..
- " كنت أطيّر ُ الحمام " ! هكذا أجبته وسط قهقهات المتحلقين حول السرير و هكذا إبتسم هو مرة أخرى عندما كتب في متن محضر الإبلاغ الشُرطي أنني مع مجموعة من أطفال الجيران في ظهيرة صيف كنا نرمي ريش الديك الرومي نحو قاع البئر العميق الذي يتخذ شكل دائرة واسعة بحيث تهبط كل ريشة بانسيابية مفرطة وتتمايل لترسم مساراً عجيباً لها في الفراغ وكأنها ترقص رقصتها الأخيرة دون عوائق تذكر في تزاوج واضح بين كل من السقوط الحر و هبوب الهواء وسيطرة العتمة على مساحة البئر الذي يتوسط بركة الماء المسقوفة والخزان الشاهق ( الحاووظ ) الذي يعد أثراً شائعاً ومعلماً معروفاً من أيام إحتلال الإنتداب الفرنسي للبلاد .

الديك الرومي أو ديك الحبش كما نحب تسميته و الذي جلبه أبي إلى البيت وطلب بعد ذبحه من أمي وشقيقاتي تحضيرة لوليمة العشاء .

لم يهمني أبداً زحمة التجمهر حولي مرات عديدة
في الحارة بعد الخروج من المشفى أو من عناء الحديث نفسه مرات عديدة أو من ملل تكرار القصة من أولها إلى آخرها حينما يطلب مني أحدهم سرد الحكاية المثيرة مرة أخرى مع رزمة تفاصيل جديدة تعقبها بحيث تعيد الأمر برمته إلى بداية اللحظة المؤسفة الخاطفة و طريقة حدوثها حيث في طياتها تحمل مزيدا ً من أجوبة الدهشة و الإستنكار للذي كان السبب في ذلك كله مجبولة بعبارات التعافي المحمود والسلامة المنشودة وهذا ما كان يصرح به كل من أصادفهم أحيانا ً كثيرة على مسمعي بأن الملائكة أيضا ً رغم كل ذلك هي من حملتني وأنزلتني بهدوء شديد إلى قاع البئر المظلم توددا ً لصغر سني و مغفرة و رحمة وأن الطفل الشقي الآخر الذي دفعني وفرّ هاربا ً خائفا ً مذعورا ً قد أغوته بلا شك عين الشيطان المتقدة وطيش ألاعيبه الجهنمية و العياذ بالله ، منذ ذلك الوقت وأنا أشعر بفيض محبة الناس من حولي واحتوائهم الحنون وأنا الطفل المحظوظ جدا ً في سقوطي المدوي المريع وفي إحتفالية خلاصي الحصرية أيضا ً .. خاصة حين يبادرني أحدهم بالسلام علي ّ وإلقاء التحية مبتسما ً: أهلين ( أهلا ً ) بالشيخ إبراهيم " .

NÜRNBERG
17/11/2025



#ابراهيم_زهوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينما يرقص الظل
- غسلت وجهي متيماً بدعاء الخصب
- إمرأة لحاء العطر
- سلسلة جبال حرمون ( جبل الشيخ )
- صورة البستان في المنام
- تعود من حيث بدأت
- قيامة الموج في حقائب الرحيل
- الفوز بالنقاط .... حتى رحيل ناثان .. ياهو . التخلف و الرأسما ...
- الهلع الأول و بريق هتاف
- مارو -Maro
- أجمل من الوردة أجمل من صرخة الأغصان
- متسعا ً مثل أحلام السماء وقريبا ً مثل بقعة الضوء
- رحيق الوقت وردة الأزل
- طهارة التجوال .. غربة الروح أساور ذهب
- ( إخوان الصفا ) وعناقيد العنب المخمورة
- زيتونة الأقصى
- في زحمة المرايا
- عنزة التلمود والدولة الوطنية
- أميرة الشهيدة و العروس حزننا الأبدي
- بصدد نقد النزعة المركزية الأوروبية


المزيد.....




- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...
- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ابراهيم زهوري - الشامان الصغير